سلام عطا في تجاربه التشكيلية.. تجسيد مراحل التدرج الكوني – ماضي حسن

سلام عطا في تجاربه التشكيلية.. تجسيد مراحل التدرج الكوني –  ماضي حسن

الفنان سلام عطا  صبري ، يتوق في هواجس مشاعره ،الق الطموح في تجسيد نتاجه الابداعي ،في مناخات النقاوة والتحرر من لدن الخضوع الى مقيدات الشد والتشديد والتشتيت ،تلك المفاهيم ،هي عماد الثقافة ،وجميع مفاصل الابداع الاصيل ،بل هي قوانينها الحتمية منذ ولد الانتاج الابداعي من رحم الاصالة والاستقلالية،الى مناخاتها تلاطمتها المزدحمة ،عبر العصور والازمنة ،اجتماعيا وعقائديا ،تلك الملامح يجسدها الفان – سلام عطا صبري – انتاجا ابداعيا ،وقولا : بندمه للعودة بعد غربته الخانقة ،عام 2005 ،عاد لبلد عمقه الحفاري فخرا وثراء ، وتجسيد للتراث النحتي ،والخزفي ،والمسلات ،والقوانين ،

والعمارة ،ولكن حاضرة لايتناسب مع عمق ماضيه الثري ، لذلك تبقى عقول ونفوس الكفاءات العلمية ،والفنية ،والادبية ،مشدودة لمناخ النشئ وارض الجذور ،ولكن تتزاحم في النفوس والخلجات صراع التكوين في النشيء والثقافة الفكرية مع مفترضات الواقع الحالي ،برغم كل ذلك عزم الفنان – سلام عطا صبري – ان يتواصل في تجسيد طاقاته الابداعية بمحورين : محور المسؤولية الادارية كمدير لمتحف – الكولمبكيان – او المتحف الوطني ومدير التراث الشعبي للمهن والمواهب تكملة لما اسسه والده الفنان – عطا صبري – احد رواد الفن العراقي ،والمحور الثاني هو المنتوج الابداعي بانواعه الخزفي والنحت الناتئ والرسم ،عطاء يحتوي علامات الاصالة وتجسيد دفق الهواجس الروحية بتلقائية وصدق ،دون وازع من افتراضات المتطلبات المفروضة تسويقيا ربحيا ،اوشروط متطلبات  التفكير الجمعي ،الا بما يتلاقى مع قيم ادراكه الحسي والشعوري والايماني ،ونعني بتلك الشروط في كفيه الشعبي الاجتماعي ،او الحداثي الفئوي ،لذلك فالفنان – سلام صبري – ضمن سلوكيات الاثر الابداعي تشده نوازع الالتزام بقيمه التربوية العامة ،ولمعلمه الاول والاخير والده الفنان الرائد – عطا صبري – تلك الاسس هي المعايير  الحقيقية لاسس الفن التشكيلي ،ومايترتب عليه من  رواسخه  الذهبية والحداثية معا ،فضلا عن تنوع تلقينه ،وتلقيه التعليمي في العراق ،عندما اكمل دراسته الاكاديمية ،او دراسته في تخصص الخزف في جامعة – كليفورنيا الامريكية – لوس انجلس فضلا عن دراسته المتنوعة لفروع الفن التشكيلي ،تلك الارضية الراسخة تمهد وتؤسس الى عملية التاني والاختزال في مقدار المنتوجات الابداعية ،لذلك عند متابعتنا لاعمال الفنان – سلام عطا صبري – نجد ملامح الانشداد التبادلي بين الاثر الفني وبين امتزاج الشعور المنشد نحو اطلالة المصداقية ،وهذا الامر يفرق بين الانتاج التجاري المهني السريع والمتكرر بذات الاستنساخ لغرض المردود الربحي ،وبين الانتاج الذي يستجيب لمتطلبات الذات ، ان هذه الفئة الاولى  من المنتجين يحملون مهارة الانتاج الريعي المعيشي ،ولكن لايتصفوا بصفات الفنان المبدع ،اذ نلاحظ ان هذه الفئة التي تمتهن المنتوج لهذا الغرض ،عندما تغادرهم اعمالهم لاتشدهم خيوط الاشتياق والتذكير والسروح الذهني في تامل مغادرتها مكانيا وزمانيا ،لان ادوات التكرار في الاستنساخ لازالت بين كفيه وانامله ،وهذا الامر ينطبق على كافة المنتوج الثقافي ومنه الفني بانواعه : التشكيلي ،والمسرحي ،والموسيقي ،والمنتوج الادبي : ايضا بانواعه الروائي ،والشعري ،والكتابات البحثية ،من جراء ذلك ،وطبقا على ما نوهنا اليه في هذه القاعدة ،فان اعمال الفنان – سلام صبري –  تفصح ملامح ثيماتها المضمونية والشكلانية عن قيم مصداقية الانتاج الروحي والتفاعلي في كل حركات الخطوط التلقائية بتبسيطها من جهة  وغزارة عمقها من جهة اخرى ،باختزال تفاصيلها ،ولكن كثافة تعدد ثرائها في المفردات وعناصرها التفصيلية والتنوعية كمصادر او تنوع صيغ المفردات تقنيا ..

بنية التكوينات

في سياق تنفيذ البنية  التكوينية للمفردات ،يعمد الفنان التشكيلي  – سلام صبري – الى منظومة اتباع الخروج من انماط اللايقاعات الرتيبة في التماثل – السيميتري – الى بدائل الاختلافات في بنية التكوين ،قد يصل بعضها الى مرحلة التضاد في اختلاف البنية التكوينية ،او الى اتباع سياق التوازن الاشكلي ،على سبيل المثال : يقوم الفنان بايصال خط عمودي يفصل بين مساحة الوجه ،يعقبها اختلاف في توازن الاقتراب من الخط الافقي في – العينين – مكانيا – اما شكليا ،فانه يعمد الى اجراء اختلاف في نمط شكلانية التكوين البنائي –  للعينين – ففي احداهما تكون ضمن مساحة بيضوية قريبة من الاصل الواقعي ،في حين تقابلها عين ضمن مساحة مربعة او مستطيلة ،يضاف لها اختلاف في مليء المساحات في التضليل في احداهما مختلفة عن الاخرى ،وبذلك يكسر رتابة التماثل – السيميتري – لكي يدخل عليها موجات حرية الحداثة ،الا ان الفنان يلتزم بمرجعيات موضوعاته من التراث العراقي سواء كان السومري والاشوري والبابلي ،او الاسلامي الزخرفي ،ولكن كما ذكرنا بحرية وتلقائية متنوعة تكسر رتابة التكرار والملل في الرؤية البصرية المالوفة ،ومن جانب اخر تتكاثف امتدادات الخطوط الافقية والراسية في تقسيمات العمل الفني ،كي يخلق منها ايقونان متناظرة ومتماثلة تكثف من استدعاء التامل البصري لها ،ان اغلب وسائل ادوات تنفيذ تلك الاعمال تعتمد على الاقلام الحشبية الملونة ،او – المحايدة – الاسود والرصاصي – الا ان الفنان التشكيلي سلام عطا صبري لم يثقل تلك الموجات البصرية بالوان ساطعة ومتضادة تحجب او تشغل عين المتلقي عن مراحل السروح الذهني في انسيابية التامل الزمني ،وبذا فاننا نجد ان الفنان يجسد عملية الارضاء النفسي التلقائي في الاخراج الشكلاني للعمل ،وهو سلوك ابداعي لا تشده – وازرة وزر اخرى – اي ان متطلبات المصداقية في تجسيد كوامن مشاعر الذات الهائجة ،هي التي تدفع الفنان الى تدوينها – نصيا – في الاثر الفني ،ان تلك السلوكيات من الاعمال تبقى محتفظة في ذاكرة التدوين الارثي للتشكيل الابداعي اكثر من معتنقات التوافق للمتطلبات المفترضة ،حتى وان حققت ترويجا استجابيا لمتطلبات العصر ،او الحتميات السائدة ،ومن مميزات الاعمال التي وصلت الى مرحلة الرقي في التقييم بعد رويدا من الزمن ،تاتي بتلقائية متحررة من لدن المقيدات المفترضة ،تتنوع مرجعيات ومصادر العمل التشكيلي للفنان – سلام عطا صبري – منها تراثية قديمة كالوجوه الاثرية السومرية ، ومنها فولكلورية معاصرة كالشناشيل والازقة البغدادية ،ومنها انعكاسات للبيئة المتعددة  كالطبيعة والنخيل والاشجار الباسقة ،تتداخل تلك التنوعات والمصادر بصيغة التوافق والانسجام الهايرموني ،وبغطائها واجوائها العامة  ،وبعض الاعمال تخلوا من تلك المفردات الواضحة المعالم ،الا بحدود هيئتها التجريدية الهندسية  المبسطة ،تتعانق بمزدوجاتها ،او تتقاطع في مدخلاتها التركيبية ،او تتوافق بمرتكزاتها التكوينية ،ولكنها تتوحد جميعا ضمن احدى شروط اسسها التشكيلية ، بتحديدات الخطوط الواضحة المعالم كي تاخذ صيغ تقنياتها – الغرافيكية – وبذلك تبدوا لنا حركة الخطوط ممتلئة بطاقتها المفتعلة وبمهارتها المتقنة ،ان افتعال تلك التقنيات الادائية ،هي مواجهة لاتخلو من الكشف عن القدرات التي تواجه الاعلانية المباشرة ،بعيدة عن الانغمار في الغوص والانغماس في مراحل التدرج اللوني والتخطيطي معا .

وفي مجال الخزف او-  السيراميك –  فان ما صال به من جولات واداء يرتكز اساسا الى تخصصه الهيكلي ،لاثره الفني في مجالاته الاخرى ،فالفنان – سلام عطا صبري – اختصاصه الاساسي هو فن الخزف من كليفورنيا الامريكية ،فضلا عن دراسته المتنوعة لفروع الفن التشكيلي ومنه تاريخ الفن ،في مجاله هنا تبدو لنا مهارات الاتقان التفردي ،واضحة للعيان والتبصير التشخيصي ،اذ تتراصف الوحدات التكوينية المقسمة الى اجزاء متجاورة افقيا وعموديا لتشكل ايقونات متساوية في المساحات ولكنها مختلفة في الموضوعات التشخيصية ،وكذلك في  محيطها الفضائي اللوني بتباينها المتضاد او المترابط ،اما من ناحية الموضعات المتماثلة ،او المتجاورة ،فانها تشخص وجوهاً كاملة  تناظرها عيون لوحدها تملأ المساحة ،اشجار او ورود  تناظرها حروف عربية ،وفي بعض المربعات او المستطيلات العمودية تاخذ صيعة البناء المعماري باجزائه المجردة ،الزخرفية ونتوءاتها المتباينة التي تعكس صورة – النحت الناتئ – لذلك فالتباين يبدو جليا في الوضوح بين العمق والبروز وتصل درجة العمق الفضائي الى مرحلة الثقوب الناتئة التي تعاكس الحافات التكوينية البارزة ،وتختلف شكلانية  محيطاتها التكوينية كبناء جداري بين عمل واخر منها تكون الحافات مستقيمة على وفق نظامها الهندسي ،ومنها تطوف بنهاياتها المتباينة التي تشبه حافات الجبال ،ان هذا التباين يهدف منه الفنان بصيغته التكوينية الى خلق حالة من الديناميكية المتحركة التي تكسر حالة السكون – الستاتيكي – هذا الامر ينطبق على التكوين الشكلي العام للعمل الفني ،اما ايقوناته الصغيرة فان بعضها او اغلبها تتضمن وحدات ذات ايقاعات متكررة كالمثلثات او الدوائر او المستطيلات العمودية بايقاعات افقية ،ولو اجرينا مقارنة بين اعماله التخطيطية في الرسم وبين تكوينات السيراميك ،ففي الاولى توجد فضاءات واسعة تفصل بين التكوينات لتدع لها حرية التنفس الحركي ،اما في السيراميك فان التكوينات متلاصقة ومتكررة في استمرارية دون وازع من الفجوات العشوائية ،وهذا الامر ينطبق على الاعمال التي تاخذ صيغة جداريات النحت الناتئ ،اما الاعمال الخزفية التي تنفذ بصيغة الاواني الخزفية التي تناظر النحت المدور ،فانها بلا شك تخضع الى شروط وجودها ضمن محيطها الفضائي والتي يكسوها بغطاء لوني موحد .