سعدي الزيدي.. النص محمول أشاري
ساعي بريد الغائبين
اسماعيل ابراهيم عبد
النص، أي نص هو محمول اشاري. واذا كان النص مسرحياً فهو خطاب مباشر بين صائغ النص ومتلقيه، وهو ما يجعل التقاطع الفكري، دراماً ام حدثاً، واقعة نصية. على هذا فرسالة النص هي محمولاته الاشارية.
لندقق في عنوان المسرحية، رسائل لوركا لأحمد آدم – تأليف سعدي عوض الزيدي، والتي يوحي – بها – إلى رسالة داخل رسالة عند رسالة النص. وفيه من العلنية والعلائمية ما يعنى بهيئة الوضوح كهيئة للتنوير..
لندخل النص عبر الترتيب التالي:
ترسيم العلاقات المشهدية
1- علائق الشخوص : إنهم، باحثة، رسام، مخرج، ثم شخص ثانوي واحد هو الحارس. وإني اضيف اليهم الشخصية الحوارية (الفكرية، فهما للوركا – الصورة، الفعل-) وأحمد آدم، الفعل والدراما المهيمنة..
واذ يتوزع الوصف العام للشخوص على مجمل الحركة الفِعَلية، ولا يتعمق في التركيب النفسي لهم انما ليؤكد أن الشخوص معنويّون، وهم ليسوا الحضور، وان شخوص فاعلي الأحداث هم الغائبون/ المغيبون/ المضاعون/.. الذين لم يقوموا بأي فعل درامي حقيقي في النص، كأقصاء حاد في عملية التهميش الانساني، ولعل ضمير التحريك الذي تضمن شخصية كاتب النص وهو الرسام، بما تحتوي طبيعته من انحياز دراسي، وتحليل ومشاركة وجدانية وابداعية. وكلها صفات تقارب مكنونات الكاتب. واعني أن هذه الشخصية (الرسام كاتب النص المفترض) يتصرف بنوع من الحيادية، وأظن السبب كون الشخصيات ستفقد ديناميكيتها التأثيرية إن تحولت إلى مرموزات.
في (النص الدرامي). فهي ستفقد مبرر وجودها الفني ومهم هذا، أن الشخوص سيصبحون – بعد تشظي الكاتب إلى كاتب ورسام – إلى:
2ـ المراقب / المخرج : يتخذ لنفسه وضعاً منحازاً – ليبرالياً – لجهة أنظمة ومؤسسات وأجندة، تحكم المكونات المسيّرة للوقائع الاجتماعية والسياسية، وبالتالي تشكل التاريخ البشري. هذه الانظمة تعارفت على مثولها في ادراة الدول والشعوب، ومن طريف هذه الشخصية انها لم تعِلّق، ولم تتدخل في اهداف ومنظومات الشخوص الأُخر.
كما إن الاضاءة والصوت والمناظر الخارجية ومجمل الديكورات، كلها، والتي يفترض أن ينبث فيها رأي المخرج، بقيت من حصة شخصية اخرى. كما لم تُوزع الادوار ولا اللقطات، ولم تُقيد حركية السيناريو، مما يعني أن المخرج شخصية هامشية غير فاعلة، على المستوى الفكري والحدثي. الامر الذي ميّزه كعلاقة عامة وشاملة وسطحية، بما يصيّره غلافا خارجيا اكثر بُعدا من ديكور واصوات ومناظر واضاءة، المسرحية.
3ـ الكاتب / الضمير : هو الصوت، شبه المحايد، شبه المضمر، شبه المتعاطف، النزقي احياناً. هذا الصوت لا يصلح أن يكون راويا لثلاثة ظروف هي: انه غير دقيق لا في الرسم، ولا في الاصغاء إلى المخرج، الراوي المتعالي، ولا في التحديد التاريخي، كانه ذاكرة مخربة تختزن صوراً واصواتا واحداثا لا تناسق بينها. لذا فظل الكاتب رساما لا راوية. ومن ناحية ثانية فهو ذو علاقة جزئية (مرئية – مغيبة) مع الباحثة، وهو ما يجعل حياديته مثار شك وجدل. أما الصفة السبب الثالث الذي يبعده عن أن يكون راوياً – مرئياً – يواجه متلقين فهو انه يصرح بوجهات نظر سياسية وايدلوجية وشخصية، وحتى فلسفية عدمية تزيد من اشكاليته الصياغية.. وهذا التشكيل الخاص لمنظومة (الرسام – الكاتب المتخفي) تجعله شخصية مهمة لتحقيق الحوار المسرحي، خاصة وان ((البوح الداخلي قوي)). ولو حذفت الباحثة والمخرج، وهما شخصيتان هامشيتان، لأصبحت المسرحية مسرحية شبه شعرية بشخصية واحدة تقوم بالحوار والروي والمواجهة الخطابية. أي مسرحية الضمير الجمعي الواحد، المتحكم بالمضمون كله.
تظل علاقة واهية أخيرة هي علاقة المخرج والباحثة والرسام، في تصورهم لعملهم، الاشتغال ضمن منظمة تدير مكتب (احصاء ضحايا الحروب الاهلية في العالم) والتي لا يصلح لادارتها، مخرج – ورسام – وباحث، .. كما لا تصلح لقيادتها باحثة تدير عملا احصائياً، وكذلك لا يصلح لادارتها زوج الباحثة المفقود، ضمن قوائم الضحايا. مما يرجح لجوء الكاتب إلى هذه التجميعية (من الشخوص والعلائق) ليدلل على انها مسرحية تختص بالضحايا وليست منظمة احصائية. كما أن هؤلاء الشخوص مثلوا – في المسرحية والمجتمع – شريحة تحاسب وتنبه وتتحمل وزر العمل اللاإنساني بالافصاح وفض بكارة تشابك الخيوط بين القاتل والضحية، والانظمة السلطوية وما بينها من تناغم فردي وجماعي.
4 ـ علاقات السنوغرافيا : ومنها الديكور والاضاءة والتداخل الحدثي، فالديكور يعتني بالجبهة التي تواجه الجمهور، أي يعتني بتقسيم سبورة النظر البصري باعتبارها شاشة عرض مساعدة تلفت النظر إلى تغير الاحداث مستعيناً بتغير الاضاءة وبذي يرتبط مع الاضاءة والاحداث بحركة درامية تتواشج مع عناصرها بتقانة!!
إن الاضاءة تتعمد التذييل الافتتاحي على مراحل (المشهد الأول – الوقت ليلاً، المشهد الثاني – الوقت صباحا، المشهد الثالث – الوقت نهاراً، المشهد الرابع – الوقت ليلاً) وفي هذه التوليفة تستدعي النمط الثاني من الاضاءة (الاطفاء) مثلا ((أطفأ النور)) ((يخرج من المسرح، ظلام))، ((يطفيء النور في الغرفة… الخ)) فليس هناك ثمة من يفتح النور!!. كما انا الستار يقع ضمن منطق اطفاء الاحداث بالاضافة المكمومة!!
في بقعة يتحدث بها لوركا، وقبل حديثه يصير، أي لوركا، تحت دائرة ضوء متغيرة الالوان (فضية، حمراء، زرقاء).. ثم يتحدث لوركا بتوليفة الألوان تلك قائلاً: إني أسف لمصير القتلة، مصير مشوب بالسواد.. وأعني هنا أن الضوء – في الاضاءة المدورة – جاء فقط، ليدل على التوقيت التاريخي، الموزع على المشاهد، فقد اعطي الليل والصباح والنهار والليل، مهمتين هما ((التاريخ، أو التبدل السياسي حصراً، والثاني، التبدل البيئي)) ولم يعط دلالة مستقبلية، وهو ما يؤشر أزلية الخلل الانساني وحاضريته مثلما دراما حقيقية الاحداث.
وفي ذات الاتجاه يراد للديكور أن يكون التلازم الدائري للاحداث، فيدور كحركة وليس كموجودات ليكمل الظرف النفسي والمظهر البشري للمشمولين بالاحضار الغيابي، بمستحضر اثارهم.
ومن نموذج الشخوص والاضاءة وحركة الديكور يفترض تكون احداث يشار اليها درامياً، وهو لم يحدث إلا قليلاً، لذا نرشَّح المسرحية أن تكون مسرحية شخوص لامسرحية أحداث، .. والديكور مكمل لكليهما (للشخوص، وللاحداث) ودخل صيغة تساعد الراوي (الرسام-الكاتب) على الكشف عن العالم/ خارج النص/ المسرح.
الثيم
ومنها الناي والشعر والرسم والتمثيل، تكاد المسرحية تتخصص بالثيم المتبنية للقيم المثلى، المظهرة، والمضمرة.
ويتوسل الكاتب بعدة طرق ليوصل بينهما فنياً (صوتيا ودلالياً)، ولسوف يتبع أصعب وسائل الاتصال التخاطبي والحواري تلك هي، الموسيقى، الشعر، التمثيل، الناي، القيثار. وهي – كما يلاحظ – خمسة أنواع، ثلاثة منها معنوية تجريدية (الموسيقى، الشعر، التمثيل) واثنتان أدوات (الناي القيثار). وخمستها تعتمد التنغيم المنظم (صوري/ فكري) كما انها تاخذ بترتيب وتركيب يجمع بين (الصورة، الدلالة، الحركة، الصيغة، المقابلة) بطريقة أداء قولي واحد ذي حصيلة درامية..
في حقيقة الامر لم تعد التنغيمية ضرورة واقعية لما يسمى بهيرمونطيقية النص المسرحي باعتبار الكاتب إلتزم التوضيح التام لكونه إلتزم من قبل بقصدية تستدعي تواصلاً واضحاً، فلسفياً، اجتماعياً، فنياً، ايدلوجيا. وهذا الالتزام تكمن براعته في وضوحه الشديد وقدرته المباشرة على الاقناع، وعلى التأثير المقبول.
وبالطبع فان للوحدات الثيمية هذه مقاسات فاعلة في ضبط النظام الدرامي. نرى أن اهمها ما يأتي:
1- دلالة الصوت : هي دلالة الترابط بين الآلة وتاريخها، فبعض الآلات ترتبط بالاحزان – تاريخياً- ومنها ينتمي إلى العالم الاوربي – أسبانيا تحديداً- كالناي.
لقد تكررت هذه الدلالة – التصويرية- كقيمة مثلى باسطر كثيرة منها:
+ الرسام وحيد في المسرح يدير ظهره للجمهور وينسل بهدوء، فيما يرتفع صوت ناي حزين-. يلاحظ أن هذا الصوت يرافق نهاية المشهد الثالث وبداية المشهد الرابع.
+ يا مَنْ اختزل في صوته نغم الناي ورقة الكيتار.
+ آه لأعراس الدم مثل مواقد الشتاء يضمها المتلذذون بها… موسيقى تشبه المطر وناي بعيد واطئ.
+ (ينقطع الصوت) ويرتفع صوت الناي الحزين…
يتوارى لوركا الملامح.
+ يرتفع صوت الناي وتسدل الستارة.
المقاطع الخمسة المتقدمة انحصرت بين نهاية المشهد الثالث ونهاية المشهد الرابع. وقد ادت قيمة واحدة هي بؤرة قيمة مركزية من روحية التصوت الحزين وتصويتية روح الشعرية، قبل وبعد الموت. لكون الشاعرين (آدم – لوركا) رقيقين، حزينين، ضحيتين، .. في نمط واحد للقتل هو الحرب الاهلية. الحرب التي لا عنوان ولا زمان لها. كل زمان زمانها، كل مكان مكانها. إن قيمة الناي هنا ليست صورة تصوّت فقط بل هي دلالة منظمة لبقايا الاتصال الترابطي بين جمل الخطاب بصيغة ملفوظات صوتية!! كما انها تعميق لقيمة فعل الآلة على ما فيها من وضوح وبساطة.
ترتبط بدلالة الشعر، والموسيقى والسلام، من جهة وبدلالة الرقة في الناي كسلاح للتحضر والجمال والوداعة البشرية… كما أن للناي قدرة حركية كموصل وناشر في مواقف المواجهات، وكمقاطع وصادح في مواقف اخرى مضادة.. انه يؤدي تواصلاً معروضاً على مساحة واسعة من النص هي (الحوادث المتنامية بدءاً من نهاية المشهد الثالث، وانتهاءاً باسدال الستار في نهاية المشهد الرابع.. الاسدال الذي خصصه الكاتب بالتصوت الكلي للناي بما يخلده ازلاً جماليا)).
وأرى بان فاعلية الناي كصورة ودلالة وحركة اعطت له حرية أن يكون (حواراً وقيمة ضبط وتنظيم وتوازي) لقوى التخاطب المسرحي باعتباره الحدث المتصل تشابكياً بذوات موجه الخطاب، والخطاب، والمتلقي، فالناي دخل ضمن هيكل التخييل السردي المنغم لغاية التراتب الحدثي للمسرحية..
والناي كذلك نقيض ومقابل ندي مثالي لقوى الاستلاب التدميري فالرقة/ مقابل العنف. والترمز الالي النغمي بمقابل /تمترس القوة.. والوهب بمقابل / الرهيب.. الخ.
2- دلالة الشعرية : وللشعر طريق درامي وتنسيجي يقترب من فاعلية الناي باعتباره الثيمة القيمية الثانية، فقد ورد الشعر في واحد وعشرين مقطعاً توزعت مساحة المشهدين الثالث والرابع، ولها مهمة ربط المشهدين وبناؤهما، وكذلك حددت مهام الجملة المسرحية في اعلى سبك درامي للكاتب، ضمن الفصلين اعلاه. والشعر في هذه المسرحية عجينة الكاتب ولوركا وأحمد آدم يخدم نصية الاتمام والتكميل لوحدة النص المسرحي، المشكلة لاداء قيمة ((ثيمية الفقدان)). والشعرية الدرامية، من جانب اخر، هي الصورة الشعرية للقص داخل المسرح، بمظهر السرد الدرامي، بدليل اشعار الختام الممتدة حتى لحظة اتمام إسدال الستار، والتي كانت لحظة شعرية في حالة تشكل لما قبل وما بعد إسدال الستار.
إن للشعر دلالة النسج لكونه من نتاج شخوص خاصين (شاعرين – أحمد آدم ولوركا- ، ورسام – شاعر لوحة، ومخرج – شاعر دراما.، وباحثة – شاعرة انسانية مدمرة). والشعر إذ يحيل النص اليه فلأنَّ النص دراما شعرية، أُريد لها أن تكون نثراً.. وهذا استثناؤها. والشعر حركة توصل وتتواصل وتنظم استمرارية التصاعد الحدثي لكونها مادة حيوية ناقلة كلغة سرد قصصي، ومكملة لحركة الشخوص. كما انها صائتة بغنائية تعبيرية كبديل للسرد المسرحي المباشر. ومن حيث الصياغة، احتل الشعر مرتبة الرسالة المكثفة للعلائق اللغوية والدلالية والمحتوى المضمر للنص.
والشعر مقابلة للتوازي بين النثرية والشعرية، وبين رمزية القول واسطريته، وبين الشعراء
كأبطال مسرحيين والشعراء كأبطال انسانيين حقيقيين.
3- الدلالة النصية للرسم : الرسم اداة وانتاج وتفكير وتنفيذ عقل الفنان، الرسام، حرفة لها عناصرها. فمن حيث فنيتها تشكل عنصراً هاماً في النشاط الانساني.. وما يميزها هنا هي التقابل والتعويض.
أمثلة:
- أنتج الفنان/ صورة = لوركا
أنتج صورة = أحمد آدم.
أنتج صورة حب = حب فنان لباحثة.
أنتج صور الحوار/ الذاتي = المسرح = الفكر = ساحة عرض النص.
أنتج صورة الاحتمالات الحدثية/ تقابل وتساوي/ الآنية والمستقبلية.
أنتج – اخفاء- / يقابل ويساوي/ صورة الكاتب.
وبذلك يُدخل عنصر مناور اظهارياً في (السرد، التمثيل، الحوار) ولسوف يوجه عناية المتلقي إلى بؤر النص بالتضافر مع قوى الديكور والاضاءة اللذين اختص بهما الكاتب.
+ إن الرسام قد حقق لذاته القيم الثيميمة المتقدمة ليعطي نموذجا ذاتيا وموضوعيا خاصا بالدليل
العلني الفعال المعوض عن مدلوله المضمر (الغياب الامحائي).
وجه الرسام/ يتخفى مقتصداً/ نمائية التطور الدرامي حتى النهاية. وهو الذي يقوم بجل الافعال المرافقة لتقدم النص نحو غاياته الاخيرة، صغيرة وكبيرة، مظهرها ومضمرها.
يعدُّ الرسام تجسيدا للتفاعل الصغي بين الكاتب (موجه الرسالة) والمتلقي (جموع المشاهدين المفترضين)، بحركته ينسق الاحداث على المسرح والافعال التي يراد لها التأثير على المشاهدين
وهو مقابل موضوعي يصيّر التوازيات الاخرى مثل: السلام// الاقتتال، الرسم// الشعر، الفرد// المجتمع، الجمال// نقيضه، الثبوت المكاني// المطلق التخيلي للخارج.
4- دلالة بنية التمثيل : يثير هذا الموضوع سؤالا كبيراً هو ما مدى امكانية تمثيل المسرحية بشخوصها شبه الذهنيين! (المخرج ، الرسام ، الباحثة ، صورة لوركا ، شعر احمد آدم) على خشبة مسرح حقيقي وامام جمهور حقيقي؟
والكاتب يعي حتماً بانه لا الصورة بقادرة وحدها على القيام بالتمثيل، ولا المخرج بوحده قادر على التمثيل. والاخرون كذلك فهم لم تصرفوا بل تحدثوا بالتمثيل، ولا المخرج قادر على التمثيل. والاخرون كذلك فهم تصرفوا بشكل انفرادي كانهم ليسوا منظومة واحدة، نسجاً واحداثاً ووظيفة.
لقد تحدث المخرج والرسام والباحثة عن احمد آدم ولوكا ونية تمثيل مسرحية إن اشكالية صلاحية النص المسرحي للتمثيل تفهم التالي:
أن احداث المسرحية يصعب إنجازها على خشبة مسرح اعتيادي، انما يمكن انجازها روائياً، وهو
ما قام به المخرج والرسام بصورة غير مباشرة. ومن الممكن أن تنوب الشخوص صفاتهم بحركية
وحوارية بوساطة صدى من خارج المسرح.
أن وضع مشهد خامس حقيقي للمسرحية يتكثف فيه القول الدرامي ليمثل ذروة خيالية مقنعة وليست ذهنية تجريدية خاصة وان المشهد الخامس ممكن استحضاره بما لم يشر اليه في المشاهد السابقة.. وإذ اؤكد على حتمية ورود فصل خامس فبسبب: أ- أن النهاية جعلت الوقت ليلاً، والناي رفيقا لاسدال الستارة وكلاهما (الليل والنهار) أو (الليل والحزن) حالات مؤقتة ويتغير حتما في فصل جديد، اراه (الفصل الخامس). وكذلك المسرحية قد جزئت زمنياً إلى (ليل، صباح، نهار، ليل) وهذا التوالي التناصفي لليوم (ليل، صباح، نهار، ليل) هو نفسه حتمي بالاستمرار نحو صباح جديد.. وهذا يعيد تجديد قوى التنامي المسرحي نحو الفصل الخامس، الموازي للصباح الجديد.
اذن المشهد الخامس هو ما بعد اسدال الستار، أي يتكون بوجود قوى جديدة تكشف المستتر بلا
خوف، وهو ما يرجح بوجود مسرحية اخرى، أو جزء منها، يقوم بادوارها فنانون مكافحون صابرون – مثلما نوه عنه الكاتب عدة مرات.
إن التداول الجديد للنصوص (المسرحية السردية، الشعر، النثر) يتيح الغرض التأويلي بوجود فصل خامس جديد، أي أن تأثير النص المسرحي سيبدأ بعد انتهاء العرض بمشهد يكتبه أو يعيشه المتلقي.
مقاربات
تلك هي احدى من النتائج العرضية، أي أن يوحي المسرحي بادب مقارن وهو هنا بين شاعرين بينهما اكثر من ستين سنة وبمسافة تزيد على 4500كم. ومن موجبات التقارن انهما شاعران شابان، كلاهما قتل بحرب اهلية، كلاهما من بلدين مختلفين بالقياس لقارتيهما. كلاهما قاوما قوى الفاشية والفردية. ترى على اية متجهات يمكنني اتماها لمقاربتهما. أهي مقاربة نصية ام حياتية ام فكرية، ام بالتقارب البيئي؟
افترض أن المقاربة هنا ستكون تقارناً شعرياً قيمياً باعتبار ذلك مظهراً اختاره الكاتب بقصدية ووضوح، وانحياز! ولسوف اقارن قيم نصين، لكل واحد نص، من ناحية القيمة الشعرية والمعنوية: لننظر اولاً في المقطع التالي للوركا.
(في شهر مايس/ تذهبين إلى القمر/ وتتركين ظلك هناك/ تصير المروج والطبيعة)، وكلها قيم معنوية (كمؤول اولي انساني)، وشعرية من حيث الانتظام اللغوي لنتابع كذلك مقاطع اخرى تعود للكربلائي احمد آدم:
(هناك في المظلات البعيدة/ التي تتربع عليها/ أجنحة الملائكيات/ تتربع ذكرياته/ جذوره ولغته وصوته/ يرفض كل هذا العالم/ بعين وجلة/ ليصنع اثره/ أو ظلاً لاثره).
حين نتمعن بقصيدة لوركا نرى انها تبدأ بحالة معنوية تدل على (ارتفاع المراة، أو الروح، أو الجمال) إلى سماء البهاء الابيض (القمر) ويذهب احمد ادم بقصيدته، هو الاخر، إلى اجنحة الملائكيات/ وفي كلا الحالتين فالبعد والارتفاع سمو جمالي (قيمي ولغوي) في جزء اخر هو (تتركين ظلك هناك) مقاربة للوركا تخص معنى الذكرى التي يراها احمد ادم بنصية (تتربع ذكرياته). ثم يقام التشكيل المعنوي القيمي للوركا في، أن يصيّر المروج مطراً وطيوراً ملونة – ويقصد طهراً وحرية وجمالاً موحياً بالوهم المثمر (الشعر).
ويسعى ((آدم)) أيضاً لايجاد اثره (الشعر، وجمال الروح) في (الجذور، اللغة، الصوت) كقيم جمالية موحية بالطهر والحرية، بتضافر مظهر لغوي يؤلفه اللون والتعبير، والتصوير. ويقارب في ذلك وهم لوركا اللوني والجمالي.
+ يلاحظ بان الترجمة لشعر لوركا ساهمت في تقارب الانسيابية اللغوية بينه وبين احمد ادم إن جمل لوركا برقية، قصيرة، بسيطة التركيب، تعتمد عناصر البيئة كمكونات للصياغة.
وكذا الحال مع احمد ادم، فجمله سريعة الاداء، قصيرة المفردات بكلميتين أو اكثر قليلا، وبسيطة التركيب، كأنها فعل وفاعل ومفعول، كما انها ذات عناصر بدئية (فطرية الوجود)، كالاسماء المحملة بالقول الشعري (مظلات، اجنحة، ملائكة، ذكريات، جذور، ظل، اثر).
+ أما تشكيل الصورة فقد اعتمد الشاعران على نمط الترتيب الذيلي للتعالق الصوري يصفه مانويل دوران؛ صور فردية غامضة تختفي احياناً ويستعاض عنها بمجرودات لشتى الاشياء.
+ تترتب على المقاربة بين النصين صفة اخرى تلك هي تحريك الفعل الشعري بفعل قواعدي، حتى لكأن كل فعل هو بؤرة حدثية تركّب الصورة الجميلة. إن كل جزئية أو مقطع من قصائدهما يدل على هذا النوع من التعاضد بين الفعل النحوي والفعل الشعري.
+ صفة اخرى تقارب بينهما أيضاً هي قبائية التوزيع المعنوي.. ولنقل كنائية الاشارة لديهما. حيث أن (مارس) اشارة اولى لبدء فرح الطبيعة، وكأن هذه الاشارة كناية غير مباشرة للقول التالي/ مارس زمن الصعود إلى القمر لأنه شهر صفاء السماء عموماً./ وبذي تتشكل ثيمة جديدة للجمال، وهذه الثيمة صفة كانت مختفية وراء مظهر الجملة الدالة عليها.
كذلك احمد آدم، يقيم عبر الكثير من الكنايات والنويات الجملية اخفاءات موقته للجمال (أو الاثر الجميل) مثالها (بعين وجلة يصنع اثره) فهنا لم يقل ينظر بعينه إلى الاثر فيصير الاثر جمالا شعريا. بل كنى ذلك بالوجل – والتي تعني الانغمار بالجمال، ولم تكن عينه بل/ عين العالم/ كناية عن المشاركة الكونية.
وكون الاثر جمالا فهو (صياغة روح وذكريات على شكل صور) تقارب صور المطر والطيور الملونة عند لوركا.زاوية جديدة في المقاربة هي عفوية الاداء وشبفراتيته المعنوية، فالزهور والقمر والجذور والملائكة والطيور، كلها، ومع بعضها تحيل إلى مغامرة اداء تجتاز المرئيات بنفس حس الرؤية. وتقيم مظاهرٍ تبتدى عن مظاهر اخرى مضمرة تتعلق بطغيان الاتصال الخيطي الرفيع بين مظهر الخطاب الشعري، ومضمر التركيب الجملي.
خاصية أخيرة أود اختتام المقال بها هي ((سردية القول الشعري)) لكلا الشاعرين حيث أن هذه الخاصية حفزت الكاتب أن يهيئ المساحة والظرف لكتابة المسرحية، وجعلته ينحاز – بلغته النثرية- إلى نصية لغة موازية ومتحررة، وإحالية تجعل الكتابة حالة تعبيرية حياتية للفرد والمجتمع وتدل على وقتية الحرب الاهلية لبلدي الشاعرين.. وقتية حتماً مثلما حتمية ورود النهار بعد الليل.
























