سلام سرحان في مجموعته الشعرية الجديدة

سلام سرحان في مجموعته الشعرية الجديدة
الشاعر يستعير ذاته
هادي الحسيني
يواصل الشاعر العراقي سلام سرحان تألقه داخل المشهد الشعري العراقي منذ اكثر من عقدين من الزمان، فهو من ابرز شعراء جيل الثمانينات، الجيل الذي أمتهن الحرب والخوف والموت على طول الطريق وقد عاش فترة الحرب العراقية الايرانية على مدى سنواتها العجاف التي ألتهمت الاخضر واليابس وجعلته رمادا، فقد ظهر هذا الجيل من رحم الحرب الامر الذي شكلت اغلب نصوص شعرائه علامة فارقة داخل المشهد الشعري العراقي، فأدخلوا مفردات جديدة وحديثة على القاموس الشعرية ولكن بلغة الموت والدمار الذي عاصروه لسنوات طويلة، كانوا شعراء هذا الجيل اكثر من 173 شاعراً، أتخذوا الكتابة الجديدة في قصيدة النثر بعيداً عن تجارب الرواد وما تلاهم من الستينيين والسبعينيين. في بداية الامر حاربتهم المؤوسسة الثقافية على قصيدة النثر التي كتبوها، لكن بعضهم ظل ومازال مصراً على هذا الشكل الذي جعل من شعراء التفعيلة والحر ان يجربوا الكتابة في قصيدة النثر ويحذوا حذو الثمانينيين.
أمام وجه العالم
بعد ان وضعت الحرب اوزارها وجاءت صفحة الحصار والموت البطيء هاجر العديد من الادباء العراقيين الى خارج الوطن وكان الشاعر سلام سرحان قد غادر العراق عام 1991 الى الاردن ومنها انطلق الى اوروبا حيث يعيش في لندن منذ سنوات طويلة، وقد اصدر عام 1989 مجموعته الشعرية البكر في بغداد والتي هي بعنوان في عدم الاسئلة . ثم ومن منفاه الاوربي اصدر مجموعته الشعرية الثانية فضاء الرغبة عام 1997 عن المؤوسسة العربية للدارسات والنشر في بيروت. وها هو بعد عقد ونيف يطل علينا بمجموعة شعرية جديدة صدرت عن دار الشؤون الثقافية في العاصمة العراقية بغداد. الغريب والملفت للنظر في هذه المجموعة هو عنوانها الذي اسم الشاعر سلام سرحان. ولا غرابة على شعراء العراق ان يستخدموا مثل تلك التسميات على عناوين مجاميعهم. أستخدم الشاعر أسمه ليستحضر من خلاله الكثير من ملامح وجهه أمام وجه العالم في هموم الوجودية الذاتية. كما وأنه أستحضر أطراف جسده ليجعلها تتماوج مع البحار والمحيطات والانهار ليوقف العطش في هذه الارض. ولعل الحزن والموت والحب اللذان يسيطران على أجواء المجموعة ومن دون حصرها على فئة أو شعب معين له كفيل بأن تكون مجموعة سلام سرحان احتجاج من نوع خاص ضد الظلم والقمع بشتى اشكاله.
الشاعر وعنوانه
الشاعر وعنوانه سيان فهو لا يحب الابتعاد في هذه النصوص عن معاناة الانسان اين ما كان، وهو يحاول ان يدق ملامح جديدة في وجه العالم ويقف على الحافة بشخصية سلام سرحان . ويحاول الشاعر أن يستقل كل وسائل النقل الحديثة التي اخترعها الانسان في عصر التكنلوجيا وهو يمّر عبر البيوت والحانات والمسارح ليجعل من طريق العدم ملون وسالك بألوان جديدة زاهية. كما ويتسائل عن هزائمه وهزائم الانسان في داخله ليتأكد من الحرية. وهذه معادلة رائعة أوجدها سلام سرحان في تلك النصوص الخفيفة الظل إذا جاز لنا ان نسميها، فهي حمالة أوجه، فمرة تجد القصائد محمولة على أكتاف فراشة وهي تطير بمرحها الباسل الشفاف في فضاءات الحدائق لتقوم بتلقيح الازهار مثل نبي يزرع الابتسامة على وجوه الفقراء والايتام وبؤساء العالم برمته، ومرة أخرى نجد أن تلك القصائد محملة بهموم وآهات وعلعلات وحروب وحزن وفجيعة ولوعة وألم لا ينتهي ولم يستطع اكبر الجبال حملها.
وفي هذه المجموعة ينتقل بنا الشاعر سلام سرحان الى مساحات ورؤى غير محددة، بمعنى ان قصائده صالحة لكل زمان ومكان، وهذا هو الشعر الذي عليه ان ينطلق الى مسافات مترامية الاطراف وبعيدة عن تجسيد واختصار لمرحة ما قد تزول احداثها بعد سنوات قليلة الامر الذي لا يبقي الشعر خالداً، وهذا ما ذهب اليه الشاعر سلام سرحان في مجموعته سلام سرحان . كانت المرأة هي الاخرى حاضرة في خطابه والبحر تعتلج أمواجه كما شَعر المرأة حين يمرجحه الهواء، فهذا الكائن لا يمكن للشاعر مفارقته، أستحضاره علامة واضحة في مجاميعه السابقة ايضاً.
مواصفات جميلة
اتسمت هذه المجموعة صاحبة العنوان الغريب الذي اختاره الشاعر بتكثيف شعري مع انسيابية رافقت اغلب القصائد وهو يؤثث لعالم جديد، عالم يمنح الانسان سعادته ويرد له حريته التي سلبت، لقد استنطق سلام سرحان في سلام سرحان العالم برمته بعد ان استعار اطراف جسده.
أنا احد المتابعين منذ اكثر من عقدين من الزمان لتجربة هذا الشاعر الرقيق في سلوكه وحياته الامر الذي أنعكس ايجاباً على تجربته الشعرية، قصيدته تسودها هذه المواصفات الجميلة، قصيدة مبتعدة كلياً عن الانفعال والاجواء المتشنجة التي يشّرع فيها الكثير من الشعراء وبخاصة ابناء جيله الذين لم يبق منهم إلا نفر قليل قد لا يتجاوز اصابع اليدين، فيما اعتكف الكثير من ابناء جيل الثمانيات بعد سنوات قليلة لينشغلوا بامور حياتهم بعيدا عن الشعر. ولهذا نلاحظ تألق الشاعر وهو يصدر هذه المجموعة بعد سنوات طويلة من صدور مجموعته الثانية وكذلك فعل بعد أن اصدر أولى مجاميعه فهو مـتأن ولا يحب السباق في طباعة شعره ولا يستعجله الامر الذي أوصله لان يقدم مجموعة سلام سرحان وهي تكتظ بالصور الشعرية وبموضوعات غاية في الروعة والاهمية، كما وأنها خالية تماماً من الزوائد والحشو الامر الذي قد يجعل من قصائدها علامات واشارات مضيئة لهذا العالم الذي يسوده الاضطهاد والظلم والفقر والحرمان والحروب.
AZP09