طفولتنا تختلف – عبد الكاظم محمد الخشالي

طفولتنا تختلف – عبد الكاظم محمد الخشالي

عندما كنا صغار كانت طفولتنا تختلف عن ما هي عليه اليوم ..كان الشارع حضننا الذي نتنفس من رأته ونشعر بالأمان واللعب واللهو فيه  ..كنا نجد فيه كل أهلنا من الجيران وأبناء المنطقة كنا لا نعرف عن كل واحد من أي مذهب او عشيرة ينحدر ، بل كل ما نعرفه عنه هو طيبته وبساطته وخصاله الحميدة رغم عسر الحال ورغم الأعمال البسيطة التي يقوم كل واحد منهم بها …  فهم ليس موظفين او رجال أعمال وإنما كسبة وباعة وعمال عاديين او ربما  القلة منهم حارس ليلي او فراش وقلائل منهم جدا يعملون في سلك التعليم كمعلمين من الشباب  ..ليس هنالك حواجز بيننا وبين جيراننا والأبواب مشرعة لنا ونحن ندخل تلك البيوت الجميلة في ناسها ان جعنا .. طلبا لرغيف خبز يسد رمق الجوع او فص تمرا …كان النهر صديقنا كان يضمنا لصدره وقت الظهر في ذلك القيض اللاهب كنا نجلس على رماله الباردة نصنع من تلك الرماد اشكال غالب ما تمسحها الامواج ..كان النهر صديقنا عندما يكون خنياب حيث النهر يفيض بماء احمر اللون كلون الحليب الممزوج بالشاي او ان كان صيهود حيث الشحه ويكون لونه رقراق وانت ترى مجاميع الأسماك الصغيرة تسبح فيه ..

لم نكن نحن الأطفال أصدقاء النهر وحدنا فالنهر عنده أكثر من صديق هنالك الزوارق المختلفة مكتضة على جانبه الأيسر منذ الصباح وتبدأ بالاختفاء حتى وقت الظهر حيث يبدأ المتسوقون من الفلاحين محملين بالسكر والشاي والتتن  والشخاط والنفط وغيرها من الحاجات  وهم يعودون إلى قراهم الممتده على طول جانبي النهر والفروع التي يغذيها بأتجاه الاهوار ..ومن اصدقاء النهر صيادوا الاسماك حيث يجلسون يصلحون شباكهم او يقوموا باعمال الصيد وبعض طرق الصيد هو المحير حيث يرمون شباكهم ويحيطون منطقة من النهر بهذه الشباك ثم يسحبوها الى حافة النهر وترى الشباك تصتاد كل شيء من السمك والجري والسلحفات وغيرها وللنهر أصدقاء اخرين من صانعي الحصران من أعود القصب القادمون من مدينة المدينة في البصرة  الذين يمكثون ثلاث اشهر تنتهي بالشتاء  لترويج بضاعتهم من تلك الحصران التي يستخدمها الفلاحون لبناء الاكواخ او تجديدها .

بساتين النخيل

كما هنالك من العوائل التي تذهب إلى بساتين النخيل في البصرة لجني التمر او كبسه حيث يفترشون جانب النهر في حالة الذهاب والاياب…اذا أصابنا الضجر نخرج خارج حدود المدينة حيث حقول الحنطة والشعير المنتشرة ونحن نعرف أصحاب هذه الأرض ندرس على بساط اخضر وان جعنا اكلنا من نباتاتها  البرية حيث الحندقوق والرجيجة  وبعض الاحيان نلتقي بالفلاحين ويحدثونا عن داخل حسن وصوته الجميل وفي بعض الاحيان نرافق رعاة الابل وهي تاتي على شكل مجاميع كبيرة لغرض الرعي ولا نتجنب ان نمسك باحدها محاولة لركوبه او نلهوا بان نضع اطراف اصابعنا  بين موقع قدم البعير على الارض وفمنا ونحن نمص اصبعنا لشرب حليب الناقة كما نتصور ونتخيل وهي مجرد اساطير لا نعرف كيف عرفناها …بعد العشاء لم نفارق الشارع بأضويته  الخافته نجتمع نحن الأطفال عند أحد أعمدة الكهرباء  ونبدأ باللعب ..نلعب (غميضة الجوجو )او (الجحير بحاس) او (عظم الضاح) وغيرها حيث نأخذ وقتا طويلا بعدها نذهب إلى نوم .. عند وقت النوم نتأمل السماء الصافية نترقب النجوم واصبحنا نعرف اين بنات نعش ونرى ونراقب الأقمار الصناعية وهي تسير في السماء .وعند النهار  نلعب الدعبل او الجعاب او نعمل لنا العاب على شكل سيارات من صفيح الدهن او معجون الطماطة الفارغة .

كنا نذهب للمدرسة لا نرتدي سوى الدشداشة لا تجد فرق بين غنينا وفقيرنا كلنا نفس المظهر وكان المعلم عندنا اكثر من الاب في الاحترام والتقدير ..كثير ما نواجه صعوبة في الدراسة ونبقى في حيرة ان عصى علينا سؤال فليس لدينا من احد نساله فاغلب امهاتنا او اباءنا اميين …كانت يومياتنا لا تتعدى الفلسيين ثم صارت عانة ثم اصبحت خمسة فلوس كنا نشتري الكعك الأصفر او الشامية باللون الوردي حيث تجد شفاهنا تتلون بهذا اللون ونحن نأكلها او نشاري تمر الديري او خيار القثاء ..

كنا لا نعرف النستلة او الككو ..كنا نفرح كثيرا في مناسبات العيد كنا نستعد له وكنا نضع ثياب العيد تحت رؤسنا رغم بساطتها فهي لا تتعدى كونها دشداسة من البازة شتاء و(التي باي تو ) صيفا كانن امهاتنا يحنن ايدنا ليلة العيد  بالحناء وكنا نفرح في مناسبات الزواج لأي شاب من مدينتنا وكنا نحزن ان رحل احد كلنا يشعر نفس شعور الفرح والحزن . كنا نحس ونحن أطفال ونشعر بقضية فلسطين كنا دائما نتابع الاخبار ونسمع الاغاني والاناشيد الفلسطينية من الراديو وهو المأنس الوحيد لنا خاصة في ليالي الشتاء حيث العائلة تجلس حول موقد الفحم في المنقلة وحيث قوري الشاي .. وكنا نشعر ان النصر بات قريب على الصهاينة. كنا نأمل أن نكمل دراستنا وننشل عوائلنا من حالة الفقر والعوز .