


الدكتور جاسم محمد صالح الدليمي
مَرَّ مِن هُناكَ حَتَّى كأنَّهُ لَمْ يَمُر
إضاءة في السيرة والفن البدوي الذي غنى للبادية والمدينة الحاضرة. سمير النغم والشجن وباعث لحن البهجة والفرح والأمل هو الوتر الرنان في العود الذهبي السعودي سمير الوادي زهرة معطارة فواحة في بستان الألحان والأنغام في البلد الحرام.
مطلق بن مخلد بن حبيب الله الذيابي الروقي العتيبي مذيع وشاعر ومطرب وملحن يُعتبر من الرواد المؤسسين الذين وضعوا اللبنة الأولى في مسيرة الفن السعودي الجميل. ولد في عمّان 1928م – 1346هج وتلقى تعليمه الابتدائي فيها وعاد وهو في الخامسة العشرين من عمره مع أسرته الى وطنه المبارك. اجتهد اغلب من كتبوا عنه في ضبط توقيت حياته من الميلاد الى الوفاة وقد اختلفوا في ذلك بين التاريخ الهجري والميلادي بسنوات محددة وربما غفلوا عن أن عمر الفنان المبدع الموهوب لا يقاس بزمن حياته المحدود باليوم والشهر والسنة إنما يقاس بزمن الابداع والعطاء الفني الراقي زمن الكلمة الهادفة والنغمة العذبة والصوت الشجي هو زمن خلوده الجمالي لا زمن عمره الفاني ذلك هو زمن مطلق الذيابي الذي ملء الوادي بزهر الكلمات الندية وعذب الألحان الشجية وتلك حياته التي توزعت بين الكلمة المعبرة شعرا ونثرا صحافة وإذاعة وبين الصوت الرخيم والنغم الجميل مطربا وملحنا يجيد العزف على العود. صوته فخم رخيم وهابي النبرات فيه وقار الرجولة كأنه طبق فاكهة شهية من بساتين الطائف فلكل أغنية لون وطعم ونكهة.
هو فنان فطري موهوب عصامي الثقافة والأدب ودراسة الموسيقى لم يتخرج في معهد أكاديمي انما تخرج في علوم البادية ومعارف المدنية ورقي الحضارة. تغنى بألحانه أصوات لها وزنها الفني وقيمتها الجمالية في ساحة الغناء السعودي والخليجي منهم طلال مداح ومحمد عبده وابتسام لطفي وغيرهم. ومن المطربين العرب غنى له وديع الصافي قصيدة ( أهواك يا أيها البهية ) كلمات سعيد الهندي وغنت له نجاح سلام أغنية (اعز الحبايب) كلمات عبد الوهاب محمد وغنت له هيام يونس أغنية (مغن من ذوات الريش غنى ) وغنى له محمد ثروت اغنية (صورتك الحلوة) وغنى من الحانه أيضا محرم فؤاد وعادل مأمون وفهد بلان وغيرهم. قال عنه الموسيقار الفنان محمد عبد الوهاب (مطلق الذيابي خامةٌ فنية وصوته نادرةٌ في السعودية فألحانه ذات طابع كلاسيكية مميزه، يغوص في اللحن مثلما يغوص في الشعر حقيقةً ألحانه جميلةً جداً وأنا أحبها ) وعندما سئل عن المطرب الذي يمكن أن يلحن له من مطربي السعودية أجاب أنه يحب أن يلحن لمطلق الذيابي هذه شهادة فنية لها قيمتها الجمالية واعتبارها الابداعي في التقييم العلمي الموضوعي لأصالة فن الذيابي ورقي موهبته وجودة عطائه الفني وهي شهادة صادرة من موسيقار كبير – معروف عنه الدقة والنزاهة في تقييم المواهب الموسيقية والأصوات الغنائية – مجدد الموسيقى والغناء العربي في القرن العشرين.
انجز الذيابي أعمالا غنائية – من فنون الغناء التراثي والشعبي والحضري – وألحانا موسيقية ساهمت في تكوين الذائقة السمعية لدى المتلقين واختياراتها الفنية في البيئة السعودية بتنوعها البدوي والحضري فضلا عن لهجاتها النجدية والحجازية وعمل باجتهاد – مع غيره من مبدعي الألحان والأنغام والغناء في المملكة – وسعى حثيثا لأجل الرقي في تشكيل الوجدان الغنائي والموسيقي للمتلقي السعودي والنهوض به الى مستوى حضاري يؤهله الى تذوق الكلمة المعبرة – شعرا فصيحا أو نبطيا – والنغم العذب في الأغنية الجميلة ولا يكون تلقيه للموسيقى والغناء تلقيا عابرا دونما تفاعل به ومعه بما يفقد العمل الفني أهدافه في تغذية وجدان المستمع جماليا وتطوره فنيا وبما يوفر لدية ثقافة موسيقية غنائية تفيد في اختياراته السمعية.

قدَّم على مستوى الغناء البدوي قصيدة هي معلقة شعرية بدوية تحولت بين نبرات صوته وبين شجي أنغامه الى أيقونة للغناء البدوي الى يوم الناس هذا هي أغنية (المقناص) يبدو فيها مطلق الذيابي صوتا نقيا في البداوة ويتجلى بشكل واضح ومميز ليس في اتقان اللهجة البدوية ولا غرابة في ذلك فهو ابنها إنما بالإحساس العميق بروح البادية واستحضارها بين نبرات صوته حين يرسلها في مجرى اللحن وإخراج المفردة البدوية بصوت واضح ونقي ونغمة صافية وبتوافق مع اللحن والايقاع وضبط في الميزان الزمني لعناصر الاغنية مجتمعة دون تشويش في اذن المتلقي والشعور العالي بمعاني الاغنية ودلالاتها المعبرة عن تفاصيل من عالم البداوة ومفرداتها اليومية او المعاشية وحالات الابتهاج والفرح بما توافر لإنسان البادية من نشاط متمسك بالحياة في اطار قيم البادية ومعاني الحياة فيها حتى يتوهم السامع المدني او الحضري انه على دراية ومعرفة بتفاصيل تلك الحياة .
سمة الهدوء في أداء الاغنية كأنها تعبر عن تأملات البدوي حين يمد بصره الى آماد بعيدة في بوادي نجد والحجاز. وربما يعتقد البعض أن البداوة تعني التخلف والقسوة والغلظة ولم يدرك أن الانسان فيها يصارع عناصر الطبيعة الباعثة على الخوف والقلق والفزع من القادم المجهول وهي تحاول اغتيال حياته بشحة الماء والغذاء وقسوة الحرارة اللاهبة لا يجد الانسان فيها سوى حليب نوقه وأغنامه. لذا كانت المرؤة والكرم عمود القيم الأخلاقية عند البدوي. اللحن قريب جدا من الحان الخمسينيات العربية في مصر وسوريا ولبنان بمعنى متأثر بأسلوب ملحني تلك المرحلة. يؤدي الكمان دور الربابة في نقل النغمات وارسالها بطريقة حضرية في إطار لحن الاغنية ، ايقاع الاغنية ثقيل تتجلى فيه حركة خف الناقة والجمل في رحلة البدوي الممتدة عبر الزمن.
مرت تجربة الذيابي اللحنية – فيما يتضح منها – بمرحلتين الأولى تمثل محاولات البداية في التلحين وهي متأثرة بأسلوب الألحان العربية في العقدين الخامس والسادس من القرن العشرين فهي لا تعتمد المقدمة الموسيقية الموسعة ولا تستخدم الآلات الغربية وتكاد تخلو من الزخرفة اللحنية يغلب عليها طابع المذهب وبعضها يتوافر على كوبليه وتتسم هذه المرحلة بالرومانسية ومن أغانيها : المقناص ، الأوله ذكر الله نبديه ، تعلق قلبي – متنازع على لحنها مع طارق عبد الحكيم – حنين الراعي ، مغني من ذوات الريش ،سكبت دموع عيني ، الخيل لن جد الجد ، شكيت الحب ، على ضفاف الهوى وغيرها.
أما المرحلة الثانية وهي أكثر نضوجا وتطورا فقد أخذ فيها الذيابي بالأسلوب الحديث في التلحين الذي يصفه دارسو الموسيقى العربية الحديثة ونقادها بأنه يقوم على ثبات اللحن وتنوع المقامات والإيقاعات والإضافات الموسيقية كالمقدمة والوصلات واللزم فضلا عن استخدام الأوركسترا الحديثة والآلات الجديدة حيث يهدف ذلك الى تكريس المدرسة التعبيرية في الموسيقى العربية الحديثة. وقد اجتهد الذيابي في تقديم أعمال غنائية في هذا الاطار منها : قصيدة تعالي دقائق نحلم فيها سَطران كتابك ، انت آسرتي ، دمعة الشوق ، ثورة الفجر ، رأيتك في قلبي ، اعز الحبايب ، صورتك الحلوة ، أهواك يا أيها البهية ، انت آسرتي ، تريدين لون حنيني إليك ، وغيرها من الأغاني.
إن تجربة الذيابي وجهوده في التلحين ثرية ومهمة في مسار الموسيقى والغناء السعودي الحديث جديرة بالبحث والدراسة الأكاديمية وهذه دعوة مفتوحة للباحثين والدارسين الى الاشتغال النقدي العلمي والموضوعي والنظر المعمق في إبداعات الذيابي في الغناء والموسيقى فهي جزء مهم في مسيرة البناء الحضاري الحديث في هذه البلاد المباركة. وبعد فقد رحل مطلق الذيابي وترك عوده مشدود الاوتار على مقام الصبا في انتظار من يكمل لحن اللقاء بين بدوي قادم من هناك وبين سمراء حجازية شهية المبسم وضاحة الوجه مسائية العينين.























