سرقات القدر تتجلى في موت ريغان – ليث الصندوق

كتاب الحياة وقصص أخرى  2-2

سرقات القدر تتجلى في موت ريغان – ليث الصندوق

وعوداً إلى قصة الأرث ، لا بأس من الاستعانة بالتأويل لتقدير عمق هاوية الخطر التي تجاوزها النص ، فالميراث هو العقيدة الواحدة كما تجلت في عهد الجد الأول إبراهيم ، وقد تمّ التعبير عنها بأوراق الميراث  القديمة جداً ، والمكتوبة بلغات متعددة ، بعضها منقرض لا يمكن فهمه ، وبعضها الآخر غير واضح الحروف ، أو جملها مرتبكة . ص / 55  وهذا العسر في فك طلاسم الأوراق وفهم مضامينها هو الذي فرّق الآباء والأجداد وباعد بينهم ودفعهم للاحتراب . بيد أن الأخوة / الورثة الثلاثة اكتشفوا بعد تدقيقهم الأوراق المبهمة ومقارنتها ببعضها  أنّ المعاني في أوراقها متشابهة  وهذا يفترض أن الخلاف  على الميراث قد تمّ حسمه ، ولكن بالرغم من تشابه الوثائق الذي يعني الإتفاق بين الجميع على تشابه البنى العقائدية الأساسية ، إلا أن الخلاف قد استمرّ ، أو حصل اللغط في تفسير النص الواحد .    ولعل الإرتباك أو تداخل الأوراق كان مقصوداً من قبل الورثة الأوائل / الأجداد  بعد معركة على أرث أبيهم ، أو جدّ العائلة الأول بعد وفاته ، قبل أن تتشتت عائلته ، وتتوزع في أصقاع الأرض . ص / 59  وبذلك صار الأولاد والأحفاد  يلتقون على شكل جماعات ، ورثت ذلك العداء القديم في أيام اختاروها لكي يتجنبوا التصادم ، فمنهم من اختار يوم السبت من كلّ أسبوع ، ومنهم من اختار الأحد ، فيما فضّل الآخرون أن يكون لقاؤهم يوم الجمعة . ص / 59  ومن الواضح أن ما يرمي إليه الكاتب من وراء تلك اللغة المجازية يتعدى تعرية المحددات الدينية ويتجاوزها إلى إدانة كل أشكال الإصطفافات الموروثة التي تشطر مجتمعاتنا ، وتُعيق تطورها ، وتوصمها بالتطرف والانغلاق بما يمنع اي احتمال لتواصل الورثة الثلاثة فيما بينهم  . وفي المجموعة القصصية أكثر من إشارة جريئة لهذه التعرية وتلك الإدانة ، كما فيها أكثر من إشارة داعية للانفتاح والتسامح .

ترصد قصة  المؤرخ  المراحل الأولى لولادة ثورة ما ، في مكان ما ، في زمن ما ، ضد حاكم ما . وقد بدت القصة مبتورة زمنياً ، فهي قد بدأت من لحظة ما من الحاضر ولم تتوغل في مرحلة ما قبل الثورة بحثاً عن الأسباب المتراكمة التي دفعت إليها ، واكتفت بسبب آنيّ واحد ، مما أضفى على القصة طابع الإجتزاء والغمط ، فليس من المنطقي أن يدفع إلى الثورة  أية ثورة  سبب واحد – حتى ولو على سبيل المجاز – مهما كان ذلك السبب وجيهاً .

وعلى هامش الثورة ثمة مؤرخ شارك في الثورة راصداً ومدوناً من دون أن يشارك فيها مشاركة فعلية ، والقاريء ينساق وراء هذا الإفتراض متطلعاً لمعرفة رأي المؤرخ في سيرورة التغيير ، إلا أن التجليات الأولى للثورة والتراصف الذي فرضته لم يمرّ عبر منظاره ، بل عبر منظار الراوي الذي – وتلك مفارقة لافتة – هو راوٍ مفارق . فبالرغم من مفارقته الأحداث استحوذ من المؤرخ على دوره ، وعلى وظيفته ، ومن ثمّ عزله في ثلاثة معازل :

–           ألعنوان

–           الإستهلال

–           الخاتمة

بينما بسط الراوي خارج هذه المعازل سلطة غيابه ليُبئّر المشهد الثوري بضمير الغائب ، وليُميت المؤرخ في معزل الختام مخلفاً مسودتي كتابين عن مرحلتين زمنيتين بائدتين ، وأملاً بكتاب ثالث مات قبل أن يتحقق . وفي غمرة تلك الرؤية غير المنصفة للثورة ودافعها غير المقنع في واحديته تتلامح نماذج من راكبي الموجة الذين لا نجتريء عليهم حين نسميهم بالانتهازيين أو بلصوص الثورات ، والذين تلقفوا أخبارها من وسائل الإعلام فاندفعوا يشاركون فيها كممثلي النقابات والمنظمات والأحزاب  العلنية والسرية  الذين يستمتعون بقطف الثمرة الناضجة ويتلذذون بها ، والذين كان بمقدورهم – لو عزموا – أن يُفجروا ثورتهم الخاصة ، ويتحملوا تبعات نجاحها أو فشلها ، قبل اندلاع ثورة الجماهير المستقلة عن التسييس . وكذلك أفرزت القصة نماذج من المنتفعين الذين لا يقلون في انتهازيتهم عن سابقيهم ، وهؤلاء الأخيرين هم الذين يؤيدون كلّ منتصر ويذمون كلّ منكسر بحيادية لا تُميّز بين الأبيض والأسود ، مثل الخطاطين وأصحاب محال الطباعة والإعلانات .

قصة كتاب

وتقدم قصة  كتاب الحياة  في طبقتها الباطنية قراءة يمكن أن تندرج ضمن الرؤية الغيرية التي أنتجت قصة ا الأرث  . فكتاب الحياة هو كتاب فلسفي استعاره الراوي / المشارك من أحد أصدقائه لعله يجد فيه إجابات لبعض المعضلات الفكرية ، ولبعض أسئلة الحياة والوجود التي تؤرقه ، ولكنه بدل حصوله على الإجابات المتوقعة حصل على المزيد من االأسئلة المحيّرة ، وبذلك اشتبكت وتداخلت عليه الأمور ولم يعد يعرف ما أخذه من الكتاب ، وما أخذه الكتاب منه ، أو كما يقول  ألشيء الذي لم أتيقن منه أني قرأت الكتاب ، على الرغم من أنني ، وطيلة الأيام الماضية ، حتى بعد منتصف ليلتي الفائتة كنت أقرأ ، وأعيد ما قرأت أكثر من مرّة ، من دون أن أفهم شيئاً . ص / 34  ولعل ما ورد في المقبوس لا ينطبق على الكتاب الفلسفي فحسب ، بل ينطبق على القصة ذاتها ، فهي من أعقد قصص المجموعة ، وأكثرها إرباكاً وارتباكاً ، فهي أشبه بكابوس استجلبه الكتاب الفلسفي إلى حياة الراوي ، فصار بعد قراءته يعيش عُقدَ معضلاته ، وتجليات رموزه . ومع ذلك فثمة رابط رمزي يشدّ هذه القصة إلى قصة  الإرث  بشكل يكشف من خلاله الكاتب عن شاغل فلسفي إنساني يثير إنتباهه ، بل ويُقلقه إلى الحد الذي لا يتورع معه أن يعرض بطريقته المجازية رؤيته النقدية الجريئة والمتحدية لهيمنة الأحادية العقائدية مهما كان شكلها وطبيعتها . ويتجلى الرابط ما بين القصتين بالعلاقة ما بين الورثة الثلاثة ، أو العلاقة ما بين أبناء العقائد الإبراهيمية ، إذ تعكس قصة  كتاب الحياة  تلك العلاقة من خلال رؤية رجال الدين للحياة الأخرى ما بعد الموت بشكل لا يخلو من موقف إنتقادي غير مباشر من خلال إعفائهم لأتباع دياناتهم المخطئين من العقوبات الأخروية الأبدية ، وتشديدها على أتباع الديانات الأخرى .

وفي مواجهة هذه الصورة الكابوسية للحياة تتجلى صورتها الأخرى أكثر واقعية وشفافية معاً ، ولكنها أكثر مأساوية أيضاً في قصة  العظماء يرحلون بصمت .. أحياناً  وتبدو مفردة التحيين في العنونة إشكالية وتحتاج إلى مقاربة دلالية لا أجد أن مكانها مناسب هنا لاسيما أن تثبيتها قد يضع بطل القصة  أبو أيوب  في أحدى كفتي ميزان طبقي مختل في مواجهة عظماء أدعياء  ، ومع ذلك فأنها لم تُحيّد موقفي الإنساني المتعاطف مع البطل ، ولا موقفي النقدي من القصة التي أرى أنها ربما هي الأجدر بعنونة المجموعة من قصة  كتاب الحياة  ، فهي ليست كتاب الحياة النظري المتعالي ، بل هي كتاب الحياة في نموذجها التطبيقي المعاش لأبي أيوب ، والكنية دالة بذاتها أو بموروثها الراسخ في الذاكرة الجمعية ، وليست بمن أطلقت  عليه ، فالرجل لم يخلف ذرية ، وقد ماتت زوجه الشابة وهي عاقر ، وقد اختزل في شخصيته ، وفي حياته شخصيات وحيوات أجيال من العراقيين الذين ضيّعهم التهميش ، وسحقهم الفقر ، وأماتهم الجحود كمداً . إنه مدرسة عراقية من مدارس الحياة ، وتلك التسمية هي التوصيف الأدق لحياة الرجل ومدرسته كما تحلو له تسميتها عندما يُسأل عن تحصيله الدراسي  … أنا تعلمت من مدرسة الحياة . ص / 68  أو هي قراءة لحياته وحياة الآخرين أيضاً بحسب ما يقول الراوي معبراً عن رغبات الرجل التي لم يصرّح بها الرجل بلسانه ، بل قالته عنه سيرته  كان يريد القول أنه كان ضحية لعبة كبيرة ، لعبة اكتشف هو الشيء الكثير من تفاصيلها عندما تعلم ، وصار يُعيد قراءة حياته ، وحياة الآخرين . ص / 74  .

مهمة الراوي

ومهمة الراوي المشارك في هذه القصة ان يتخذ من شخصة أبي أيوب مرآة يعكس من خلالها ملامح شخصيته هو ، وحسب هذه الرؤية ينبغي أن يتبوّأ الراوي صدارة المشهد السردي ، ويتولى تحريك الأحداث من موقع البطولة ، بينما يتوارى أبو أيوب في ظل الراوي ، ويستمدّ فعالية دوره منه . ولكن التعاقب السببي للأحداث جرى في غير هذا الإتجاه ، وانجلى عن مشهد مغاير تحولت فيه البطولة إلى المرآة ، بينما تراجع الراوي ليؤدي دوراً ثانوياً مكملاً .

وفي هذه القصة لا يجد الكاتب مسوغاً للتواري خلف رموزه ، فالصوت الأيدلوجي أكثر خفوتاً ، والرسالة لا تتجرّد من تفاصيلها الوصفية ولوازمها الشكلية من أجل إبلاغ مضمونها إلى الآخر . وبالرغم من انتماء القصة إلى الواقع العراقي وتوسلها بألفته وحميميته ، وبمأساويته أيضاً ، إلا أنها لا تخلو من آصرة تربطها مع سابقاتها من القصص التي اتخذت من أشكال السرقة المختلفة مفاتيح رمزية لتوصيل رسالتها الأيدلوجية . مع فارق أن السرقة في القصص السابقة قد وردت في إطار رسائل أيدلوجية ، إلا أنها في قصة  العظماء يموتون بصمت أحياناً  قد وردت في إطار غيبيّ مثقل برسائل إجتماعية مؤثرة . فليست الأيدلوجيا وحدها هي الأم الولود المنجبة للصوص ، بل الحياة أيضاً تتولى هذا الدور بعد أن تضفي عليه شيئاً من التمويه ، وبعد أن تعيد استبدال الدوال بمدلولات أخرى . فالفقدان في هذه القصة هو الوجه الآخر للسرقة . أنه سرقة ليس لأصحاب الأيادي الممغنطة مصلحة فيها ، ولا منفعة منها ، فالسارق غير مرئيّ ولا يصلح للترميز ، أو التخفي وراء مجازات اللغة لأنه أكبر من الإثنين ، أنه القدر اللص الذي يبزّ بمسروقاته لصوص الثياب والثقافة والمسابح والمواريث والثورات ، لأنه ببساطة لصّ الأرواح . ولهذا اللص اليد الباطشة الطولى في هذه القصة .

ولكن ثمة فقدان من نوع آخر لا يقلّ فداحة عما يرتكبه لصّ الأرواح هذا ، أنه فقدان الأحبة الجاحدين الذين ما إن يشبوا عن الطوق حتى يتركوا – من دون وداع أو سؤال – من تكفلهم صغاراً بالرعاية والحنان . ولكن المشكلة هي في اختلال ميزان التشبيه ، فإذا كنا قد شبهنا القدرَ بلصّ الأرواح ، فهل نصيب بإطلاق ذات الصفة على الجحود ؟ لا سيما أن كلا الإثنين  الموت والجحود  لهما ذات القدرة على  سرقة الإنسان من إنسان  كما يقول الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي .

وفي معادلة الجحود والنكران الملتبسة بأطرافها الثلاثة  السارق / المسروق / السرقة  أين نضع أخوات أبي أيوب الثلاث الكبريات اللواتي انفصلن عنه بعد زواجهنّ ؟ وأين نضع أخاه الأصغر سعد ، وأخته الصغرى نهاية اللذين انفصلا عنه ، وهربا إلى خارج البلاد بعد أن أفنى شبابه في تربيتهما يتيمين ؟

سرقات القدر

وبصورة عامة تتجلى سرقات القدر في القصة ب :

–           موت الرئيس الأمريكي رونالد ريغن ، وهذا الحدث البعيد عن فضاء القصة وأحداثها هو الأساس الذي بنى عليه الراوي قصته في صيغة مفارقة مركبة ما بين شخصيتين وحياتين وميتتين . لقد تزامنت ميتة الرئيس الأمريكي مع ميتة العراقي المعدم أبي أيوب ، وتلك إشارة إلى تساوي الجميع في ذات المصير .

إلا أن التشييع المتواضع للثاني الذي تم على عجل بوضع الجنازة على سيارة صغيرة ، في مقابل الجنازة المهيبة للأول التي نقلت مراسيمها تلفزيونياً من خلال نشرات الأخبار هو إحدى صور الفارق الشاسع ما بين عالمين ، عالم يعيش في المتن ، وآخر على الهامش .

–           موت أبي أيوب / الشخصية المحورية التي رافقت القاريء بدءاً من العنونة في صيغة إحالة وصفية جماعية تختزلها مفردة ألعظماء . وبموت أبي أيوب تكون القصة قد ابتدأت من الخلف ، ومن ثم لتنتهي من حيثما ابتدأت ، أي أن الموت الذي ابتدأت به القصة ستنتهي به أيضاً . وبالموت الإبتدائي تتحول القصة إلى مونولوج استرجاعي ، يستعيد عبره الراوي / المشارك تراجيديا حياة أبي أيوب ، بيد أنه مونولوج متقطع زمنياً إلى محطات يتنقل الراوي عبرها صعوداً إلى الحاضر ونزولاً إلى الماضي .

–           موت والد أبي أيوب في حادث سير .

–           موت الأم بالتدرن الرئوي

–           موت سلوى زوج أبي أيوب العاقر بوصفة إنجاب فاسدة

ومن الملاحظ أن هناك حالة شبيهة بالاستدعاء الذاتي في الميتتين الأوليتين ، فاستدعاء الأولى أوجب استدعاء الثانية ، وكأن كل منهمل انعكاس للأخرى ، فتزامنهما معاً أتاح للراوي إجراء مقارنة عفوية لم يصرّح بنتائجها بوضوح بالرغم من أن النتائج مقدرة مسبقاً من خلال عاطفية التعبير عن موقفه تجاه الشخصين ، وتجاه الميتتين . فقد حيّد موقفه تجاه الرئيس الأمريكي ، وهذا الحياد انسحب على موقفه تجاه ميتته  لم أشعر بالحزن ، فأمر الرجل لا يعنيني . ص / 61  .

ولعل أسباب الحياد بحساب الراوي طبقية بالدرجة الأولى ، يتجلى ذلك في تقديمه صورة للرجل عن طفولته المترفة ، ويقارنها بطفولته هو  … وهذا يُخالف صورة الفقر المستقرة في ذهني ، أنا القرويّ الذي لم تعرف قدماي الحذاء إلا بعد أن فرضته عليّ إدارة المدرسة . ص / 62  . وفي مواجهة هذا التحييد الطبقي للأول كانت القصة بكاملها خطاب تعاطف مع الثاني الذي يتماهى معه الراوي طبقياً .

وباستثناء الميتة الأولى ، فالميتات الأربع الأخريات  ميتة أبي أيوب + ميتة أبيه + ميتة أمه + ميتة زوجه  أشبه بموتيفات متعاقبات ، أو لوازم تتكرر إيقاعياً مع كل مقطع حياتي / مرحلة من حياة أبي أيوب :

–           في طفولته – مات الأب

–           في فتوته – ماتت الأم

–           في شبابه – ماتت الزوجة

–           في قمة عزلته وعوزه – مات هو

ومن الملاحظ في كل هذه الموتيفات أو اللوازم أن العنصر الأساسي الثابت هو الموت كحقيقة ، بينما العناصر الثانوية المتغيرة فهي الأسماء وصور الموت .

 {  كتاب الحياة وقصص أخرى – عبد الأمير المجر – الإتحــــــــــــاد العام للأدباء والكتاب في العراق – بغداد – 2018