صخرة المسيح

صخرة المسيح

 

 

 يعقوب أفرام منصور

 

  أخي في الإيمان بالإله الواحد وباليوم الآخِر

 

أخي في المواطنة وفي الإنسانية الشاملة

 

أخي في التعايش الأمثل، وفي تطبيق وصيّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر

 

 أخي حَسَن النوّاب

 

 تحية

 

 

 

  طالعتُ مقالك الموسوم(المسيح مشرّدًا)، المنشور قي الصفحة الأخيرة من (الزمان) ليوم 22 تموز 14، فراقني محتواه وأسلوبه، وأكبرتُ فيك روحية المواطن الصالح، والمؤمن المنفتح، والإنسان المثال، وقد استدرّ في موضعٍ منه عبرتَين من مدمعي، تعبيرًا عن انفعالي وتفاعلي وتقييمي، برغم هفوتك في مطلع المقال، حيث نسبتَ إلى أم المسيح إسمَ (مريم المجدلية)، إذ هذه المريم هي شقيقة (لعازر) الذي أقامه المسيح من القبر قبل أيام قليلة من صلبِه.

 

     أما بعد، فأقول: قال المسيح لِهامَة حوارييه، المدعو(صخر= بطرس و سمعان) إنه يبني كنيستَه على صخرةٍ، لن تقوى عليها أبواب ألجحبم (إنجيل متّى 18:16). والمقصود ب “أبواب الجحيم” مشروح في الهامش: كناية عن السلطة والقدرة التي بيدها الربط والحل والتحريم والتحليل بإسم الله في مسائل العقيدة والأخلاق وغفران الخطايا للناس أو إمساكه عنهم.(ط 5 منشورات المطبعة الكاثوليكية ـ بيروت 1977.)

 

     وفي موضع آخَر، قال المسيح عن الحجر الذي رذَلَه البنّاؤون (المذكور في المزمور 117 الآية 22) وقد صار هذا الحجر رأس الزاوية: ” إن من وقع على ذلك الحجر، تهشّم، ومن يقع الحجر عليه يرضّه” (إنجيل لوقا 20/ 18ـ20). والتاريخ المدني والكنسي خير شاهد على تحطّم وثنيّات عديدة: رومانية/ فارسية(زرادشتية)/كنعانية وغيرها في مساعيها المتجبّرة الجائرة لتحطيم هذه الصخرة الإيمانية بوسائل شتى من الإضطهاد والمنع: القتل والحرق وطرح بعض اتباع السيد المسيح أمام الضواري لافتراسهم، وخلع مناكبهم، وحزّ رؤوسهم وتقطيع أوصالهم. وإذا قد حفل تاريخ الكنيسة الطويل بملايين الشهداء، في سبيل الثبات على عقيدة أبنائها، في موجات عارمة من العنف والإرهاب والفتك والسفك، فدماء وعذابات الشهداء كانت وستبقى حتى منتهى الدهر ] بِذار الحياة] لإنتشار المسيحية واستمرارها طيلة هذه القرون.

 

    للشاعر الضريرـ أعشى قيس النصراني ـ صنّاجة العرب، بيت شعري، من المناسب إيراده هنا في مجال مقاومة ” الصخرة” الإيمانية المذكورة في عنوان المقال :

 

 كناطِحٍ صخرةً يومًا لِيَفلِقَها

 

  فلم يَضِرها، وأوهى قرنَهُ الوعِلُ

 

   أجل. ستلبث صخرة المسيح صامدة، وستتفتت جميع القرون التي تنطحها، والسهام التي ترشقها، والسيوف التي تهطرها من قِبل قوى وزُمر وعصابات البغي والجور والتكفير الظلاميين الذين يسيرون القهقرى، والشياطين المجنّدين في العمل لصالح المفسدين في الأرض : ” اليهودية العالمية” ـ والدة الصهيونية الإسرائيلية، والمتخرّجين في جامعة الثلاثي المخابراتي الشرّير: أمريكا ـ بريطانيا ـ إسرائيل، الذي أنجب داعش وأنصار بيت المقدس(!) ـ كما كشفت عنهما شبكات الإنترنت والصحف االعالمية مؤخّرًاـ وقبل هذين التنظيمين الإرهابيين، وما بعدهما من زُمر التقتيل والتفجير  والتهجير والإبتزاز والتهديد والإكراه، وكل ذلك لخدمة الأطماع والمرامي الغربية العولمية! فهؤلاء الإرهابيون لم يقوموا يومًا بعملية واحدة داخل الكيان الصهيوني لنصرة الشعب الفلسطيني المنكوب بالإحتلال، ولأجل إنقاذ بيت المقدس وقبة الصخرة والجامع الأقصى. لماذا؟! لأنهم صنيعة الثلاثي المخابراتي الإرهابي المذكور أنفًا، الذي أوكَل إليهم تخريب وتقسيم الأقطار العربية ــ الإسلامية (الشرق الأوسط) إلى مزيد من الكيانات لتغدو هزيلة كارتونية، وإلهأء وإشغال الأنظمة الحالية بأحداث جحيم ذلك ” الربيع الأهوج الإجرامي الأسود !”، الجاري حاليًا ومنذ ثلاثة أعوام، بدلاً من توجيه عملياتهم الإرهابية نحو أمريكا وبريطانيا وإسرائيل! هل أدرك ساسة أقطار ألشرق الأوسط هذه الحقيقة، أم ما برحوا نائمين نومة أهل الكهف؟! وإذا أدركوا، فماذا فعلوا ويفعلون وسيفعلون؟!

 

     قبل يوم من صلب السيد المسيح، وفي أثناء العشاء الأخير مع تلاميذه ـ الذين مثّلوا أتباع المسيح بعد قيامته وارتفاعه، كما يمثّلون أتباع المسيح اليوم وفي المستقبل، خاطبهم قائلاً: ” ستأتي ساعةٌ، يظنّ فيها من يقتلكم أنه يقرّب إلى الله قربانًا. يفعلون ذلك بكم لأنهم لم يعرفوا أبي ولا عرفوني. وما أنبأتكم بذلك إلا لتذكُروا، إذا أتت الساعة، أني قُلتُه لكم.” (إنجيل يوحنا 16/ 1ـ4)  أخي حسن النواب: ما جرى مؤخّرُا لمسيحيي الموصل، وقبلاَ لمسيحيي بغداد والبصرة، وما جرى ويجري حاليًا ومنذ عامين لمسيحيي سوريا ومصر، هو هذا الذي نطق به السيد المسيح في يوم الخميس قبل الجمعة العظيمة! إنه جارٍ منذ عشرة أعوام بكل حذافيره! والعالم الغربي يتفرّج على مسيحيي الشرق في مآسيهم واضطهادهم وتهجيرهم، وساسةالغرب وشعوب الغرب هم مسببو كل هذا الحيف والإضطهاد لمسيحيي الشرق الأوسط.

 

    عليَّ أن أشكر نظيرَيكَ الموصليَين السيدين أحمد الصراف وأحمد خيري العمري على مقاَليهم ألمبردًين من الموصل. الأول لِمقالِهِ المرسَل في 23 تموز والمعنون( أخرجوا ايها المسيحيون من أوطاننا !)، والثاني لمقاله المرسَل في 21 تموز والمعنون (شريطان لرهائن الكنيسة) حيث أفصح الكاتب عن رأيه ]إن المسيحيين العراقيين لم يكونوا قط اقلّ وطنيّةً من بقية العراقيين، بل تستحضره مواقف كثيرة كان فيها بعض المسيحيين أكثر وطنيّةً من أغلب العراقيين، وشعورهم بعراقيتهم دفعهم إلى أن يكونوا مع العراق ضدّ محاولات الأنفصال والتقسيم، وهو ما جعلهم يدفعون ثمنًا غاليًا، وهذا مسكوت عنه أيضًا.. لا أحد يتحدّث عنه للأسف].

 

 لكنّ ما يحزّ في نفسي عميقَا أن صوتًا واحدًا لم يصدر عن رجل دين مسلم موصلي يشجب فيه ويدين جريرة الإرهاب التكفيري والتهجيري المرتكَبة بحق مواطنيه المسيحيين، في حين أن مفتي تركيا في 23 تموز أعلن عاليًا أن تهديدات الإرهابيين بقتل المسيحيين تمثّل خطرًا على الحضارة الإنسانية، كما صرّح أن الخلافة الإسلامية غير شرعية وغير مرتبطة بواقع. كما لم يصدر صوت مماثل عن فرد يمثّل الجماعة النقشبنديّة، ولا عن شخص يمثل الضبّاط العسكريين المتقاعدين، والمسموع عنهم بكونهم وطنيين وقوميين.  كما حزّ في نفسي كثيرًا مشاهدتي الشريط الذي أظهر إرهابيًا ينهال بالهراوة على ساقَي شاب ضربًا وكسرًا لأنه ارتدى بنطالاً محرّمًا ! فلم ينبَرِ له فردُ يملك من الشجاعة ما يوقف بها الإرهابي عن فِعلته،  حتى لو استشهد الفتى الشجاع في هذا السبيل!