صلاة الهور – شوقي كريم حسن

صلاة الهور – شوقي كريم حسن

أمدُّ خطاي نحو الماءِ،

حيثُ الضوءُ يتوضأُ بالمدى،

و النوارسُ ترتلُ أسماءَ الغائبين.

، يرفعُ القصبُ أذان البقاء.

وتنحني السنابلُ كالمصلينَ في صمتِ الغبش.

في الهورِ،

تسجدُ الشمسُ فوقَ صفحةِ الماءِ،

تنثرُ ذهبها فوق مسير المشاخيف التائهة،

مباركُة وجوهَ الصيادينَ

التي أنهكها الانتظارُ ولم تُهزم.

أغمسُ كفي في الطينِ،

أتلمسُ ذاكرةَ الأسلاف،

صوتَ الجداتِ إذ يهمسنَ للأمواجِ

عن رجالٍ لم يعودوا،

عن أساطيرَ توهجتْ ثم ابتلعتها الليالي.

الهورُ صلاةٌ لا تنتهي،

محرابُ الماءِ لا يُطفئُ قنديله،

وأنا الواقفُ بين الضوءِ والظلِّ،

أبحثُ عن يقينٍ

تخضبُهُ ضفائرُ الطحالبِ،

وتمحو آثارَهُ ريحُ الجنوب.

، في حضرةِ المدى الأزليِّ،

أركعُ للماءِ،

وأصلي للضوءِ

وأتركُ للهورِ أن يهمسَ لي

بما لم يُقلْ بعدُ.

يمتدُّ الأفقُ كدعاءٍ قديم،

ترددهُ الطراريد،

توشوشُ به موجاتُ الليل،

وتحملهُ أسرابُ البطِّ صوبَ المجهول.

في الهورِ،

كلُّ شيءٍ يحفظُ وصايا الماء،

الصيادُ حين يرمي شبكتهُ،

والجاموسُ إذ يغتسلُ على مهلٍ،

والبرديُّ  يتمايلُ مثلَ مسبحةِ ناسكٍ،

نسي متى بدأَ عدَّ خطاياه.

أرفعُ يديّ كما يفعلُ الغارقونَ في الرجاء،

أسألُ القصبَ عن سرِّ انحنائِه،

و الحكاياتِ التي تخبئها الجذور،

يبتسمُ الماءُ لانه يعرفُ الجواب،

ثم يعاودُ انسيابهُ دونَ اكتراث.

يا هورُ، يا أرجوحةَ الوقت،

كم من صلواتٍ ترددتْ بينَ ضلوعِكَ؟

كم من راكعٍ غابَ في سجدتِه؟

وكم من ضوءٍ توضأَ بمائك،

ثم تلاشى في صمتٍ كأنهُ لم يكن؟

أنا الآنَ ظلٌّ على صفحةِ الماء،

أسبحُ بينَ الأزرقِ والطمأنينة،

أنتظرُ أن يكتملَ نشيدي،

أو أن يبتلعني الأفقُ،

كما فعلَ مع كلِّ الحالمينَ قبلي.