
صناعة داعش.. الأسباب والتداعيات – سامي الزبيدي
لم يكن ظهور التنظيم المتطرف داعش في المنطقة العربية وليد المصادفة ولا لأسباب دينية أو اجتماعية انه صناعة أمريكية بامتياز تم الإعداد لها وإخراجها في دهاليز الاستخبارات الأمريكية بمعاونة من المخابرات الإسرائيلية لإحداث تغييرات جيوسياسية وديموغرافية لإفراز كيانات قومية وطائفية جديدة بعد تقسيم عدد من الدول العربية تقسيماً قومياً وطائفياً يخدم مصالح أمريكا ويحافظ على أمن إسرائيل ويبعد التهديدات المحتملة لها وكانت الحاجة لهذا التنظيم المتشدد كبيرة بعد ان فشل تنظيم القاعدة الأب الروحي لداعش في تحقيق أهداف أمريكا وإسرائيل في المنطقة العربية خصوصاً في العراق وسوريا واليمن ودول المغرب العربي فكانت الحاجة الى إيجاد تنظيم متطرف أخر يحقق تلك الأهداف فكان داعش هو من أوكلت له هذه المهمة واضطلع بتنفيذها على أتم وجه بعد أن تمت عمليات تجنيد قياداته وعناصره وتدريبها وإعدادها من قبل وكالة الاستخبارات الأمريكية والمخابرات الإسرائيلية ، وقد اضطلعت دول عربية خليجية بمهمة تمويل هذا الوليد الجديد مالياً وتسليحياً ، أما الأسباب الحقيقية لظهور هذا التنظيم وغيره من التنظيمات الإرهابية المتطرفة والمتعاونة معه في عدد من الدول العربية فأول وأهم هذه الأسباب هو ضمان أمن إسرائيل وإبعاد أي تهديد لكيانها يأتي من الدول العربية التي تمتلك القدرات العسكرية المتنامية والإمكانيات الاقتصادية والمالية الكبيرة والقدرات البشرية والعلمية الوطنية الخبيرة والمجربة وفي مقدمة هذه الدول العربية العراق وسوريا وليبيا ومصر فكانت المؤامرة الكبيرة على الدول العربية ذات اتجاهين رئيسيين الأول اضطلعت بتنفيذه داعش في العراق وسوريا ومعها تنظيمات إرهابية أخرى مدعومة خليجياً من خلال إثارة الصراع الطائفي والقيام بالعمليات العسكرية المسلحة والعمليات الإرهابية واستنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية والبشرية لهذه الدول والآخر شاركت به أمريكا وإسرائيل والعديد من الدول الغربية وتم تمويله بأموال عربية خليجية وهو ما سمي بالربيع العربي الذي شمل تونس ومصر وليبيا واليمن وهو أيضاً لإشغال هذه الدول بالحروب واستنزافها عسكرياً واقتصاديا وإبعاد أي خطر مستقبلي محتمل لها على امن إسرائيل وتمهيد الطريق لتقسيمها ,أما السبب الآخر والمهم لظهور داعش والتنظيمات المتظرفة الأخرى هو إيقاف المد والنفوذ الإيراني المتنامي في بعض الدول العربية كالعراق وسوريا واليمن ومنع إقامة ما يسمى بالهلال الشيعي الذي يحيط بإسرائيل عبر بوابة سوريا وعمقها العراق وإيران ومن جنوب لبنان (حزب الله اللبناني) وصولاً الى اليمن وما يشكله هذا الهلال من تهديد كبير لأمن إسرائيل وأمن دول الخليج العربي ومصالح أمريكا في المنطقة ,و السبب الثالث لصناعة تنظيم داعش هو إثارة الحروب الطائفية الداخلية في عدد من الدول العربية الكبيرة والمهمة والتي كانت ولا زالت تشكل تهديد لأمن إسرائيل ووجودها تمهيداً لتقسيمها على أسس عرقية وطائفية الى دول صغيرة متناحرة لا يمكنها ان تشكل أي تهديد مستقبلي على امن ووجود إسرائيل ومصالح أمريكا في المنطقة وهذا ما يتم تنفيذه اليوم في العراق وسوريا وليبيا واليمن ولاحقا في دول عربية أخرى حيث تتصاعد الدعوات في العراق هذه الأيام لانفصال إقليم كردستان ويتصاعد الدعم الأمريكي لأكراد سوريا ألتسليحي واللوجستي والمالي لكي ينحى أكراد سوريا منحى أكراد العراق في الانفصال مستقبلاً وهذا ما يجري في ليبيا أيضاً من صراع داخلي ممول أمريكيا وإسرائيلياً وغربيا وعربيا خليجيا الغاية منه تقسيم ليبيا الى عدة كيانات ,ومن أهم وأخطر الأهداف من خلق داعش هو استنزاف قدرات الدول العربية العسكرية والاقتصادية والمالية والاهم من ذلك البشرية وهذا ما يتم تنفيذه في العراق وسوريا وليبيا واليمن ومصر حيث المعارك المستمرة مع داعش وغيرها من التنظيمات التكفيرية المتشددة التي استنزفت قدرات العراق وسوريا وليبيا ومصر واليمن العسكرية والمالية واستنزفت كذلك أموال الدول العربية الخليجية التي تصرف يوميا لشراء الأسلحة والذخائر من أمريكا وإسرائيل لإدامة الحرب في اليمن وليبيا وسوريا والعراق والعمليات المسلحة في مصر، وبسبب شراء الدول الخليجية الأسلحة والمعدات والاعتدة الأمريكية والإسرائيلية فقد انتعشت مصانع تلك الدول وتم بيع كل الأسلحة والاعتدة البائرة التي كانت تلقى في قيعان المحيطات الى دول الخليج لكي يقتل بها العرب بعضهم بعضاً نيابة عن إسرائيل وانخفضت حتى نسب البطالة في تلك الدول نتيجة عمل المصانع المتواصل التي تمول حروب العرب على العرب .
صناعة امريكا
إذن هذه هي أهم أسباب صناعة أمريكا لداعش في المنطقة العربية من قبل وكالة استخباراتها العسكرية وبمعاونة المخابرات الإسرائيلية وبدعم عدد من دول الخليج العربية وهذا ما أكدته وزيرة خارجية أمريكا السابقة هيلاري كلنتن عندما قالت (ان داعش صناعة أمريكية ) وهناك أسباب أخرى تقل في أهميتها عن الأسباب الأنفة منها زيادة الأوضاع الأمنية والسياسية المضطربة في بعض الدول العربية اضطراباً من خلال جعلها ساحة للعمليات الإجرامية لداعش والتنظيمات الإرهابية الأخرى وكذلك زيادة تردي الأوضاع الاجتماعية والصحية والخدمية والمعيشية المتردية أصلاً فيها وزيادة تخلف هذه الدول عن ركب التطور والتقدم الذي يشهده العالم في جميع المجالات وإشغال هذه الدول بالحروب وعمليات التصدي للإرهاب وتحقيق الأمن بدلاً من التفكير بتطوير قدراتها العسكرية والاقتصادية والعلمية والالتفات لعمليات البناء والأعمار وتحسين الخدمات وتطوير الصناعة والزراعة والتعليم وغيرها من القطاعات الأخرى ومواكبة التطور والتقدم الذي تشهده دول العالم النامية وغيرها. أما عن تداعيات ظهور داعش في المنطقة العربية فهي عديدة وخطيرة سواء كانت هذه التداعيات آنية وعلى المدى القريب والبعيد وأول هذه التداعيات ان داعش شكلت تحديات ومخاطر كبيرة على أمن وسيادة ووحدة الدول العربية وأكبر هذه المخاطر والتحديات وأكثرها خطورة هو زيادة الاحتقان والشد العرقي والطائفي في الدول العربية وتحويل هذا الاحتقان الى صراع طائفي مسلح يهدد وحدة مجتمعات ووحدة أراضي الدول العربية ويهدد تقسيمها عرقياً وطائفياً ، ومن التداعيات الأخرى إضعاف الروح الوطنية لدى شعوب الدول العربية وإذكاء روح القومية والطائفة بدلها ، كما ان تدمير المدن وبناها التحتية وتدمير مؤسسات الدول ومشاريعها ومنشآتها والتي ستحتاج الى أموال طائلة وشركات أجنبية كبرى ومدد طويلة لإعادة أعمارها وستنشغل هذه الدول سنين طويلة في عملية إعادة أعمار ما دمرته الحرب من مدن وطرق وجسور ومشاريع خدمية ومشاريع إسكان وبناء مؤسسات الدولة كان من المفترض أن تستغل هذه السنين للبناء والأعمار والتطور وانجاز المشاريع الصناعية والزراعية والتعليمية والصحية والعلمية والخدمية اللحاق بدول العالم المتقدمة هو أيضاً من التداعيات الخطيرة لداعش ، ثم استنزاف ثروات الدول وإمكانياتها الاقتصادية والمالية في الحروب وإعادة الأعمار وبناء ما هدمته هذه الحروب وتكبيلها بديون خارجية كبيرة يصعب سدادها إلا بفترات طويلة وبفوائد كبيرة وبذلك لا تتمكن هذه الدول من التفكير في استثمار ثرواتها وأموالها في عملية النهوض والتقدم أو في تطوير صناعاتها وتنمية مواردها ومشاريعها الاقتصادية والتعليمية والصحية والعلمية والبحثية أو ان تستثمر قسماً منها في الجوانب العسكرية وتطوير الصناعة الحربية وبذلك تشكل خطراً و تهديدا لإسرائيل ومصالح أمريكا هو أيضاً من التداعيات الخطيرة لظهور داعش، ومن التداعيات المهمة الأخرى تدمير الروح المعنوية لأبناء الأمة العربية التي ابتلت بداعش والتنظيمات المتطرفة الأخرى من خلال العمليات الإرهابية المستمرة ضد المدنيين الأبرياء وتدمير ممتلكاتهم في المدن الآمنة والتجمعات السكانية وإشعال الحروب العربية العربية التي جعلت من أبناء امتنا العربية وخصوصاً شبابها وقوداً لها وإفقار تلك الشعوب وتجويعها وتفكيك نسيجها الاجتماعي وإمراضها وتهجيرها عن مدنها وجعل الملايين منهم نازحين ومهاجرين بحيث ينحصر تفكيرها في تحقيق الأمن وفي أمور معيشتها وخلاصها من جرائم الإرهاب ومن الحروب والتهجير والنزوح لا في تطوير إمكاناتها وقدراتها وهذا هو أحد أهم تداعيات داعش.
عملية تربوية
أما تدمير العملية التربوية والتعليمية مفتاح نهضة الشعوب وتطورها وتدهور الخدمات الصحية والبلدية وتغييب القانون والنظام بسبب انشغال الدول العربية بالحروب والقتال والتصدي للإرهاب و ارتفاع نسب الفقر والبطالة في شعوب تلك الدول ارتفاع أعداد الأرامل والأيتام والمعاقين نتيجة الحروب والمعارك وخطورة هذا لأمر على المجتمع لاحقاً ستكون كبيرة جداً وتهجير طاقات الدول العربية العلمية والطبية والأكاديمية والفنية وإفراغها من هذه الطاقات لمنع إعادة بناء وتأهيل المجتمع بعد انتهاء الحروب وتهجير شباب الدول العربية صانعي المستقبل وبناة الدول لإفراغ هذه الدول من شبابها قادة مستقبلها وبناة مجتمعاتها وبناة مجدها وما عمليات الهجرة الكبيرة للشباب العربي الذي فقد الأمل في وطنه وفقد الثقة بدولته والمستمرة منذ سنين دليل على ذلك هي من أخطر تداعيات ظهور داعش في المنطقة العربية.
والآن وبعد مضي حوالي الثلاث سنوات على صناعة داعش وما قامت به هذه العصابات التكفيرية الإجرامية من جرائم كبرى بحق أبناء الشعوب العربية والأقليات العرقية والدينية الأخرى يندى لها جبين الإنسانية خصوصا جرائمها في العراق وسوريا وليبيا ومصر المتمثلة بالقتل والذبح والحرق والتفجير وتدمير المدن والمنازل والمساجد والمراقد والكنائس وتدمير المدن التاريخية والإرث الحضاري وحرق المكتبات ودور العلم والجامعات وعمليات التهجير ونزوح الملايين عن مدنهم ومنازلهم تحت وطأة ظروف إنسانية قاهرة وتضليل الشباب والأطفال وتجنيدهم للقتال في صفوف التنظيم المتطرف وتعطيل عمليات البناء والأعمار وتدمير المدن وإشغال الدول بحروب طاحنة راح ضحيتها خيرة شباب الأمة واستنزفت فيها قدرات الدول العسكرية والاقتصادية والمالية وانشغال هذه الدول عن عمليات التنمية والبناء والتطور للحاق بركب الأمم المتطورة.
ساعة الحسم
وبعد كل هذا الذي حصل وبعد ان اقتربت ساعة الحسم ونهاية داعش في العراق وسوريا ماذا ننتظر من الأمريكان وحلفائهم,هل ننتظر منهم إعادة أعمار مدننا وما دمرته داعش صناعتهم ويدهم الطولى ؟ أم ننتظر منهم مساعدتنا على النهوض من كبوتنا وتجاوز محنتنا ؟ أم ننتظر منهم إعادة تأهيل مؤسساتنا المدنية وبناء ومنشآتنا الصناعية والعلمية وإعادة تأهيل مجتمعنا وإعادة تأهيل قواتنا المسلحة وسد نواقصها ؟ لا شئ من هذا سيحصل أبدا لان الحمل لا ينهض به إلا أهله لذا علينا أن نفتح عيوننا جيدا ونفتح قلوبنا وعقولنا لبعضنا ونتجاوز خلافاتنا القومية والدينية والمذهبية والسياسية ونسمو فوق جراحنا وآلامنا ومآسينا لان لعبة قذرة وصناعة أمريكية إسرائيلية جديدة قد تم الانتهاء من إعداد سيناريوهاتها وصناعتها في دهاليز الاستخبارات الأمريكية وبتعاون وثيق مع المخابرات الإسرائيلية وستكون أفضع من داعش واخطر على امتنا العربية كلها وليس على العراق وسوريا وليبيا ومصر واليمن حسب إذا بقينا مختلفين متخاصمين متذبذبين منقادين لأمريكا وإسرائيل ، وعلينا تفويت الفرصة على أعداء العرب والإسلام وكشف مخططاتهم ومنع تنفيذها بأيدنا وبأموالنا وبرجالنا وبقدراتنا وعلينا الانتباه والحذر الشديد لان القادم أخطر وأعم وأشمل وإلا سندفع الثمن غالياً هذه المرة وأغلى مما دفعناه على يد داعش بعشرات المرات وقد أعذر من أنذر.



















