
مسرحية ( في داخل النص ) للشاعر والكاتب سعد عودة
سوريالية الواقع وفنتازيا الخيال – عدي السراي
لعل الثيمة الرئيسية في هذا العمل المسرحي هي الانتقال من العالم الواقعي الى عالم متخيل فنتازي بغية ايجاد حل لمعضلة تعجز كل القوانين المنطقية عن حلها ،وعملية الانتقال هذه بين عالمين منطلقة من الداخل الى الخارج وليس العكس كما يعبر المخرج المسرحي الروسي ستانسلافسكي ، لان افعال الانسان محكومة بعملية التفكير المسبق والتي يعقبها اجراء خارجي من نفس جنس التفكير وهذا مايحيلنا اليه عنوان العمل المسرحي للشاعر والكاتب سعد عودة ( في داخل النص) اشارة الى وجود معادل موضوعي لمناخ العمل وهو ( في خارج النص) والرابط بين العالمين المنفصلين والمختلفين في الظروف والاجواء هي الكلمة بقدرتها على الخلق وبأعتبارها نافذة للولوج الى عوالم اخرى وهذا ما اكده الكاتب في المسرحية من انتقال البطل من ارض الواقع الى سماء الخيال التي يتصورها بل ويمنحها متطلبات الحياة من حيث الشخوص والحدث والزمان والمكان بأعتبار البطل في المسرحية هو الشاعر وهو كائن خلاق وحالم يشتغل على منطقة الخيال في اغلب الاحيان فمنطقته العقل ومادته الكتابة وهو توظيف ذكي من قبل الكاتب . ولربما يُطرح سؤال مفاده ماهو السبب في الانتقال من منطقة الواقع الى الخيال عن طريق الكتابة وللاجابة عليه فأنه احياناً تكون الكتابة حالة هرب مؤقتة من قسوة الواقع اليومي ورتابة الحياة الى منطقة اخرى تنفرج فيها النفس واحياناً هي محاولة لتعريته لعلها تجد في نصاعة العري حلا يوازي ثياب الكارثة التي يرتديها هذا الواقع.
يشتغل الكاتب في هذا العمل على تلك المنطقة الهلامية في عقل الانسان مانحاً التخييل دوراً كبيراً في توظيف سوريالية الواقع مدفوعاً بأتجاه خلق عالم فنتازي متخيل مواز ، كرد فعل لحجم الدمار مستفيداً من قانون الفعل ورد الفعل لنيوتن حيث لكل فعل رد فعل يساويه بالمقدار ويعاكسه بالاتجاه ، انه الجنون الذي يقود البطل ( الشاعر) والذي هو بالحقيقة ( ظل المؤلف) الذي اظهرته الشمس وحاول اخفاؤه تحت جلد الكلمات وبالتالي هو اشارة واضحة لأنسان اليوم .
يبتكر هذا الشاعر عالمه المتكون من ثلاثة شخصيات تمارس مهن القاع السفلي لمجتمعات الكارثة ، هؤلاء الثلاثة هم الناجون الوحيدون على يد البطل من الكارثة النووية التي تسحق العالم كالقيامة التي تفوق التصورات .
الالم والفتاة
كل تلك الاشارات في المسرحية نعيشها يومياً بكل قساوتها لكننا متعايشين معها حتى تعودنا الالم وألفناه بوصفه ضرورة حياتية لوجودنا المشوه فنكتفي بالتخيل متمنين حياةً اجمل .
الشاعر هنا يمثل الفرد كما اشرنا الذي تحسس الالم لكنه لم يكتف بالتخيل فقط بل اوجد عالمه الخاص بشخصياته واحداثة كلحظة هروب لأستغوار الواقع معبراً عن نيته في الشروع الجدي لايجاد الحل الجذري الذي ينهي كل تلك المآسي حيث يتناول البطل عقاقير الهلوسة لبلوغ الاغماء ( وهنا حاول الكاتب التغلب على مشكلة التداخل الزمني بين عالمين مختلفين كما يعبر ت. ي. ابتر في كتابه ادب الفنتازيا) هذا الاغماء الذي يمثل لحظة الصحو التي تنقله الى عالمه الواقعي اما الافاقة من الاغماء فهي اللحظة المعاشة في الخيال ( في داخل النص) والتي يســهم في صنع الحدث مع شخوصه بغية الوصول الى اكسير النجاة .
كارثة نووية
الملفت في الامر انه حتى موت البطل بفعل الكارثة النووية التي حدثت خارج النص لم يوقف التخيل بل منح البطل صفة الخلود حتى اصبح جزءاً من النص الذي كتبه وتخيله وبالتالي موته في الواقع وخلوده في النص.
عمل ادبي متفرد يدفعك للتمرد والتفكير ، انه يزرع بذور الاسئلة الخالدة ( لماذا ؟ وكيف؟)
لماذا يحدث كل هذا ؟
وكيف الخروج من المأزق؟
لعل اديبنا اراد ان يطرح تلك الاسئلة الكبرى مانحاً الخيال القدرة على الخلق والتفكير في ايجاد مخرج من الجحيم الملتهب الذي يحيطنا متجاوزاً كل الخطوط الحمر، لانه من غير المنطقي لهذا الكائن الذي شوهته الحروب وانبتت مخالبه صراعات البقاء واطال انيابه الجوع كي يتمكن من العيش حتى وان كان على لحم الجثث ان يبقى هادئاً وديعاً وراء الخط الاخضر .
الخروج من هذا المأزق الخطير ومسبباته حسب رأي الكاتب هي العودة الى لحظة البداية ، بداية التاريخ ، بداية الانسان الفطري الاول والذي يمثله في هذا العمل (الفقراء والشعراء ) بظلالهما (العمل – التفكير ) هذه البداية التي تُعد حتمية يدفع الى تحققها الانسان الوحش المسـؤول عن كل هذا الخراب ظناً منه انه انها النهاية او (القيامة) هذا الانسان المسخ الذي يركض محموماً الى نهاية كل شيء بشكل مفجع يُعجل باتجاه بداية جديدة بعد نهاية هذا العالم كون التاريخ دائريا حسب رؤية كاتب المسرحية فما ان تنطلق من نقطة حتى تعود اليها بعد اكمال الدورة ونـــــــــــهاية العالم . عمل مسرحي يستحق القراءة بل والتمثيل لما فيه من جرأة في طرح مشكلات اليوم مستفيداً من تلك الجرأة في تصوير معانات انسان هذا العصر وحجم الخطر المحدق به وآلية الخلاص حتى وان كانت قشة افتراضية.























