ضعف الحكومات وتحدّي وإستخفاف الساسة الأكراد – سامي الزبيدي

معادلة العلاقة بين الإقليم والمركز

ضعف الحكومات وتحدّي وإستخفاف الساسة الأكراد – سامي الزبيدي

لمعادلة التي حكمت وتحكم العلاقة بين الحكومات المركزية وإقليم كردستان هي الضعف الكبير للحكومات المركزية مقابل حكومة الإقليم وقادته السياسيين والتحدي الكبير والمتواصل لقادة الإقليم لحكومات المركز والأسباب معروفة فرؤساء الحكومات في عراق ما بعد الاحتلال  لم يكونوا سياسيين مجربين وإنما مراهقو سياسة استهوتهم السلطة والنفوذ والجاه فكرسوا عملهم مستغلين مراكزهم الحكومية للعمل من اجل مصالحهم الشخصية والحزبية والفئوية الضيقة على حساب مصالح الشعب والوطن  وفضلوا السلطة والمناصب العليا وزخرفها ومنافعها على خدمة شعبهم ووطنهم فاستغل الساسة الكرد نقطة ضعف الساسة  والقادة  في الحكومات المركزية  لتحقيق مكاسب لهم ولعوائلهم وأحزابهم  ومن ثم للإقليم على حساب تطلعات ومصالح الشعب العراقي بكل قومياته وأطيافه وعاملوا قادة العراق بكل المستويات وحكوماتهم  باستخفاف واضح وعدم اهتمام  وبتحدي في أحيان كثيرة وتجلى ذلك على قرارات الحكومة المركزية التي غالباً ما يتجاهلها قادة الإقليم ولا ينفذوها ولم ينفذوا حتى قرارات القضاء العراقي وفرضوا إرادتهم على كل الحكومات المركزية وحققوا مكاسب شخصية و حزبية وقومية مستغلين  ضعف الحكومات العراقية , وهذه الظاهرة ليست وليدة هذه الأيام لكنها بدأت مع بداية العملية السياسية المشوهة التي فرضها الأمريكان على شعب العراق بعد الاحتلال عبر سيطرت أحزاب وكتل طائفية وصلت لهرم السلطة  وقيادة البلد بعد عمليات انتخابات شابها  الكثير من عمليات التزوير والتلاعب بأصوات الناخبين واستحقاق الأحزاب والكتل المنافسة, ولتأكيد ما أقوله وأورد هنا بعض الحقائق التي تؤكد تحدي  الساسة الكرد للحكومات العراقية المتعاقبة  واستخفافهم بها, فعند كتابة الدستور أصر الأكراد على تثبيت مادة تمنع تنفيذ أي قرار تعترض عليه ثلاثة محافظات ومعلون ان الإقليم يتألف من ثلاث محافظات وهذا يعني ان أي قرار لا يوافق عليه الأكراد لن ينفذ , أصر الساسة الكرد على حل الجيش العراقي بعد الاحتلال بالاتفاق مع بعض الأحزاب الطائفية وهذا ما اعترف به بول بريمر الحاكم المدني لسلطة الاحتلال والغاية من ذلك إضعاف الدولة المركزية ومعلوم ان الجيش رمز السيادة الوطنية وسور الوطن ولا توجد دولة بالمعنى الحقيقي للدولة بدون جيش قوي

عملية تسليحية

وعند تشكيل الجيش الجديد اعترضوا بل منعوا عملية تسليحه بأسلحة متطورة خصوصاً الطائرات المقاتلة , استولى الأكراد على أسلحة وتجهيزات ومعدات ثلاثة فيالق من الجيش السابق ورفضوا تسليمها الى الحكومة المركزية وقاموا بتسليح وتجهيز قوات البيشمركة بها , اعتبر الدستور العراقي الذي تم أقراره بعد الاحتلال ان البيشمركة هم حرس الإقليم   للمحافظة على الأمن الداخلي ويكون تسليحها بأسلحة خفيفة ومتوسطة وقواتها محدودة وتناط مهمة الدفاع عن الإقليم بالجيش العراقي لكن الساسة الكرد جعلوا من البيشمركة جيشاً كاملاً تنظيماً وتسليحاً وتجهيزاً في تحد واضح لحكومات المركز,في الدول ذات الأنظمة الفيدرالية هناك جيش مركزي واحد ومن حقه المرابطة في أي مكان من أراضي الدولة الفيدرالية سواء للتدريب والمناورات أم للسكن في المعسكرات في حين منع الأكراد أي وجود للقوات المسلحة العراقية في أراضي الإقليم ومنعوا دخول أية قوات إلا بموافقتهم كما منعوا تحليق الطائرات الحربية العراقية في سماء الإقليم.

قوات بيشمركة

وسع الساسة الكرد تشكيلات قوات البيشمركة وجعلوا منها فرقا وألوية وصنوفا وخدمات ومؤسسات تدريبية وكلية عسكرية وكلية أركان وسلحوا تشكيلاتها بأسلحة ثقيلة وباتت  جيشاً كاملا يوازي الجيش المركزي بل يفوقه في بعض المفاصل , أرغم الساسة الكرد الحكومة المركزية باعتبار البيشمركة جزءا من منظومة الدفاع العراقية لكي تدفع الحكومة رواتب ومخصصات البيشمركة وفي المقابل يعلن الساسة الكرد والقادة العسكريون للبيشمركة ان هذه القوات لن تتلقى أوامرها من الحكومة المركزية ولن تنفذ أوامر القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء وإنها تتلقى الأوامر من الساسة الكرد فقط , منع الأكراد دخول أبناء المحافظات العراقية الأخرى الى محافظات الإقليم إلا بموافقة رسمية أشبه بالفيزا ومنعوا الإقامة والسكن في الإقليم لأبناء المحافظات العراقية إلا  بموافقات خاصة , قام الساسة الكرد بتصدير نفط الإقليم من قبلهم مباشرةً وعقدوا الاتفاقيات مع الشركات النفطية دون الرجوع للحكومة المركزية ولم يسلموا أموال النفط المصدر الى الخزينة المركزية  وقاموا بعمليات تهريب كبيرة لنفط الإقليم  , يقوم ساسة الإقليم بزيارات رسمية للدول الأجنبية واستقبال الزوار الرسميين للدول دون موافقة الحكومة العراقية , استولى الأكراد على العديد من الاقضية والنواحي  والمدن التابعة لمحافظات نينوى وكركوك وديالى وصلاح الدين واعتبروها مناطق متنازع عليها وأخضعوها لسلطة الإقليم وغيروا تركيبتها السكانية بإسكان مئات الألوف من الأكراد فيها وقاموا بتهجير سكانها ومن العرب والتركمان وطالبوا بتنفيذ المادة 140 التي تنص على إجراء الاستفتاء في هذه المناطق لبيان رغبة سكانها بين الانضمام للإقليم أو البقاء مع العراق الموحد بعد أن تأكدوا ان هذه المناطق أصبحت  ذات أغلبية كردية كبيرة مع العلم ان المادة 140 التي أصر الأكراد على وضعها في الدستور تم تحديد سقف زمني لتنفيذها وانتهى السقف الزمني لها  ولم تنفذ بسبب التغيير الديموغرافي الكبير الذي أجراه الكرد في المناطق المتنازع عليها , سيطرت الأحزاب الكردية على العديد من الوزارات السيادية والمناصب المهمة في الدولة مدنية وعسكرية ,أرغم الساسة الكرد الحكومات  المتعاقبة عل دفع 17  بالمئة من ميزانية الدولة الى الإقليم وهذه نسبة كبيرة ولا تتوافق والنسبة السكانية للإقليم مقارنة بسكان محافظات العراق الأخرى , طالما يثير الساسة الكرد الأزمات مع الحكومات المركزية للحصول على المكاسب ويهدد هؤلاء الساسة في كل أزمة تحدث مع الحكومة المركزية  بالانفصال والاستقلال  وقاموا أخيرا بتحديد موعد لإجراء الاستفتاء على انفصال الإقليم بعد أن لوحوا بالانفصال طيلة السنين الماضية ومهدوا الطريق لذلك تحقيقا لأهداف أمريكا والصهيونية في تقسيم العراق الى دول قومية وطائفية ضعيفة لا تشكل أي تهديد لأمن إسرائيل ورغم معارضة الحكومة المركزية التي اعتبرت ان هذا الإجراء غير دستوري وغير قانوني ورغم معارضة كل دول العالم بما فيها دول الجوار والدول الحليفة للأكراد ومعارضة حتى الأمم المتحدة لموضوع الاستفتاء والانفصال لكن الساسة الكرد يصرون على ذلك في تحدي واستخفاف كبير بالحكومة المركزية .

معارك الموصل

عندما بدأت معارك تحرير الموصل اشتركت قوات البيشمركة في تحرير بعض مناطق المحافظة وبعد تحرير هذه المناطق ومن ثم تحرير الموصل أعلن الساسة الكرد وقادة البيشمركة ان القوات الكردية لن تنسحب من المناطق التي حررتها من داعش لا في الموصل ولا في غيرها من المناطق , اصدر محافظ كركوك أمراً برفع علم إقليم كردستان مع العلم العراقي فوق الدوائر الحكومية في المحافظة في مخالفة دستورية واضحة ولم ينفذ أمر الحكومة المركزية ومجلس النواب اللذان طالباه  بإنزال علم الإقليم , ثم أصدرت المحكمة الإدارية الفيدرالية العليا قرار يلزم محافظ كركوك بإنزال علم الإقليم عن  الدوائر الحكومية في المحافظة  لكن المحافظ رفض القرار وقال (ان العلم لم ينزل إلا إذا بهت لونه وأريد تبديله وان قرار المحكمة لا يعني شيئاً ) في تحد واضح للحكومة والقضاء العراقي .       هذه بعض الأمور المهمة التي توضح مدى استخفاف الكرد بالحكومات العراقية وعنجهية بعض الساسة وتعاملهم بتعالي واستخفافهم بكل الحكومات المركزية المتعاقبة وتحديهم المستمر لقرارات  حكومات المركز  وللقضاء الفيدرالي وتحديهم لرغبة الشعب العراقي عرباً وأكرادا وتركماناً وأقليات أخرى في العيش أخوة متحابين في وطن واحد تجمعنا علاقات اجتماعية وثيقة وتاريخ نضالي طويل وأهداف وطنية مشتركة  وسعيهم المستمر لتحقيق أهداف أعداء العراق خصوصاً إسرائيل وأمريكا في تقسيم العراق الواحد الموحد على مر التاريخ الى دول قومية وطائفية ضعيفة يسهل ابتلاعها وابتلاع ثروات البلد الكبيرة , دويلات متفرقة تنهشها الصراعات المستمرة وتدمر شعبها الحروب التي سيتم تأججها لاحقا لا محالة ,فعلى الشعبين العربي والكردي وكل القوميات الأخرى وكل الأحزاب السياسية الوطنية والنخب الثقافية ومنظمات المجتمع العراق المدني والمنظمات المهنية التصدي لمحاولات بل مؤامرات تقسيم العراق اثنياً وطائفيا تحقيقا لرغبات شخصية وعائلية  وحزبية وفئوية ضيقة خدمة لأعداء العراق وفي تحدي واضح لإرادة الشعب العراقي وقواه الوطنية المخلصة وتنفيذاً لأجندات خارجية عدوانية لا تريد للعراق الوحدة والقوة والتقدم والتطور والازدهار لان في ذلك تهديد واضح  لمصالحها وأهدافها الخبيثة بل تريده عراقاً ضعيفا مقسما يسهل ابتلاعه  فعلى من أبناء العراق الأصلاء الغيورين على وطنهم  من كل القوميات والأديان والطوائف إفشال هذه  المؤامرة الخبيثة النوايا السيئة ومشاريع التقسيم ووأدها قبل ولادتها .

1957d@yahoo.com