(صاحب السعادة) هل هو حقاً صاحبها؟ -2- العناصر الصورية والصوتية تخلو من اللمسة الإبداعية منهل الهاشمي ويستطرد ناصحا محادثه بمراجعة ذلك الدكتور الشهير الحائز على جائزة نوبل !!. فيجيبه الآخر مستغربا بانه لم يسمع ابدا بهذا الدكتور المشهور, ويردف متسائلا : اخذ جائزة نوبل بماذا ؟!!. يجيبه بهجت مبتسما بثقة : (جائزة نوبل في السعادة !!). هذا مع العلم ان مكتشف عقار (الفياجرا) قد نال فعلا جائزة نوبل في الطب !!. والحق اننا نجد ان المؤلف قد بالغ في اعطاء دور الجنس في حياتنا وسعادتنا متبعا بذلك نظرية العالم النفسي الشهير (سيغموند فرويد) صاحب المدرسة الكلاسيكية المعروفة في التحليل النفسي. والذي ارجع جميع النوازع والدوافع للسلوك الانساني الى الغريزة الجنسية وحدها وان الطاقة الجنسية المعروفة بـ(اللبيدو) المكبوتة والتي لا تجد تفريغا او متنفسا لها , هي مَرَدْ واصل كل الامراض والعقد والصراعات النفسية التي يعاني منها الفرد. لذلك دعا الفرد الى ضرورة تفريغ هذه الطاقة الجبارة لان كبتها سيؤدي به الى العرضة للاصابة بالامراض والعقد النفسية. وإنْ لم يجد متنفسا ما لتفريغها دعاه لما يسمى بـ (التسامي) اي ان يسمو بمشاعره واحاسيسه عن هذه الطاقة الغريزية بان يفرغها في شتى انواع النشاط الابداعي كأن يكون الرياضة او الفن بكافة اشكاله وصنوفه او اي عمل ما او نشاط ابداعي خلاّق آخر يجد الفرد في نفسه الموهبة او الرغبة والميول الذاتية للابداع في ذلك المجال. وبذلك سيعمل على تحويل هذه الطاقة السلبية المدمرة الى طاقة ايجابية مثمرة وبنّاءة من خلال ذلك التسامي وبالتالي سيكون في مأمن من الاصابة بتلك الامراض والعقد والصراعات النفسية . وكما هو واضح من خلال تحليل شخصية بهجت ابو الخير ان المؤلف قد اعتمد في رسم ابعادها وفق هذه النظرية الفرويدوية في التحليل النفسي وجعله للجنس هو الاساس الذي يقوم عليه مفهوم السعادة. ولكن هذا في الواقع مخالف ومنافي للحقائق والمعطيات العلمية المعاصرة في مجال علم النفس الحديث. فلقد اجمع اغلب علماء النفس المعاصرين والمحدثين منهم على ان الغريزة الجنسية صحيح لها دور مهم وحيوي جدا في حياة الفرد الا انها ليست مع ذلك الدافع او المحرك الوحيد للسلوك الانساني وان كبتها هو اصل وسبب جميع الامراض والعقد والصراعات النفسية كما كان يقول (سيغموند فرويد) في نظريته في التحليل النفسي اللاوعي او اللاشعور (العقل الباطن)، بل ان هناك نوازع ودوافع اخرى قد لا تقل اثرا في السلوك الانساني، ومنها مثلا (مركب النقص) كما يفترض العالم النفسي الاخر المعروف (ادلر)، او قد يكون الدافع القوي لما يسمى (تحقيق الذات او الطموح)، او (حب البقاء او الوجود)، او (حب التفوق او الشهرة) وسواها من الدوافع الاخرى. كما ان من الصعوبة بمكان ارجاع جميع انواع السلوك الانساني الى الدافع الجنسي وحده دون سواه، وذلك لان هناك عدة عوامل تعمل على تكوين او تبلور الشخصية منها الجينات الوراثية (الوراثة) وطبيعة البيئة او وجود عاهة جسدية ما ، اضف لها الظروف او الصدمات التي قد يتعرض لها الفرد في قابل اعوامه ما تؤثر في تكوينه او تركيبته النفسية. فحصيلة تفاعل هذه العوامل جميعا هي التي تؤثر بالتالي على نوعية سلوكه الانساني. هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فليس بالضرورة ان يكون الكبت الجنسي هو المتسبب بكل الامراض والعقد والصراعات النفسية، فقد يكون هناك بدل الكبت الجنسي كبت الفرد للقيم والمعتقدات والمفاهيم المعتنقها المخالفة لمنظومة القيم المجتمعية والاخلاقية والدينية مخافة ان يصيبه الاذى او الضرر او لربما القتل اذا ما باح بها او اجهرها علنا. فهذا الكبت الفكري او العقائدي الايديولوجي اذا ما استمر لسنين طوال فعلى الاغلب سيقود ذلك الصراع النفسي الداخلي المستمر الى ما يسمى بسوء التكيف او التوافق مع المجتمع والاغتراب عنه ما يؤدي بالتالي للاصابة بالامراض النفسية كالقلق والاكتئاب والافكار التسلطية والوسواس القهري وغيرها من الامراض التي سيصعب شفاؤها كلما استفحلت وتقادمت عليها السنون. فالكبت اذن بشكل عام هو عملية صراع داخلي بين رغبات ونوازع من جهة وبين امكانية تحقيقها من جهة اخرى. وقد اطلنا بمناقشة هذا الموضوع عمدا لان هذه الفكرة الجوهرية بالذات (الاعتماد على النظرية والمفهوم الفرويدوي في فلسفة السعادة) تعد مأخذا اساسيا على ثيمة العمل الفكرية الرئيسية لتعارضها والحقائق والمعطيات العلمية كما اوضحنا. وعلى هذا فان بهجت ابو الخير في المشهد الآخر الذي يدور بينه وبين الوزير فاروق لدعوته الى فرح ابنائهما (سيف وبوسي) يحادثه من هذا المنطلق الفرويدوي. ويعدد له السلبيات التي لاحظها عليه. بيتهم المظلم الكئيب الذي لا يدخله الضوء بسبب حجب النوافذ بالستائر. مكتبه الكئيب هو الاخر بالوانه الغامقة القاتمة التي تقبض النفس. ثم اذا به يسأله بصراحة شديدة عن طبيعة علاقته الزوجية ان كانت جيدة وتسير بشكل طبيعي ؟!!. يرفض الوزير في مبادئ الامر مناقشة هذا الموضوع الشخصي الحساس لكن بهجت بحذاقته وحنكته يستطيع جرّه للاستماع والنقاش فيسترسل متحدثا عن ضرورة وجود الحب والجنس في حياتنا من اجل سعادتنا بل وحتى يسأله بصراحة متناهية : (انت بتبوس مراتك ؟!!). ليصارحه بعد ذلك بالقول بانه (اي الوزير) غير سعيد في حياته فهي في توتر وضغط متواصلين بدليل القرص الفوّار المهدّيء الذي يتناوله يوميا بسبب مرض القولون الذي يعانيه. (يظهر هذا القرص الفوّار وهو يذوب في قدح الماء في مقدمة اللقطة ” الكادر ” لاكثر من مشهد. لكننا لم نعرف كيف عَلِمَ بهجت بان هذا القرص الفوّار هو مهدئ ، وان الوزير مصاب بمرض القولون ؟!!). على كل حال فمن المعروف ان مرض تهيّج القولون العصبي يعد من الامراض التي تسمى (السايكوسوماتية) اي النفسجسمانية وهي الامراض العضوية التي منشؤها نفسي. واخيرا يقنعه ويعطيه شريط لاقراص (الفياجرا) وينصحه بتجربتها !!. ياخذ الوزير الشريط خلسةً ويقرر ان يعمل بنصيحته من اجل حياة زوجية سعيدة مع زوجته ، فهو في النهاية انسان… رجل ، قبل ان يكون وزيرا ، وهي انسانة… امرأة ، قبل ان تكون لواء شرطة !!. وبعد ان تنفع التجربة معه او بالاصح معهما نراهما وهما في قمة السعادة. وفي الصباح يتصل بها هاتفيا ليخبرها بانه يحبها ، ويسمعها كلام غزل ، وهو الذي لم يسمعها غزلا او كلاما رومانسيا معسولا طيلة سني زواجهما الطويلة !!. وعلى ذكر (الفياجرا) واهميته، فالشيء بالشيء يذكر. ففي احدى اللقاءات التلفازية مع الشاعر الشعبي المصري الكبير (احمد فؤاد نجم) يقول لمقدم البرنامج بان اهم اكتشاف او اختراع في العالم هو اكتشاف عقار (الفياجرا) !!. فيساله المقدم مستغربا : حتى اهم من اختراع الانترنيت ؟!!. يجيبه (نجم) بثقة وتاكيد : نعم اهم منه بكثير، فهو يعيد للرجل رجولته المفتقدة !!!. (المنظومة الصورية والصوتية) فيما يخص التمثيل فان الممثل (محمد) نجل الفنان (عادل امام) نجده يتمتع بالاداء التمثيلي التلقائي العفوي والاسترخاء، اضافة للبساطة والنزعة الساخرة تلك الصفات التي ورثها عن والده. لكن رغم ذلك فاذا ما قارناه مع اداء والده التمثيلي في بداياته مطلع الستينات في المسرحية والفلم (انا وهو وهي) وهما من بطولة الثنائي فؤاد المهندس وشويكار ، مرورا بالمسرحية الشهيرة (مدرسة المشاغبين) و(شاهد ما شفش حاجة) حتى صعوده السينمائي المدّوي منذ مطلع الثمانينات، نجد ان الكفة تميل بشكل واضح وكبير لوالده (عادل امام) فهو يملك ـ اضافة لموهبته التمثيلية الكبيرة ـ (كاريزما) وحضور وقبول طاغٍ ، وهذه الصفات بالطبع هي هبة من الله عزّوجل، اي انها فطرية وليست مكتسبة بالخبرة والتجربة والمران. وفي تقديرنا ان الابن (محمد) يفتقدها الى حد ما الامر الذي يجعل كفة المقارنة تميل لوالده بوضوح اما الممثل القدير (خالد زكي) الذي يؤدي ولاول مرة دورا كوميديا في مسيرته الفنية الطويلة ، فقد استطاع ان يؤدي هذا (الكاركتر) باداء رصين جميل انيق ، ومقتصد في تعبيراته، مبتعدا عن شرك الاداء الكاريكاتيري المبالغ فيه، ذلك الشرك او الفخ الذي يقع في مطبّه اغلب الممثلين الجادين عند تجسيدهم ادوارا كوميدية ، معتقدين بذلك انهم سيثيرون ضحك المشاهد ، ناسين او متناسين ان الاداء الكوميدي الصحيح والسليم يتطلب عفوية واسترخاء اكثر مما هو مطلوب من الاداء الجاد ، وليس المبالغة والتكلّف والافتعال والتهريج كما هو ملاحظ لدى البعض من ممثلي الكوميديا في السينما المصرية. لذا ومن هذا المنطلق نستطيع القول بان الممثل (خالد زكي) اجاد في التعبير عن الشخصية وتقمصها من دون ان تفلت منه. موظفا بخبرته وذكائه ادواته التعبيرية كممثل والتي هي (الجسد والصوت) في تجسيدها ، من خلال تضخيم وتفخيم طبقته الصوتية الخشنة ، وبلهجة حازمة حاسمة باعتباره وزيرا للداخلية لتضفي البعد السايكولوجي السليم للشخصية. ناتي بعد ذلك على احد ابرز الممثلين الكوميديين الشباب في موجة السينما الكوميدية المصرية التي ظهرت منذ مطلع القرن الحالي ، وهو النجم (احمد عيد). فهذا الممثل يعتبر ـ من وجهة نظرنا ـ واحدا من افضل النجوم الكوميديين الحاليين الذين يتمتعون بمهارات ادائية كوميدية عالية . وقد لفت الانتباه لموهبته المميزة منذ فيلمه الاول (فيلم ثقافي) الذي كان بطولة جماعية مع زميليه (احمد رزق) و(فتحي عبد الوهاب). فهو يمتاز بادائه العفوي والتلقائي الساخر، ويؤدي الموقف الكوميدي وهو في قمة استرخائه وهدوئه بعكس البعض من اقرانه ما يجعله يثير ضحك المشاهد. في هذا المسلسل نراه ـ رغم كونه نجما بطلا ـ يؤدي دورا صغيرا اقرب للهامشي ، وغير مؤثر ابدا بالاحداث بدليل اننا لو حذفنا دوره لما اثّر بشيء على البناء الدرامي او سير الاحداث !!. لهذا وبسبب مساحة دوره المحدودة وطبيعة الشخصية والمواقف فانه لم يستطع ان يبرز امكانياته الكوميدية كممثل مبدع. وبالتالي نقول انه ادى المطلوب منه بحسب ما يتطلبه الدور والشخصية !!. وهو قَبِلَ بهذا الدور بناءً على طلب (عادل امام) منه فقبله دون تردد رغم مساحة الدور المتواضعة ” لان التمثيل مع عادل امام شرف كبير لأي فنان ” على حد تعبيره في احدى لقاءاته الصحفية. الديكور الانيق اما عن الديكور فقد لفت انتباهنا الديكور الانيق والجميل ذو الطابع او الطراز الغربي لفيلا بهجت ابو الخير. وهذا الديكور بدا مشابها لديكور مسلسلي (مع سبق الاصرار) و(حكاية حياة) للعامين الماضيين وهما من اخراج المخرج الشاب المبدع (محمد سامي) الذي يمتلك حسّا فنيا وجماليا مرهفا وصانع (صورة جميلة) ، وقد شارك مؤخرا كعضو لجنة تحكيم في برنامج (شكلك مش غريب). وعموما فهذا النوع من الديكورات لجأت اليه الدراما المصرية في السنين الاخيرة في محاولة منها لمحاكاة الديكورات الجميلة والانيقة للمسلسلات التركية والمكسيكية المدبلجة التي اجتاحت الوطن العربي كالوباء. ومن اجل صنع صورة جميلة تعتمد على الابهار الصوري (جمال الممثلات والممثلين ـ الديكورات ـ الازياء والاكسسوارات والتسريحات ـ الطبيعة الجميلة الخلابة) وغيرها من عناصر الابهار الصوري التي تجذب وتشد المشاهد. على صعيد الاخراج نجد ان المخرج (رامي امام) لم يكن مميزا في اخراجه لهذا العمل ، فقد خلا من اللمحات الابداعية المطلوبة في توظيف الوسائل التعبيرية للمنظومة الصورية والصوتية من اجل اغناء وتعميق الموقف او الحدث الكوميدي. فعلى سبيل المثال فان المخرج لم يلجأ من ناحية توظيف الشريط الصوتي ومنها (الموسيقى التصويرية والمؤثرات الصوتية) في اثراء الكوميديا في المسلسل. ففي الكثير من الافلام الكوميدية المصرية المنتجة في السنوات الاخيرة نجد توظيف ما يسمى بموسيقى (الميكي ماوس) في المواقف الكوميدية والمقصود بها تلك الموسيقى التي تتلازم وتتزامن بدقة مع حركة الشخصيات في الصورة بحيث تبدو وكأنها صادرة عنها. وهذه الطريقة التكنيكية تستخدم على نحو شائع في افلام الكارتون الكوميدية ومنها جاءت تسميتها (الميكي ماوس). فنجد ان الموسيقى ترافق حرفيا حركة الشخصيات الكارتونية ، وتتسق وتتوحد تماما مع حركات الفأر (ميكي) او (توم وجيري) وسواها من افلام الكارتون. وان استخدام هذا النوع من الموسيقى والمؤثرات الصوتية في الافلام الكوميدية قد اثبت فاعليته وتاثيره الناجح والشديد لدى المتلقي. وهذا المثل الذي ذكرناه يعتبر واحدا من عناصر كثيرة ومتنوعة لتوظيف المنظومة الصوتية لتعضيد وتعميق الكوميديا والتي غابت عن المخرج. اضافة بالطبع لعناصر توظيف المنظومة الصورية التي تفوق امكانياتها التعبيرية والدلالية الصوت بكثير ومنها (حركات الكاميرا وزواياها ومواضعها وحجوم اللقطات) اضافة للازياء والمكياج والاكسسوارات وغيرها ، ولا ننسى بالطبع العنصر المهم والمحوري ألا وهو (المونتاج) الذي يعد بحق عملية اخراج ثانية في السينما والدراما التلفزيونية. فاذن كل هذه العناصر (الصورية والصوتية) لم يشتغل عليها المخرج فبالتالي جاء عمله كما اسلفنا عاديا يخلو من اية اضافة او لمسات ابداعية ذات خيال واسع خلاّق للمخرج. في الختام نقول ان الرسالة او (الثيمة) التي اراد صنّاع المسلسل ايصالها لنا كمشاهدين ، هو ان نعيد النظر في مفهومنا واتجاهنا الفكري نحو الحياة ، والحب ، والسعادة ، (رغم تحفظنا على بعض المفاهيم علميا كما اسلفنا) ، وهي دعوة مفتوحة للبحث عن السعادة وسبل الحصول عليها ، من خلال العيش في حدود اللحظة ، والاستمتاع بها بصرف النظر عن الظرف والموقف الذي نمر فيه ، ومهما كانت الآم الماضي وقسوته ، او عذابات الحاضر ومعاناته ، او الخوف والقلق من المستقبل المجهول ، فهذا هو السبيل الوحيد لجعل الحياة محتملة. الا ان المشكلة بل الطامة الكبرى ان معظمنا ـ ان لم يكن جميعنا ـ ندرك هذه الحقيقة ونلمسها لمس اليد لكن رغم كل ذلك قلّما نعمل بها، باستثناء قلّة معدودين محظوظين، واذا ما صادف وكان احدنا من ضمنهم، فآنذاك…وفقط آنذاك سيكون هو حقا…(صاحب السعادة) !!


















