صورة نصية لعبد الوهاب اسماعيل وأمجد محمد سعيد وشفاء العمري**

صورة نصية لعبد الوهاب اسماعيل وأمجد محمد سعيد وشفاء العمري**
مشهد الذاكرة والحاضر رجال من ندى الكلمات**
معد الجبوري – الموصل
عبد الوهاب اسماعيل
شاعر الرؤيا والتدفق
زمن طويلٌ طويل.. مفعمٌ بشذا الحب العميق، مسكونٌ بجوهرة الخلق والإبداع، محفوفٌ بحرائق العشق والشعر والضنى.. دلك الذي عشته حتى اللحظة بصحبةِ أخي الأحَب وصديقي الأعَز، الشاعر عبد الوهاب اسماعيل. ربما كُنّا، منذ أن تنفس وتنفست، خفقتين لروح واحدة..
هكذا بدأنا مِن محلة موصلية قديمة.. منائر وقباب وقناطر.. أزقة وعتبات وصٍبْيَة ودشاديش وعباءات.. رجال مهيبو الطلعة وأمَّهات نبيلات.. حيطان عاليةٌ، وبيوت عتيقة لا تشد أهلها روابط القربى حسب، بل عُرى من صلات يومية حيَّة وإرث من طيب وأسرار وأحلام، وحكايات عن أجدادنا الذين لم يعودوا من الحروب تتناقلها أمهاتنا المفجوعات اليتيمات..
منذ البدء اشتركنا في حالة واحدة .. كنت وحيد العائلة الذي انتظرَتْهُ سنين طوال، وكان عبد الوهاب كذلك، وحيد شيخ زاهد خَلَّفَهُ وهو في أواخر عمره وغادر، ليمضي عبد الوهاب طفولته وصباه في رعاية خاله الشهم الأصيل، وفي كنف أمِّه الفاضلة رحمها الله، تلك السيدة النبيلة التي ظلت حتى أيامها الأخيرة تنتظر ابنها الوحيد حين يتأخر ليلا على عتبة الدار، لا يطبق لها جفن حتى يعود .. ولم تكن حالتي لتختلف فقد أمضيت رحلة حياتي في بيت جدي وفي كنف والدتي رحمها الله كما أمضاها عبد الوهاب.. ولئن جمعنا الفقر واليُتم، فقد كان لنا في دِفءِ الحضن الحنون ظلٌّ ظليل وفضاء من محبة عارمة خلاقة وكرامة لا تطالها الجبال.. فاتقدتْ جمرة الشعر في أعماقنا ونحن لمْ نغادر بعدُ عتبةَ الفتوّة .. وبتلك الروح العصامية الوثَّابة اقتحمنا لجَّة الحياة، وفتحنا الأبواب على ساحة الإبداع، ليقيم كل مِنَّا منزله الخاص.
في الصِّبا، كُنَّا نلتقي كثيرا في أماكن خارج المحلة، كانت بمثابة نوافذ نطل منها على العالم.. دون مواعيد كنا نسترخي في دور السينما ونرحل مع أفلام لا تستهوي مَن هُمْ في عمرنا آنذاك .. وبين الكتب العتيقة، كتب التراث والأساطير والحكايات الشعبية والروايات والشعر، كانت لنا جولات وضعتنا على مفترق طرق مع مجايلينا من أبناء المحلة، دون أن ندري.
كان عبد الوهاب متفوقا في الدراسة، ومعدله بعد تخرجه من الإعدادية يؤهله للدراسة الجامعية لكنه انخرط في دورة تربوية ليتخرج بأسرع وقت معلما يقبض الراتب ويسدد به الطلقة الأخيرة إلى شبح الفاقة والحرمان، أما أنا فقد نجحتُ في إصراري على دخول جامعة بغداد، وحين عدتُ بعد التخرج عام 1968 لم أكن ادري أن عبد الوهاب اسماعيل كان قد بدأ يكتب الشعر العمودي .. أيامها كنت قد نشرتُ العديد من القصائد في الصحف والمجلات وأخذتْ تجربتي تنضج وتتشكل ملامحها.
وكان أن أقيم في الموصل مهرجان شعري أطلقنا عليه اسم مهرجان الشعر الأول مطلع عام 1970… ويحضر عبد الوهاب هذا المهرجان دون آن تتح له فرصة المشاركة، فينبهر بما أصغى إليه من محاولات شعرية جديدة .. كان ذلك اللقاء هو الشرارة التي أشعلت جذوة الانقلاب قي أعماق ذلك الشاعر الشاب عبد الوهاب اسماعيل.
وبدأ لقاء الشعر بيننا حميما دافئا، وتعانقت الخبرات والتجارب وجذور الطفولة، لترسِّخ من مفردات ذلك الانقلاب، فأطلَّ عبد الوهاب شاعرا جديدا في المهرجان الشعري الثاني فلفت إليه الانتباه، وهكذا فعل في مهرجان أبي تمام، المهرجان العربي الكبير الذي أقيم عام1971 واقتحمناه بدفقٍ شعري جديد، لنقف جنبا إلى جنب مع كبار الشعراء العرب.
وانضم عبد الوهاب إلينا نحن نخبة الأدباء من مجايليه الجامحين الطافحين كجياد في خضم حركة الإبداع سالم الخباز، ذو النون الأطرقجي، أرشد توفيق، أمجد محمد سعيد، بشرى البستاني، نجمان ياسين، محمود جنداري، حيدر محمود عبد الرزاق، محمد عطاء الله، أمجد توفيق، سالم العزاوي….
ألم يكن الأمر هكذا يا عبد الوهاب؟.. بلى، واشهد الساعة أنَّ فرحك يوم نشرَتْ لك مجلة الآداب البيروتية قصيدة بعنوان الثلج لم يكن بأقل من فرحك فيما بعد بولادة ابنك معد الذي أسميته على اسمي.. فقد طفتَ المدينة كأي فاتح منتصر لتذيع نبأ نشر القصيدة في الآداب التي كان النشر فيها آنذاك شهادة ما بعدها شهادة.. أجل فالفرح نفسه كان قد مر بي وأنا ادخل ساحة الإبداع العراقي الجديد من الآداب.. من النوافذ كما يحلو لي أن أقول دائما.
وتطول قامة عبد الوهاب فيأخذ صوته مداه في التفرّد والتميز، فينشر في ابرز المجلات الثقافية وتُصدر له وزارة الإعلام مجموعته الشعرية الأولى فاتحة النار ثم تترجم له مجلة لوتس الشهيرة مجموعة من قصائده في السبعينات، ويشارك في شتى المهرجانات الشعرية والمؤتمرات، وتتعمق صلته بحركة الإبداع والمبدعين من خلال عمله مديرا لدار الثقافة الجماهيرية في نينوى الإعلام الداخلي سنوات طويلة، كتبت خلالها الدراسات والبحوث عن شعره ونشرت له مجاميع شعرية أخرى.
ويظل الشاعر المبدع عبد الوهاب اسماعيل في كل ما كتب شاعر الرؤيا الغضَّة والدفقة الحارة الطرية، فهو صوت ينطوي على هدير روح تأبى التأطير والتقيد.. صوت يتفلَّت من أقفاص التقنية وبرودة التركيب الذهني.
ونص عبد الوهاب اسماعيل طافح بغنائية عذبة وبتلقائية وطراوة وعفوية في عناق التجربة حد التوحد، وهو بالتالي نص ينشد البصمة الخاصة في إطار التجديد الذي يتشرب الأصالة ويتسربل بها.
وقصيدة عبد الوهاب تفتح أمام المتلقي فضاء للتأويل والقراءات المتعددة، وتحيله إلى ذاكرة مسكونة بأجواء الطفولة ومفردات البيئة المحلية والموروث الشعبي والتاريخ والدين والأسطورة وروح البداوة، عبر نبرة حادة جارحة مكتظة بالإيقاع مفعمة بحرارة القلب، والتياع الروح.
هذا النَّفَس المتدفق الذي انطوى عليه شعر عبد الوهاب اسماعيل، يضاف إليه صوته ذو النبرات الفخمة الواضحة، هو الذي أهَّلَهُ أن يكون من أبرزنا حضورا على المنبر واتصالا بالمتلقي.. وهو في كل هذا يقف على أرضية من حس وطني عروبي إنساني ينبثُّ كنسغ في ثنايا وخلايا تجاربه الشعرية.
وهو بعد كل هذا شاعر مُقل، يظل بانتظار اللحظة التي تنفخ على الجذوة في أعماقه لتطيِّرَ عنها الرماد، فتتوهج بما يختزن من طاقة خلاقة وشفرات سرية.
أيمكنني بعد هذه اللمحة أن أوجز صلة عمر التقينا خلاله حتى في تأليف نصوص مسرحية غنائية مشتركة كنا نكتبها بروح وأسلوب شاعر واحد، حتى أصدرناها في كتاب عام1987؟
وإذا كان لي من كلمة موجزة في عبد الوهاب اسماعيل الإنسان، فلا بد لي أن أقول إنه من أوفى ما عرفت من أوفياء. مفرط في طيبه ومحبته، مخلص وشهم وعطوف، يحفظ الجميل ولو كان مثقال ذرة، ويقابل زلاَّت أصدقائه بروح سمحة كريمة في وقت كنا فيه معا وما زلنا نواجه كل الملمات بكبرياء وشموخ وأنفة.
وعبد الوهاب اسماعيل رجل حاضر البديهة والنكتة، ساخر لاذع، تجلجل ضحكته في كل مكان يحل فيه، لكن دموعه أشد حضورا في عينيه من الابتسامة على شفتيه، فهو وتر من عواطف جياشة ترن لأي لمسةٍ إنسانية مؤثرة.
أمجد محمد سعيد
الشاعر السندباد
سندباد موصلي.. عاشق ومغامر، ما ركن قاربا على شاطئ حتى شق اللجة بقارب آخر، ومضى بين الأمواج..
طائر نادر ما حلق بعيدا حتى حمل الموصل نسغا في دمه ولؤلؤة بين عينيه..
شاعر، لكلماته رقة الكريستال وعذوبة الينابيع البكر ونشوة اقتحام المجاهيل..
طفل في إهاب رجل، يضوع طيبة ومحبة وإلفة..
هذا هو امجد محمد سعيد… صورة موجزة في بضع كلمات..
ولكن أنَّى لبضع كلمات تُقال في مثل هذه العجالة، أن تلم بِصِلة أكثر من ثلاثيـن
عاما من صداقة حميمة ورفقة عمر في الإبداع والحياة؟
عرفت أمجد في أواسط الستينات، قبل أن يغادر محلته شهر سوق . وفي بغداد التقينا في الجامعة.. قبل التخرج انتقلت عدوى الشعر مني إليه… ثم مرت الأيام والشاعر امجد محمد سعيد يشق طريقه ويُعمق من مشهده الشعري حتى أقام منزله الخاص في ساحة الإبداع، لبنةً لبنة، دون لافتات ودون عكازات، بل بنصوص ضمتها كتبه الشعرية التي تنطوي على بصماتِ شاعر مبدع يعنى بطقوسه ومفردات إرثه القومي والشعبي، وبأداء قصيدة تميل إلى غموض لا يدق عنق اللغة ولا يتثاقف أو يتصنع، بل يشف عن عذوبة وصفاء ويتسربل بنبض الخلق والابتكار.
وامجد محمد سعيد، الإداري والدبلوماسي، المذيع القديم في التلفزيون، مدير الإعلام الداخلي، مدير المجمع الإذاعي والتلفزيوني في نينوى، المستشار الصحفي في عمان والقاهرة والخرطوم، الصحفي الإعلامي .. لم تستطع مشاغل الوظيفة أن تخطفه من صومعة الشعر، بل أنه استطاع آن ينجز انضج أعماله الشعرية وهو في خضم مشاغله الإدارية.. في وقت لم يفرط فيه أيضا بالنجاح الذي كان يحرزه في مواقع عمله.. ولعل فيما كتبَتْه صحفُ السودان عنه من كلمات ثناء وإعجاب ومحبة، خير دليل على ذلك.
أما أمجد محمد سعيد، الصديق والإنسان ففي شخصيته العذبة ما يتناغم مع عذوبة شعره، فهو إنسان ممتلئ بالطيب والوفاء والشفافية. أريحيٌّ ودود، تشده إلى عائلته وأصدقائه ومعارفه محبةٌ عارمة واحترام كبير. وهو رجل مقبل على الحياة، مسكون بنَهَم طفلٍ مشاكسٍ وبريء… لا يركن إلى ركود أو خمول.. ينفر من البرك والأشنات ويعانق الينابيع والأنهار.
أكثر من ثلاثين عاما أمضيتُ معه.. عملنا في مواقع واحدة ومتشابهة .. عشنا حياة يومية واحدة.. سافرنا خارج العراق معا.. ألقيتُ قصائدي وألقى قصائدَه في عشرات المدن في شتى بقاع الأرض.. وشاركنا معا في عشرات المؤتمرات والمهرجانات الأدبية..
سنين طويلة ولم يُكدِّر أحدُنا صفوَ الآخر.. وظل أمجد ذلك الدافئ الذي لا يطل على أصدقائه إلا بوجه بسّام سمح.
أواخر تسعينات القرن الماضي قلت في حفل لتكريمه في دار الثقافة والفنون في الموصل ها هو السندباد الموصلي يعود إلى مدينته، فهل سيدفع بقارب آخر إلى جزيرة أخرى وينشر أشرعته ويفرد جناحيه…؟ هذا ما أتوقعه.
وتحقق توقعي، فبعد احتلال العراق لم يعد أمام أمجد محمد سعيد، سوى الهجرة فدفع بقاربه منذ بداية عام 2005 إلى سوريا ومنها إلى مصر ليقيم حتى اليوم في القاهرة فيعزز من صلاته بأبرز الأدباء، ويواصل النشر ويصدر العديد من الكتب الشعرية ويحصل على شهادة الماجستير .. لكنه في الوقت نفسه ظل مشدودا إلى العراق يحلم بالعودة إليه، وأتوقع أنه سيعود فالسندباد كان بعد كل رحلة يعود إلى مدينته لينثر فيها أجمل الحكايات، وأمجد سندباد موصلي لابد أن يعود غدا أو بعد غد إلى أم الربيعين.
شفاء العمري
مشهد الصعود إلى القمة
تاريخ حافل بالإبداع المسرحي، وروح تضج بالدراما.. هذا هو شفاء العمري..
أقولها، لا لأن شفاء صديق عمري، ورفيق رحلتي في خِضم الابداع، وابن مدينتي النجيبة الأصيلة، على أهمية ذلك بالنسبة لي شخصيا.. بل أقولها لأنها خلاصة يعرفها كل من يعرف شفاء المسرحي والإنسان، وأقولها لأنني أعرف أن شفاء في المسرح والحياة أشبه بسهم لا يفتأ ينفك عن القوس، وشلال لا يكف عن الهدير..
هذا الرجل العصامي المسكون أبدا بهاجس الخلق والابتكار.. يوم اقتحم عالم المسرح كان ذلك العالم يعج بحملة الشهادات، ولم يكن ليحمل من المؤهلات التقليدية سوى شهادة الابتدائية.
وحكاية شفاء العمري مع المسرح بدأت هكذا
شاب يتوق ويرنو إلى الضفاف الأخرى، فيعانق آلة الكمان، عله يصل، لكنَّ تلك الآلة توصله إلى أبواب المسرح، وكما أمسك نيوتن بالتفاحة، أمسك شفاء بضالته وصاح وجدتها، فرمى الكمان، وارتمى في أحضان الدراما.
كان ذلك قبل أكثر من أربعين عاما، عندما بدأ شفاء العمري من نادي الفنون بالموصل.. من يومها والستار الذي أزاحه عن مشهد متوهج ساطع لا يكاد يُسدَل على تجربةٍ مبدعة حتى يُفتَح على تجربة أعمق إبداعا وأشد سطوعاً.
مِنْ يومها وفن شفاء العمري وحياته المتشابكة متعانقان، فحياته في شتى منحنياتها دراما يومية متصلة تنضح عن مفردات المسرح، شأنها شأن عروضه المسرحية التي تنطوي على مفردات حياته وبصماته الخاصة.. وحياة شفاء صراع مع كل شيء من أجل المسرح… أيامَ بدأ كان يصرف من جيبه الخاص على إنتاج أعماله، ويسافر بين يوم وآخر لمشاهدة آخر العروض المسرحية في بغداد، وينْكَبُّ بنهم على كتب الدراما والتجارب العالمية في المسرح.
ما انضوى تحت اتجاه مسرحي ما، ولم يعمل في فرقة معينة .. إذا امتنعَتْ فرقةٌ عن إشراكه في إخراج عمل، ذهب إلى أخرى، فإن لم يجد شكَّلَ هو بنفسه فرقة في جهةٍ ما، وإذا غاب من يريده من الممثلين قدم للمسرح وجوها جديدة.. لم يُوصَدْ بوجهه باب حتى فتح بابا آخر..
رضيَ أن يعتبر أطراف الحركة المسرحية كلها ندا له، ودخل في صراع محتدم مع أطراف عديدة، فظلَّ متوهّجا وانطفأ الكثيرون.. يا ما أريد له أن يُغيَّب، فظل حاضرا يجري كنهر متدفق دون أن يلتفت إلى الأشنات والطحالب.. وُصِمَ مسرحُه بالتطرف وعدم الفهم أو عدم ملاءمته للمرحلة، لكن أعماله بقيت علامات شاخصة في تاريخ الإبداع المسرحي.
هكذا خبر شفاء العمري الدراما في المسرح والحياة، وأظن أنه كسر الجدار الرابع قبل أن يتعرف على بريخت لأن الجدار الرابع لا وجود له في حياة شفاء العمري أصلا.
أما حكايتي مع شفاء فقد بدأت هكذا
أواخر الستينات، عدت إلى الموصل متخرجا من جامعة بغداد، وكنت أيام الستينات قد شاهدت عشرات العروض المسرحية لعمالقة المسرح العراقي.. ولم أصدق وأنا المسكون حينها بهموم الشعر أن ابن محلتي القديمة الذي كنت أراه في صباي شابا بعيدا عن أجواء الفن والأدب والثقافة، يقف على مسارح الموصل مخرجاً بارعاً ينافس بتجاربه كبار المخرجين العراقيين المعروفين، فبعد أن شاهدتُ له مأساة جيفارا للشاعر معين بسيسو، و المسيح للشاعر سالم الخباز، تلمست بصمات درامية متفردة تعتمد التجارب الجديدة في الإخراج المسرحي، عبر أساليب لم أتعرف عليها في العروض التي شاهدتها في بغداد.
منذ ذلك الوقت حتى الآن ظلت تشدني إلى الفنان شفاء العمري صداقة حميمة ورفقة هي رفقة الحياة والإبداع، عايشت خلالها معه عشرات التجارب التي قدمها على خشبة المسرح وكان في جميعها مجددا مبدعا يُخضِعُ شتى المدارس والأساليب لرؤيته الخاصة.. فمن الأعمال ذات الطابع التاريخي الملحمي مثل أوديب ملكا، مغامرة رأس المملوك جابر، الزير سالم.. مرورا بالاستثناء والقاعدة، مساء التأمل، فرح شرقي.. إلى أعمال المونودراما المؤلف والبطل، الأعمى والمقعد، العريف أحمد، الخادم والسيد.. كان شفاء العمري رائدا مؤسسا لمسرح عراقي جديد ينطوي على وعي عميق لمفهوم الدراما، وقدرة فائقة على اجتراح أسلوب خاص لا ينتمي إلى تيار معين.
وقد جمعتني والفنان شفاء العمري تجارب في المسرح كنا فيها قطبَي العرض المسرحي، فقد أخرج لي عام 1979 مسرحيتي الشعرية شموكين ومن خلال ملازمتي اليومية له في تمرينات المسرحية أخذتُ منه الكثير فيما يتعلق بمسألة دخول النص أجواء العرض ومدى ما يمنحه العرض من فضاءات جديدة للنص يمكنه من خلالها أن يتخلق مرة أخرى وأن يتكامل.. لقد تعلمت من شفاء عمليا معنى وأهمية أن يكون المؤلف المسرحي حاضرا في قلب الحركة المسرحية، كما تأكد لي من خلال رؤيته الإخراجية لنصوصي المسرحية أن المسرح حقا جنس آخر من الابداع يختلف عن الأدب، وأن الدراما هي العرض المسرحي وليست النص المكتوب فحسب. ولقد كان عرض مسرحية شموكين الذي قاد إخراجه شفاء العمري من أنجح وأبرز العروض التي قدمتها الفرقة القومية سواء في الموصل أو في بغداد. ثم أخرج لي مسرحيتي الشعرية الشرارة عام 1982 وكنا على أقصى درجة من التفاهم والتعاون في خلق عرض مسرحي ناجح.
لقد بنى شفاء العمري مسرحه لبنة لبنة ورسم ملامح تفرُّده وحضوره في مسيرة المسرح العراقي بضنى ومثابرة وبصبر ومطاولة، حتى غدا اسمه واحدا من عناوين المسرح في الموصل وغدونا لا نكاد نسمع حديثا أو نقرأ مقالة عن الحركة المسرحية في المدينة بل في العراق دون أن نجد اسمه يقفز إلى الواجهة بين مبدعي المسرح.
وبعد.. إن ما يمكن أن يقال عن الفنان الرائد شفاء العمري كثير.. فهو فنان مسرحي شامل، هو مخرج وممثل من الطراز الأول ومؤلف مسرحي ودراما تورج، وله في ميدان السينما والتلفزيون أعمال كثيرة كان فيها ممثلا شاهق الأداء. أخيرا.. لو أراد شفاء العمري أن يوجز حياته بكلمة، لقال أنا مسرحي، إذن أنا موجود .
وإذا كان لي من كلمة أخيرة، فهي عن شفاء الإنسان، الصديق الوفي الذي ظل عفيف القلب واللسان، يأنف أن يغتاب إنسانا أو يطعن بإنسان، وظلت روحه الطيبة تتسع لمشاكساتنا، نحن أصدقاءه الذين ندرك مدى بساطته رغم ما يبدو عليه من قلق وغضب وتوتر وفوضى، وإن من يعرف شفاء يعرف أن الغضب لا يمكث في قلبه أكثر مما تمكث فقاعة عابرة.
/7/2012 Issue 4262 – Date 28 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4262 التاريخ 28»7»2012
AZP09