شهود يروون حكاية قطار الموت بمصر
البدرشين مصر ــ الزمان
معسكر مبارك للأمن المركزي بالقاهرة.. كانت هذه وجهة نحو 1328 مجند مصري من محافظات الوادي الجديد وسوهاج وأسيوط جنوبا .
بدأ نهار الرابع عشر من كانون ثاني يلملم ثوبه عن سماء أسيوط، فيما يجمع كل منهم متاعه القليل في مخلته حقيبة الظهر في لغة المجندين ، ويرفعها على كتفه استعدادا لركوب القطار الذي ينطلق مساء ليقلهم إلى وجهتهم بالعاصمة، حيث انتدبوا لمدة عامين من وزارة الحربية إلى الداخلية.
توزعوا على عربات القطار الاثنى عشر، واتخذ كل منهم مقعده بما يتناسب مع برنامجه للرحلة التي تستمر لساعات حتى مطلع فجر اليوم التالي الثلاثاء.. تدثروا جميعا بـ أوفرولاتهم الاسم الذي يطلقه الجنود على زيهم العسكري وشدوا بياداتهم الاسم الذي يطلقونه على أحذيتهم العسكرية احتماءا من برد كانون الثاني القارس. وضع البعض مخلته تحت رأسه كوسادة وغط في نوم عميق، بينما راح آخرون يتجمعون في جلسات للسمر والتندر يقطعون بها ساعات الليل التي أثقلها الصقيع، يرتشفون أكواب الشاي الصعيدي الساخنة بتلذذ وبطء كأنهم يريدون ألا تنتهي لمساتها الدافئة لشفاههم الجافة من شدة البرد وقسوة الحياة العسكرية. البدرشين بمحافظة الجيزة آخر محافظات الجنوب قبيل القاهرة مباشرة.. أخيرا أوشكت الرحلة الطويلة على الانتهاء، وآن للمسافرين أن يضعوا رحالهم.. هكذا بدا لهم الأمر دون أن يدروا أن تلك المدينة ستكون المحطة الأخيرة لبعضهم، ليس في هذه الرحلة فقط وإنما في الحياة ذاتها.
فجأة اختل توازن العربة الأخيرة بالقطار، فتناثر الشاي الساخن على أيدي حامليه واستيقظ النائمون وتخبطت الأجساد بجدران القطار الحديدية، وفي أقل من ثانية كانت العربة التي ارتطمت بقطار بضائع متوقف على قضيب آخر تنقلب أرضا بحملها الثمين، وظل القطار يسحبها ورائه لنحو كيلو متر، لتتحول الضحكات إلى صرخات، والمسامرات إلى أنين، والغفوة إلى نوم أبدي. 19 قتيلا و117 مصابا.. هذه هي الحصيلة الرسمية لضحايا الحادث المروع، الذي وقع ي وقت متأخر من مساء أمس، والذي يروي جانبا من تفاصيله شهود عيان لمراسل الأناضول في السطور التالية. إبراهيم أبو الفضل من سوهاج أحد المجندين من ركاب العربة المنكوبة يقول صدر قرار بترحيلنا يوم كانون ثان إلى معسكر مبارك للأمن المركزي بالقاهرة، بعد انتدابنا من وزارة الحربية إلى وزارة الداخلية لمدة عامين، ومع منتصف الليل شرع القطار في رحلته بشكل متقطع، ثم بدأ صوت في الظهور داخل العربة الأخيرة، حتى محافظة المنيا جنوبا . في هذا التوقيت، بدأ المجندون يشعرون أن الصوت يتزايد وأنه ليس أمراً طبيعيــاً، وظل هذا الصوت في ارتفاع حتى قبل الوصول لمدينة البدرشين بدقائق، و بشكل مفاجئ حدثت حركة غريبة في العربة الأخيرة من القطار، إذ انفصلت العربة عن القطار وبدأنا نتخبط بين جنباتها، ثم خرجت عن قضبان السكة الحديدية واصطدمت بقطار البضائع الواقف في الأمام ، يستطرد أبو الفضل.
ويتابع بعدها وجدنا أنفسنا على الأرض، منا من سقط بين القضبان، وأخرون بين الأحجار، وغيرهم تحت العربة الزاحفة ، مردفا بمرارة تتجلى في ملامحه وتسطرها كلماته القطار خرج من أسيوط وحالته سيئة، كان من المفروض أن يكون القطار أفضل من ذلك لأننا ذاهبون لخدمة الوطن . أما ناصر عودة الحلوثي جندي آخر من شهود الحادث المروع فيستنكر الإحصائية الرسمية لعدد القتلى والمصابين قائلاً من يزعم أن هناك 19 قتيلاً فقط، فليأتي ويرى الأمر على طبيعته، 19 شخص يموتون في حادث سيارة ميكروباص، وليس قطار تحمل كل عربة فيه ما يقرب من 200 فرد . ويسترجع المجند رائد إبراهيم المصاب في الحادث ما وقع له لحظة اصطدام القطارين فيقول كنت نائمــاً أنا وأصدقائي في العربة الأخيرة، ثم سمعت أصوات ارتطام في العربة، فقمنا نستكشف الأمر، لكننا سقطنا بعد ذلك و فقدنا الوعي، ووجدنا أنفسنا ملقيين على قضبان السكة الحديد، ثم حملنا أهالي المنطقة إلى مستشفى البدرشين، بعد أن رأيت وأنا بين الوعي والإغماء أصدقاء لي يلفظون أنفاسهم الأخيرة .
سيد رمضان شاهد عيان من الأهالي الذين ساهموا في إسعاف الضحايا بمجهودات ذاتية قبيل وصول سيارات الإسعاف يتساءل عن دور وزير النقل في هذه الحادثة و وزير الداخلية، وأطباء المستشفيات ، مطالبــاً بـ إقالة الحكومة، فالشرطة لم تكن موجودة لمساعدة الأهالي في إسعاف ونقل المجندين المصابين، فور وقوع الحادث ، بحسب قوله.
ويضيف ماهر البتانوني أحد سكان البدرشين اللذين ساهموا في إسعاف الضحايا على سابقيه إن أهل المدينة بدأوا في نقل المصابين بمجرد رؤيتهم للحادثة، فيما أتى الإسعاف بعد نصف ساعة تقريبــاً ، موضحاً نقلنا بأنفسنا 4 قتلى لمستشفى البدرشين و6 لمستشفى الحوامدية .
AZP02
























