من حافة التاريخ.. حياة أمير اللواء الركن المتقاعد طاهر الزبيدي
18
سرية مدرعات تشترك بقمع تظاهرات بغداد عام 1948 – طارق النجار
بغداد
المقدمة
لا أود الخوض في حكاية مجردة لضابط عسكري عراقي أسهم في الكثير من انجازات الجيش العراقي وفي مختلف صنوفه ومراتبه، انما حدا بي الى هذه الحكاية التي انتبهت اليها، تلك الشخصية العسكرية الوطنية التي تركت اثراً في اديم العسكرية العراقية، وما ورد فيها من تفاصيل جعلتني أكثر قرباً من تاريخه العسكري تبوؤه عدة مناصب عسكرية تليق بالرجال. ليس لي احقية بهذا التاريخ غير سرده وأعانني فيه شخص ولده ” فيصل طاهر الزبيدي” الزميل السابق في العمل الوظيفي، وبالتحديد الخطوط الجوية العراقية، الذي زودني بمسوداته المبعثرة التي احسست بمشقـــة وعناء وجهد مضن في تناولها في ترتيبها وتدوينها وما لقيته من معاناة في تسلسلها الرقمي، بما تملكه من غزارة في المعلومات.
وكنت اؤدي فريضة الصلاة ايام الجمعة من كل اسبوع في جامع (كاكه احمد الشيخ) واتزاور مع كبار رجالات القوم مثل: اولاد الشيخ محمود، كالشيخ رؤوف والشيخ بابا علي والشيخ عبد اللطيف … وهكذا قضينا مدة لاتقل عن ستة اشهر ونصف الشهر في السليمانية بدون ان تصطدم، وبدون ان نرمي اطلاقة واحدة. واثناء هذه الفترة، علمت بوجود الملا مصطفى البارزاني في (الواحة) من الاراضي الايرانية المتاخمة لحدود قضاء (بنجوين) ومعه الشقي غازي محمد وانهما يرومان الشغب في المناطق الكردية العراقية . فركبت السيارة، وذهبت الى بنجوين واختليت بمعاون شرطة القضاء . وطلبت منه ان يهيء في احد الاهلين الذين لهم خبرة في هذه الواحة. فاحضر الشخص المطلوب. فكتبت رسالة الى الملا مصطفى. ذكرته فيها في معركة طريق دينارته، عندما تقابلت حربا انا واياه، كانت نتيجتها هروبه الى جبال بيرس عن طريقي – شكفته – كريشي، وكتبت له مهددا ان لم يترك المنطقة، ساقضي عليه وعلى صاحبه وهما في منطقة وجودهما في (الواحة الايرانية).
وارسلت رسالتي هذه الى الملا مصطفى بيد الشخص الاهلي. الذي حضره معاون مدير الشرطة . وبعد ان قرأ الملا مصطفى رسالتي ولي هاربا (تاركا) الواحة وقد اصطحب صاحبه غازي محمد وهما في طريقهما الى روسيا، وفي طريق انسحابهما قتل غازي محمد ونجا الملا مصطفى باعجوبته.
وقد عدت الى السليمانية، وفي احدى الليالي علمت بوجود بعض المشاغبين يجتمعون في غرفة واسعة انشئت في مقبرة السليمانية العامة وعلى خير احد الضباط والمتوفين يتخذون في اجتماعاتهم تلك بعض الامور الخاصة باخلال الامن .. وعند صباح اليوم الثاني لتلك الليلة، وبعد ان تفقدت تدريب وحدات حجفل اللواء الخامس عشر.
استصحبت الرئيس (النقيب) حبيب سعيد الفخري، ضابط استخبارات اللواء ممتطين خيولنا ووراءنا الجندي ماسك الخيل، وتوجهنا الى المقبرة، ونزلنا عن جيادنا وتمشينا الى شباك تلك الغرفة . فشاهدنا هناك علمين كرديين (كان الشيخ محمود حفيد زاده بعد ثورته الثانية قد شكل حكومة كردية ومن اعضائها كل من (توفيق وهبي، وماجد مصطفى. وثبت مع اعضاء حكومته – المنقرضة – نوع العلم لحكومته الكردية، فكان العلمان اللذان شاهدناهما: من نفس التصميم الذي اقرته حكومة الشيخ محمود تلك..) وقد من المقبرة الى المتصدقية مباشرة . وواجهت المتصرف السيد موسى كاظم وعرضنا عليه ما شاهدته. ورجوت منه احضار مدير شرطة السليمانية (عبد الجبار فهمي) لتتباحث معه في أمر هذين العلمين والاجتماعات التي تجرى في تلك الغرفة من المقبرة وكنت قد طلبت من ضابط الاستخبارات ان يجلس لدى مدير تحريرات اللواء . فأمر المتصرف باحضار مدير الشرطة. فاختلينا نحن الثلاثة (المتصرف ومدير الشرطة وانا) ففاتحت مدير الشرطة بقولي انك مدير الشرطة اللواء. وانك انت المسؤول عن الامن في منطقة لواء السليمانية، والمفروض فيك ان تلاحق الجناة اينما كانوا، وان من واجبك الاهتمام بمراقبة وتعقيب مثل هذه المحلات والاجتماعيات التي تعقد فيها وان ذلك لم يكن من واجبنا نحن العسكريين، فهذه غرفة اسست فوق قبر في مقبرة عامة. تتجمع فيها بعض العناصر الذين دأبوا على الشغب ويتخذون بعض القرارات وفي نفسها يوجد علمان كرديان.
إحضار فراش
فاجابني مدير الشرطة نافيا ذلك كله . فرجوت المتصرف ان يأمر باحضار الفراش، محضر الفراش وطلبت منه ان ينادي على ضباط استخبارات اللواء النقيب (حبيب) الجالس لدى مدير تحريرات اللواء وبعد ان جاء ضابط الاستخبارات امرته ان ياخذ معه مدير الشرطة ويكربه على حصاني ويركب هو الاخر على حصانة، ويذهبا الى الغرفة في المقبرة، وينزلا العلمين ويأتيابهما الى السيد متصرف اللواء.
فذهب وبعد برهة استغرقت حوالي النصف الساعة عادا وبحوزتهما العلمان المذكوران.
فنظرت الى مدير الشرطة شزرا وقلت له: انني ان لم اتاكد من الشيء فلا اذكره . وقد امتنع المشاغبون عن اجتماعاتهم في ذلك المحل الثاني وانتهى كل شيء بسلام والحمد لله.
واخيرا نقل السيد موسى شاكر كاظم متصرف لواء السليمانية الى وظيفة المفتشية، وتعيين في محله السيد حسن عبد الله الطالباني، متصرفا للواء. وقد قضيت مدة من الزمن مع حجفل لوائي الخامس عشر في السليمانية ستة اشهر ونصف شهر . وعدت وفق امر مديرية الحركات الى معسكر لوائي الدائم في الديوانية ولم يمض على وصولي الى الديوانية سوى اسبوع حتى صدر امر انتقال لوائي الخامس عشر الى البصرة ليكون مقرنا الدائم في معسكر منطقة الزبير والشعبية وقد وصلنا البصرة بالقطار. وبعد وصولي الى معسكر البصرة في الجبلية . راجعت المتصرفية من جهة والسلطات البريطانية العسكرية من جهة اخرى للحصول على المعسكرات التي ستقرر السلطات البريطانية العسكرية تسليمها لنا. فسلمتني هذه السلطة بعض معسكرات الجيش العراقي في الزبير. (كانت القوة البريطانية العسكرية قد استولت على هذا المعسكر في حركات مايس 1941) كان هذا المعسكر خاليا من الماء والكهرباء. وانه يحتاج الى كثير من الترميمات واكمال النواقص فيه.. فراجعت (الزعيم ساركن) الانكليزي الجنسية والذي كان يشغل منصب مفتش الشرطة للمنطقة الجنوبية . ورجوته ان يتصل بالسلطات البريطانية لاكمال نواقص المعسكر من جهة، ومن جهة ثانية كتبت الى وزارة الدفاع في هذا الشان .. وفي عصر احد الايام مرت مجموعة من الضباط البريطانيين فشاهدوا الخيل المربوطة في معسكرنا فتمنوا ركوب الخيل. وعندما اخبرني ضباطي بهذه الرغبة من قبل الضباط البريطانيين. (وكانت حاجتي لديهم في تكملة نواقص المعسكر) امرت امر الفوج بأن ينفذ رغبتهم ويسمح لهم بركوب الخيل . وقد تم لهم ما ارادوا.
وقد حل عيد الفطر المبارك. وزارني بهذه المناسبة قائد الجيش البريطاني في منطقة الشعيبة مهنئا، وقد قال لي بعد التهنئة: اشكرك جدا وانني اعد نفسي مدينا لك. وارجو ان اوفق لمقابلتك بشيء من جميلك هذا.. فاستغربت مبدئيا من قول القائد البريطاني الذي كان برتبة فريق، وسالته أي فضل تعنيه. واي جميل تقصده؟.. فقال وهو يخاطبني: انك قد رفهت عن ضباط قواتي المرابطة في منطقة الشعبية واعطيتهم الخيل فركبوها. وتفسحوا وهم عليها ركوباً فهذا هو فضلك وجميلك، فارجو ان تطلب مني ما شئت ضمن مقدوري، وانا على استعداد فوري لتلبية طلبك فبينت له حالة المعسكر الذي استلمته منهم وما فيه من نواقص، وعلى الاخص (الماء والكهرباء) فقال: سأرسل لك احد الضباط المهندسين وهو برتبة كبيرة ليكون تحت امرك في تنفيذ طلباتك في هذا الخصوص، وسيحضر لديك في الساعة التاسعة من اليوم الرابع لعيد الفطر واخرج دفتر مذكراته من جيبه وسجل فيه ذلك. فشكرته جدا . وقلت له: ارجو ان يكون الزعيم (ساركن)، همزة وصل بيننا لتنفيذ وتمشية طلباتنا لديكم فوافق. وودعته وانصرف.
وهكذا جاءني في اليوم الرابع من عيد الفطر المبارك وفي الساعة التاسعة ضابطا بريطانيا برتبة عقيد مهندس عارضا نفسه للخدمة بموجب اوامر عليا تتلقاها لاكمال نواقص المعسكر الذي تم اشغاله من قبلنا في معسكر الزبير وخاصة (الكهرباء والماء) وبعد الكشف وتقدير احتياجات المعسكر من مواد الكهرباء والماء. تركني ليجلب معه مايحتاجه المعسكر من هذه المواد . وفي اليوم الثاني، جاء هذا الضابط البريطاني النشط وبرفقته سيارة لوري تابعة للجيش البريطاني (مملوءة بالمواد الكهربائية) فقط، وباشر مع من اتى بهم من جنود الشغل بمد الاسلاك الكهربائية، وعواميدها، وغير ذلك من مواد كهربائية . وكلما تم عمل غرفة او قاعة اوصل الكهرباء اليها وانارها. وهكذا حتى اكمل تاسيساته واعماله الكهربائية لمعسكرنا بمدة لم تتجاوز الستة ايام.
مد أنابيب
ثم باشر بمد انابيب الماء (عند احتلال الانكليز لمعسكرنا في الزبير في حركات 1941 كانوا قد رفعوا انابيب الماء واستعملوها في منطقة اخرى من معسكرهم في الشعبية، وحرموا معسكرنا في الزبير من الماء). وفي الخنادق التي تم حفرها من قبلنا وبإرشادي حيث غيرت استقامة مجرى الماء السابق نظرا لقصر المسافة التي توخيتها. وبينما كنا منهمكين في تنظيم معسكرنا بعد ان تم لنا ما اردناه من تزويده بالماء والكهرباء او اذا بأمر نقلي يصدر الى امرية القوة الالية. وذلك بتاريخ 9/11/1946. وقبل ان اجلب اهلي من الديوانية الى البصرة. حيث لم اشغل فكري في التحري عن دار اؤجرها في البصرة لاعادة اسكانهم فيها، بل كان كل تفكيري منصبا على معسكر لوائي وسرعة اعداده للسكن بصورة تامة. وقد اتصل بي رئيس اركان الجيش العراقي الفريق الركن صالح صائب محمد الجبوري تلفونيا وطلب مني ان اترك قيادة اللواء الى اقدم ضابط واسافر لالتحلق بالقوة الآلية التي كانت قائمة بتطبيق تمارين تعبوية بيد منطقة بادوش) شمال الموصل ومدينة (الحضر الاثرية) لاقود القوة الآلية بتمارينها هذه التي اعدها واشرف على تطبيقها (الجنرال رنتن) مفتش الجيش العراقي آنذاك. والذي سبق ذكره في تمرين (شهرزاد) اللواء الخامس عشر. وفي نفس اليوم الذي كلمني فيه تلفونيا، وعند المساء ركبنا القطار الصاعد وتوجهت الى بغداد . وقد علمت ان القوة الآلية في ذلك اليوم كانت في منطقة مديرته الحضر الاثرية . فارسلت برقية لها عن طريق دائرة الاركان العامة، لكي ترسل القوة الآلية سيارة الى مدينة (بيجي) لاستقبالي، واخبرتهم ايضا انني قادم اليهم في الغطاء الصاعد الى الموصل في ذلك اليوم، فركبت القطار ووصلت ليلا مدينة (بيجي) فوجدت سيارة لاند اوفر عسكرية بسائقها واقفة في المحطة في انتظاري، فركبتها وتوجهت الى معسكر القوة الآلية الذي كان في جوار مدينة (الحضر).. فوصلت القوة المذكورة يقودها آمر الفوج الآلي الاول المقدم الركن عبدالله وكالة. حيث ان آمر القوة الآلية السابق العميد الركن نوري خيري كان قد انفك من قيادتها. بعد ان صدر امر نقله الى آمرية اللواء الخامس عشر . فتوليت قيادة التمارين للقوة الآلية مباشرة وحتى انتهائها. وكان الجنرال (رنتن) وزمرته يشرفون على تلك التمارين، وبعد الانتهاء منها (كاملة غير منقوصة) وصلنا الى معسكرنا . (معسكر القوة الآلية) في جلولاء وبصفني اقدم ضابط في المعسكر اصبحت والحالة هذه امرا لمعسكر جلولاء علاوة على وظيفتي الاساسية آمرية القوة الآلية.
إنارة المعسكر
ان واجبي كآمر للمعسكر يتطلب الاهتمام الى حد بعيد براحة منتسبي المعسكر من جميع الوجوه، وحيث ان المعسكر لم يكن مزودا بالكهرباء، كان اول عمل قمت به هو السعي لانارة المعسكر بالكهرباء، فسعيت وتثبيت حتى توقفت فنصبت المكائن الكهربائية وتثبيت عواميدها ومدت اسلاكها وتم وضع جميع مقتضيات التنوير فتم لنا ما اردناه . وبموازرة رئاسة اركان الجيش ووزارة الدفاع. واصبح المعسكر بثكناته ودور سكن عوائل منتسبية وطرقه العامة منارا بالتيار الكهربائي.. ثم التعنت الى مشروع الماء الذي كان يكاد لايكفي للشرب بالاضافة الى الطبخ والغسل وسقي الحدائق، فوسعنا احواض الترسيب وزدنا في خزانات الماء والخلاصة لقد تم التوسع في هذا المشروع (الماء) الى درجة ان اصبح يفيض عن حاجته المعسكر.. واصبح تدريب وحدات الجيش على قدم وساق . وفي تاريخ 2/11/1947 ترفعت الى رتبة زعيم (عميد).
وبعد ذلك طافت بعض المظاهرات في مدينة بغداد فامرت ان ارسل سرية مدرعات من كتيبة مدرعات خالد التي هي من تشكيلات القوة الآلية. الى بغداد لتشترك في قمع المظاهرات فوقع اختياري على الرئيس (النقيب) طاهر يحيى (الذي اصبح رئيسا لوزراء العراق فيما بعد) فاصدرت امرا الى امر كتيبة في حركة السرية المذكورة وقبل ان تتحرك السرية. طلبت حضور آمرها النقيب طاهر يحيى في مقري على الانفراد وافهمته ان يعسكر في بغداد الجديدة وان لايدخل بغداد وان يتجنب الرمي الى حد يعيد مهما كلفة الامر . فذهبت السرية وعادت بدون ان تطلق طلقة واحدة وانتهى كل شيء يحكمه وسلام.
قل لن يصيبنا الا ماكتب الله لنا
صدق الله العظيم
























