صدى النغمة في دراسات الشعر العراقي المعاصر

 صدى النغمة في دراسات الشعر العراقي المعاصر

نصوص أسماء بإختيار الذائقة

فوزي الطائي

صدر حديثاً عن دار الفرات للثقافة والإعلام في محافظة بابل كتاب (دراسات في الشعر العراقي المعاصر)للأديبة الناقدة مها يوسف الصافي ، تناولت فية نتاجات مختارة لخمسة عشر شاعراًوشاعرة  وقد جاء اختيار الشعراء والشواعر فيه على وفق الذائقة الشعرية للكاتبة ولكون نتاجاتهم توافرت لديها،  وشيء مفرح حقا ان تكتب ناقدة شابة عن شعراء معروفين لهم باع طويل في التجربة الشعرية , مثل : موفق محمد وأديب كمال الدين وبشرى البستاني ,وشاكر العاشور ووداد الواسطي وهم من جيل السبعينيات , وعدنان الصائغ وكريم جخيور وسعد ياسين يوسف ورسمية محيبس وفوزي الطائي وهم من جيل الثمانينيات وابداعهم معروف على الساحة الشعرية , كذلك جيل الشباب ابتهال بليبل واحمد شمس وازدهار سلمان ومروة الجبوري وسعاد محمد الناصر .رأيت ان الكاتبة الصافي تؤثر عرض جماليات القصيدة أولاً، مع تحليل الأساليب البلاغية بشكل خاص ثانياً،  لاسيما الاستعارة والمجاز والكناية في علم البيان ,والخبر والاستفهام والنداء في علم المعاني , و من دون أن تأخذ ببنية القصيدة .اذاً هي دراسة تخص المعايير الأسلوبية  مع بيان محدد للصور الشعرية والفنية في النص . واعتمدت في ذلك الجانب التحليلي فيه ,وقد حققت فيها الانسجام الواعي بين فتحها مغاليق النص والوشم الذي تركته على شرفاته,تاركةً القارئ على قناعة بكلماتها ,وعرضها المبسط الذي لا لبس فيه ولا تأويل  , لقد ذهبت الناقدة الى القصيدة وعاشت معها أجواءها النفسية ولم تكتف بالوقوف عندها والتناوش من بعيد ! ولكن من دون اطالة لتلك المعايشة !  وأثمرت تلك المحاولة من الرصد والتقييم , اعطاء كل شاعر سمة أو أكثر ينفرد بها عن الاخرين من خلال ابداعه , ولم تنس  مع ذلك روح التأمل والكشف الباطني لخفايا النص وسبر اغواره ,مفضلة الدخول لذلك من باب الاستعارة بأقسامها التصريحية والمكنية وهو دخول جيد ,ولكن يبقى بحاجة للكشف عن باقي جوانب القصيدة ، وتشخيص مواطن الضعف فيها . لنأخذ نصاً للشاعر اديب كمال الدين ( الذي أستأثرت قصائده  بمساحة واسعة من هذه الدراسة)وضعته الناقدة في مختبرها النقدي لنعرف كيف تمت المعالجة النقدية ، ونعطي انطباعاتنا عنه ، النص: (مد الطبيب يده ذات القفازات البيض/الى الضحية /فأبعدها الموت برفق/كان الموت يبكي على الضحية بدموع سود ) ، تحليل النص من قبل الكاتبة : انبثقت الرؤية الجمالية في نص الشاعر بوساطة هذه الصورة الأستعارية فكانت صورا ذات قيمة دلالية دقيقة نوعا ما نقلت تجربته الى السامع ، فضلاً عن لفته انتباه القاريء وشدّه اليه ،فكان الموت يبكي على الضحية بدموع سود انزياح استعاري أضفى على الأمور المعنوية المجردة صفات تتعلق بالإنسان اذ استعار الشاعر للموت البكاء كأن الموت على سبيل التخيل ، فالاستعارة في النص مكنية اذ صرح بالمستعار له الموت (وحذف المستعار منه وانكر صفة من صفاته  وهي البكاء ) اذ وظف هذا على سبيل الانحراف الاسلوبي مما ادّى الى اثارة الدهشة عند القارئ في قدرة الشاعر على الجمع بين المعنوي والحسي وتشخيصهما في صورة استعارية انمازت بتقنية كثفت المعنى الإيحائي وعبّرت عن شعور داخلي  بأسلوب استعاري مذهل اتضحت به نفسية الشاعر المتعبة   ، وعلى هذه الشاكلة وهذا السياق مضت خطوات الناقدة في فضاءات الشعراء الشعرية المختارة ، مما يسجل حيفاً متوقعاً يقع على جهة الشاعر لسببين اولهما :  لأن  النصوص المختارة لاتشكل تصوراً متكاملاًعن ديوان  كامل فهي حالة مجتزأة أو مقطوعة ، ثم ان العملية النقدية أو (الإنطباعات على وجه الدقة) جاءت مقتصرة على الجوانب البلاغية وتحديدا الاستعارة ، وكان بالإمكان تقويم النصوص من ناحية اللغة والفكرة والتناص مع قصائد لشعراء آخرين  والصورة الأدبية والعروض  والإيقاع …….ولكن مايشفع للناقدة انها سلطت الضوء فقط على الجوانب المشرقة في هذه النصوص وأغفلت مايعتريها من عيوب فنية !وقد جاء رصدها لقصائد الشاعر موفق محمد طيباً اذ تقول : (انمازشعره برصانة الإسلوب  والجرأة في طرح الموضوعات الشعرية التي تراوحت بين الجد والهزل والمدح في بيان الحقيقة لاسيما أنه عاش مرارة الألم اذ لقب بشاعر الوجع العراقي … فقارئ شعره ينساب مع لغته التي تراوحت بين السلاسة والوضوح والجمالية الأدبية في طرح المفردات التي تأسر قارئها لنضوج التجربة وسبك المعاني والمفردات)أقول هناك تعارض بين قوة الأسلوب التي صرحت بها الناقدة وبين بساطة اللغة التي يكتب بها موفق محمد وانحيازها للموروث الشعبي، وتمنيت ان تقف الناقدة اكثر عند نص الشاعرة بشرى البستاني الرائع:(عنقود دمع ينتظر أصابعك /أصابعك تورق فوق وجنتي /أصابعك تحتسي وجعاً من أنين روحي/أخاف ان يعثر النسيم على شفتيك / ولذلك ظلت عناقيد الورد/ مصلوبة في شفتي ) وقد أصابت الناقدة بوصفها معالم النص بقولها : يعكس الأسلوب البليغ والرصين للشاعرة البستاني وانماز بسبك لغوي وتكثيف للمعنى المتخيل وصور استعارية ومعانٍ جاءت من خلال تجربة الشاعرة الشعورية الممتلئة بالمأساة.كما ان نص الشاعرة وداد الواسطي يكتنز بفكرة جميلة صنعت منه الشاعرة صورة انسانية قائمة على المفارقة :(مازلت أمارس هوايتي السيئة/مازلت اكتب لك كل يوم/مازلت ادس يدي في ابجديتي اصنع لك/عقداً من الهمهمات/ مازلت أغلق عالمي/كي لا أتحرر من طيفك ).فالنص يؤشر حالة من الشد والعتب مع المخاطب أظهره الفعل الماضي الناقص (مازال) الذي تكرر في ابيات القصيدة.تقول الناقدةعن النص كلاماً دقيقاً: رغم بساطة الألفاظ ووضوحها كتبت الشاعرة نصا في صورةمؤثرة تجلب انتباه المتلقي.وتكتب الناقدة الصافي مقدمة استهلالية للدخول الى غرفة معالجتها لقصيدة من قصائد الشاعر عدنان الصائغ تقول فيها : (أغلب نصوصه فيها بلاغة شعرية وامكانية لغوية هائلة وتعبيرية مؤثرةتمكن الشاعر من صياغة مفرداته بأسلوب جمالي وتكثيف متماسك اذ امتاز اسلوب الشاعر بجمالية خارقة).ولو رفعت الناقدة كلمتي هائلة وخارقةلشكرها الصديق الشاعر الصائغ قبلنا !مع اعتزازنا بتجربته  المائزة المعروفة . واذ تورد للشاعر نصاً يقول فيه : (تزحف أعمدة الكهرباء ورائي ، مدبرة ظهرها/والمدينة تزحف ايضاً/ ومديرية الأمن / واللصوص / والشتائم/وأغاني وحيدة خليل ) وأرى أن الشاعر الصائغ له تجربة طويلة في كتابة القصيدة اليومية وهو يُعنى بالمكان عناية شديدة، يصوغ جمله الشعرية بمهارة ، ويعزف على وتر الانكسارات والبوح الجميل، ينتظر دائماً يوماً جديداًأفضل ، فيه تشرق الشمس مرتين!.ودرست الناقدة أسلوب التكرار ودلالاته عند الشاعرشاكر العاشور،اذ قالت التكرار ظاهرة أسلوبية وتقنية من تقنيات التعبير الأدبي الذي يعمل على خلق ايقاع موسيقي داخل وحدة النص البنائي وقد نلمح انبثاق رؤية  دلالية في بنى نصوص شاكر العاشورمتمثلة في تكرار الحرف والكلمة …. وقد عزت الناقدة ذلك الى رغبة الشاعرفي تأكيد المعنى .  أولتحقيق غاية يسعى اليها ! ما  هذه الغاية ؟ننتظر ان تدلنا عليها اذاً .يقول العاشور في احدى قصائده المختارة:( آه ..إن الطريق عليك محاصرة/وبعيدة /آه..اإن الطريق إليك بدأت بها ) و تؤشر الناقدة الصافي على الشاعر سعد ياسين يوسف استخدامه للإستعارة والمجاز في لغته الشعرية، اذ الإنزياح هو من الأساليب النقدية القائمة على خرق المعتاد والمألوف في اللغة لإثارة دهشة القارئ  .وهذا ليس فقط ماعند الشاعر بالتأكيد ، ولكن ما ينماز به./ . ومن القصائد الشواهد التي أوردنها  الأستاذة الصافي للشاعر سعد ياسين : (اذ يستيقظ الحزن../منتشياً بروحي مطّلعاً / أزهاره الحجرية السود/ ألوذ بما تبقى / من بريق الروح ) . وقالت الصافي في دراستها لقصائد رسمية محيبس :هي من الشواعر المتمكنات لغويا لها قدرة على جعل القارئ يعيش مع النص أيا ً كان غرضه ونصوصها ثرية شكلاً ومضموناَ (لا أجنحة عندي لأطير/ولاسرت على الماء يوماً مثل يسوع/انتظر ان  تحررني القصيدة/ وتمنحني نعمة الطيران/ فأنا لاأخاف الدخان ) ولانختلف مع الناقدة في هذا التقييم ، لكن لماذا لم تسأل الشاعرة عن سبب ايراد كلمة الدخان في هذا الشطر وقد خرجت عن الإنسجام النفسي في القصيدة ؟.ودرست المؤلفة الصورة الشعرية وغرائبيتها عند الشاعر احمد شمس فقالت:أبدع في خلق الغرائبية في نصوصه مما جعل القارئ يقف ممعنا النظر وكادّا لذهنه للوصول الى معنى النص الباطني وهنا تتضح امكانيته وابداعه وبراعته اللغوية في صياغة نصوصه التي تحررت من الرتابة والتقليد…يقول:  ( أقف بملامح الليل / أنتظر الحريق /هكذا يطاردني النهار) أعتقد اننا بحاجة الى نص آخر للشاعر يدلنا على الأوصاف الفنية التي أطلقتها الناقدة على شعره . وعند نص الشاعرة مروة الجبوري الذي تفول فيه: (هكذا يا أنا يا أزمنة اللاعشق/  امرأة بلا قرارات معتقلة/ ليس هناك خصم لحريتي/ أمضي في شوارع قناعتي/ دون ان اسقط في وحل التفاصيل التقليدية/ أمزق أوراق خوفي ولا ألتفت/ أحط حنيني المتقشف / على جدران الكرة الأرضية )قالت الناقدة: شعرهافيه جمال حقيقي ، وفيه من الرقة مايكفي ، برزت فيه الذات طاغية، ونثرية يسوقها الانفعال ، هو النفخ في الرماد أو البوح القسري، أو انشودة لحياة تملك النغمة العالية ؟.وفي هذا النص لم نجد رقة ولاجمال انما خطاب  وثمة تهديد ! وكنا قد قرأنا لمروة  الجبوري نصوصاً جميلة شاء الحظ ان لاتعترض طريق المؤلفة الفاضلة!. وفي نص الشاعرة ازدهار سلمان : ( لو تأخذني/ ان تلمسني/  لخار كل مابي من حياء /فكلانا جائع حد التمرد/ يحمل في الروح أكثر من خطيئة/ تقيده بالأغلال ) تقول عنه المؤلفة كلاماً لانختلف معها عليه: في النص مشاعر استوطنت ألفاظ القصيدة  التي انزاحت بها عن المألوف منحته  جمالية خاصة في الشكل والمضمون .وكان للمجموعة الشعرية (ربما يحدق القمر)للشاعر كريم جخيوروقفة في هذا الكتاب اذ اختارت المؤلفة عدة قصائدمنها ، وقالت عن اسلوب الشاعر فيها: رسم معاناة الواقع بصور مؤثرة وأُطر جمالية وألفاظ تستهوي المتلقي لسهولتها ، من مثل قوله : (الصباح هناك أكثر دفئاً/لا لأن الشمس لم تشرق هنا / ولكن لأنك انت هناك ) .ودرست الأديبة الصافي ايضاً ملامح الصورة الفنية في شعر ابتهال بليبل ، واذ تقول ابتهال :(لا أعرف كيف يكتب بعضهم / هناك من يكتب لكي يعيش / وهناك من يكتب ليموت كل مرة /للذي يموت كل مرة /هذه حروفي إليه )و تقول الناقدة المحترمة عن شعرها : تحرص الشاعرة في انتقاء الفاظها، وأختيار اسلوبها لتشغل فكر القارئ وتبعث فيه التأمل للوصول الى المعنى الباطني للنص وكشف خفاياه.  وأ خيراً أتساءل :هل كانت مها الصافي في كتابها هذا دارسة تطبيقية ؟ام انطباعية؟وما هو مقدار اقترابها من احدى مدارس النقد الحديثة للشعر؟هذه الأسئلة تبقى مؤجلة الآن  ونحن أمام ناقدة تحاول ان تضع موهبتها الواعدة في هذا الفن  الأدبي الصعب. وحسبنا ما نجد أكثر من حسنة في جهدها الجميل هذا المبشر بميلاد ناقدة مبدعة وجادة . أسأل الله الكريم لها ولنا جميعاً التوفيق والسداد . والحمد لله أولاً وآخراً .