صدمة التلقي وكسر الألفة في كائنات – ايمان عبد الحسين

عين الدم لحسن عبد راضي

صدمة التلقي وكسر الألفة في كائنات

ايمان عبد الحسين

 بما ان الخيال هو المجال الذي يسمح للشاعر فيه ممارسه حقه في تشكيل عالمه الشعري وفق رؤى متنوعة تتناسب ونظرته الى الكائنات المحيطة به،  وهو المجال الذي يستطيع ان يحلق فيه الى عوالم أكثر حرية من خلال استعماله صور متنوعة، فلا بد من القول ان اختياري لقصيدة (كائنات) من مجموعة للشاعر حسن عبد راضي (عين الدم ) الصادرة عن (دار الشؤون الثقافية العامة) هي الشعرية القائمة على مخيلة ابرز سماتها التجريب ، الذي لا ياتي على مستوى اللغة فحسب، انما على مستوى بناء الصورة ودلالاتها مكونة فيه خطابا شعريا محملا بالإيحاءات ، والذي يعكس وعي الشاعر الفكري وغناه الروحي ، فلقد اشتملت القصيدة على خمسة مقاطع كل مقطع بعنوان مختلف وصورة مختلفة الا ان المقاطع في القصيدة بأكملها حافظت على تركيبها، في حقل دلاليّ واحد يروم فيه الشاعرابراز الصورة المناقضة للكشف والتجلي والوضوح اي اختلاف الظواهر، واتفاق الأغراض والمقاصد من خلال نقل المعنى عن معناه الحقيقي ليتجه لصورة اخرى مغايرة، وفي استقراء لعناوين المقاطع نلمس أن الشاعر استمد موضوعاته من عدة صور كان الإيجاز والجمل الاسمية ، والابتعاد عن الحشو، و توالد دلالات على غير مدلولات، والاعتماد على مفهوم المفارقة من خلال اختلافه مع ما سياتي لاحقا في المتن ، ما يؤدي الى كسر أفق توقع القارىء يضاف إلى ذلك ما يُحدثه من دهشة شعورية لدى القارئ الذي يعتقد شيئا و إذا امامه شيء مخالف ، والتي  حسب (جاستون باشلار ) ( ادْهشْ أولا و سوف تفهَم ) تعد ابرز سماتها ، فان النص الشعري يقوم على مجموعة من البنى ،وكل بنية تقوم على ثنائية التورية، فالبنية شيء وحقيقتها شيء آخر وان الشاعر في تلاعبه مع قارئه يقوم بتحويل المفردات الى اشياء معينة لا ترمي الى عنوانها انما يحملها الشاعر بمشاركة مجموعة من المعاني والمفردات الى معان لاتتالف معها ، إنها فلسفة يربط فيها الشاعر بين وجهين مختلفين وهذا نراه في المقطع المعنون (قناديل) التي نرى فيها الشاعر يتلاعب بالمعاني ليعطينا بعدا دلاليا اخر, هذا ما نجده في هذا المقطع الذي نكشف من خلاله اتخاذ المتن مساراً يخالف العنوان ويباينه فالكائن يتحول في النهاية الى قنديل البحر :

عالجتها طويلا لكي تضيء

 بلا جدوى

ملاتها بالزيت فانطفات

انها قناديل البحر.

 و ان الشاعرمن خلال هذه الانزياحات و تركيب العناصر لابتكار عناصر مغايرة من خلال النفي الذي يفيد امتناع تحقيق المعاني المتوقعة والمتجذرة في ذاكرة القارئ عن الكائن المعني التي يتضمنه المقطع السابق والمقاطع الذي تليه يروم توصيل فكرته، ففي المقطع التالي يبدو من العنوان ( خيول) ان ما سياتي لاحقا يحمل صورة حيوان هو الخيل لكن بما ان هذا الخيول لا تجر العربات

لا يركبها ملوك ولا امراء

لا تصهل ولا تحمم

 لا تاكل ولا تشرب

لا تموت ولا تحيى

 ولا تصلح لغير اللعب

 فهي في النهاية ما هي الا عبارة عن خيول شطرنج، وهكذا يبدو في جميع المقاطع ان البناء ينمو ، ويتطّور، وتتوالد صوره ورموزه ومفارقاته في علاقة اختلاف بين المبتدا المتمثل بالعنوان مع المنتهى الذي يحمل المفارقة ، فالشاعر في القصيدة يستعير للكائنات سواء من الحيوان او الجماد او الانسان دلالة اخرى وصفة مختلفة ، ففي المقطع المعنون (ديك) نرى انه عبارة عن ديك لكنه لايصيح في الصباح لنكتشف في النهاية ما هو الا ديك الجن :

الاف الصباحات مرت

والاف الديكة صاحت كعادتها

الاهو لقد اسكته الحب الى الابد

انه ديك الجن.

  وفي المقطع المعنون (حمار) يبدو ان العنوان يروم الى صورة كائن صريح هو الحمار لكنّ القارىء سوف يتفاجأ بوجودِ معاني اخرى مخالفة و انزياحات شعرية ليكون في النهاية عبارة عن بحر الرجز:

لم يحمل اسفاراولا اثقالا

ولم ينقل الماء من الابار البعيدة

فهو –  كما تتوقعون-

ليس حمارا

انه بحر الرجز.

 فمن الواضح أن القصيدة في جميع مقاطعها ابرز سماتها هي بما تولده من انزياحات تركيبية من أجل أن تصير أداة ومرآة ليعبر من خلالها الشاعر عن رسائله البصرية التي يرمى فيها الوصول لغايةٍ معينة ،فان المقطع الاخير من نص المقطع الموسوم بـ (مفترس) ياتي عبارة عن صورة مكثفة ورسالة تحمل فكرة ذات دلالة يستقبلها المتلقي الذي يشكل دلالة رمزية في صيغة من صيغ الشكل الفني المغاير، والذي غائيته تكمن في تشكيل مضامين يلجىء فيها الشاعر الى نقد وحشية الانسان المعاصر وان في اعتقادي ان توالي المفارقات في المقاطع السابقة ما هي الا وسيلة يكشف الشاعر من خلالها جانبًا فنيًا وفكريا مهمًا هدفه ايصال القاريء الى المقطع الأخير الذي في الحقيقة يمثل دلالة لصورة بالغة التكثيف في تصويرها حقيقة الانسان المؤلمة ، وتاتي لفضة المفترس إمعانًا في تحقق هذه الاشكالية التي تفضي إلى الصورة التي يرسمها خيال الشاعر وهي التي تتجاوز معناها التشخيصي للانسان ، ولعل في هذا التوظيف دلالة تتجاوز البعد المباشر إلى الإشارة الرامزة الدالة التي تشي بشيء غير متوقع، فتحمل النص مثل المقاطع السابقة من ظاهر العنوان، وتضيف إلى معنى العنوان مميزات خاصة ليتحول الى معنى آخر مغاير تماما، لا سيما في السطر الأخير الذي يتبدو فيه النهاية غير متوقعة وصادمة الذي يمثل فيها صورة لفقدان الإنسان إنسانية :

 يمنع الثعلب من افتراس الدجاج

ويمنع الذئب من افتراس الخراف

لكي يفترسها هو

……….انه الانسان.

وهكذا نرى ان الشاعر يسعى في القصيدة الكشف بين المستعار منه والمستعار له أي بين الانسان والمفترس ، في وجه الشبه وعلاقة المشابهة، ونوع الاستعارة، فمنذ البدء يحذف المشبه الانسان، ويبقى بدله المشبه به المفترس، وان بجامع الوحشية والقتل فان مفهوم الافتراس بعد احالته يتجه إلى إيضاح أمر المستعار وتجلية حقيقته.