سرد لحظات لا تباع ولا تُشترى أو الثنائي الغريب

سرد لحظات لا تباع ولا تُشترى أو الثنائي الغريب

مؤيد جواد الطلال

حاولت أن أستنجد بأوراقي لتذكر آخر لقاء لي مع ( شقراء جرمانا )، حين عزمتها هي وزوجها على وجبة غداء في  المرجه ، وكانا يومئذ قد أقلعا عن عملهما التقليدي وانشغلا في عملية نقل البضائع من سورية إلى لبنان، ولم يكن لهما سكن محدد.

      لا أدري، سيدتي الجميلة الرشيقة ذات الأنف الاعجازي التكوين، فيما لو كنت قد كتبت لك عن تلك الحادثة أم أنها مرت مرور الكرام كما يقال؛ وذلك لكثرة انشغالاتي ؟ غير أن التماس الجسدي المباشر معها اليوم كان قد أعاد لي ذكرى ذلك الغداء .. أعاد لي تلك الظهيرة الشتوية المشمسة حين تشهيّت وجهها الذي نحف واسمرّ، كما لو أنه استطال، جراء النحافة وإرهاق السفرات المتعددة ما بين سورية ولبنان وراء لقمة العيش، أو ربما من أجل أهداف لا أدركها؛ فكما اتفقنا من قبل فإن الإنسان مثل جبل الجليد العائم وأكثر: المخفي منه أعظم من الظاهر !

          اليوم كنت أحاول استعادة ذكرى ذلك الوجه الذي اشتهيته، اشتهيت أن آخذه بين يديّ وأقبله، خاصة عندما قام زوجها ليغسل يديّه ففاجأتني بالسؤال:

–  أما زلت تكتب عني باعتباري (( شقراء جرمانا )) ؟؟ أما زلت تحتفظ بتلك الأوراق ؟!

كانت الأوراق قد أقفلت عند التجربة الثانية عشرة، في الحادي عشر من مايو في العام السابق، عند رقم الدزينة، الرقم الذي تعاملت معه طويلاً في سنوات عمري الضائعة حين كنت تاجراً في سوق الجملة. أقفلتُ الأوراق ورَحلّتها، إن لم أقل هرَبتها، مع معظم أوراقي المهمة إلى العراق خلال السفرتين الماضيتين (السادسة والسابعة ) بعد كارثة تموز 2012 وترك بيت << غربة حجيره >> .. حين أصبحت مثل السوريين المهجرين من أحيائهم: من << حجيرة >> إلى {{ بهمن }}، أو خلف مقام السيدة زينب.

ربما كان الاسم الرسمي لسكني البديل هو الروضة، ولكن شتان ما بين منطقة الروضة في قلب دمشق وبين هذه المزبلة ؟! .. وعلى أي حال فقد مرّ أكثر من عام على تلك الأوراق، التي أصبحت قديمة، واستقرت في العراق، وبتنا اليوم في تجربة جديدة.

          صحيح أنني وصلت قريباً من سكنها الجديد قبل فترة زمنية، لكني لم أحقق معها التجربة. كانت هي المرة الأولى التي لمست عندهما مراوغة العاهر والقواد، غير أني تمسكت بشعرة معاوية ولم أقطع علاقتي معهما بعدما اعتذرا لي وأعربا عن أسفهما؛ إذ أنّ ثمة شيئاً استثنائياً، أو غير طبيعي، يشدني إلى هذا الثنائي. ربما كان الصدق والأمانة، أو الشعور بالأمان معهما، وعدم الخوف منهما، بعد دزينة تجارب، أو بعد مرور سنتين على معرفتهما منذ أن هجرت << غربة حجيره >> واتجهت إلى ( جرمانا ) في ذلك الصيف الكارثي !

          ربما كان هذا الأمر من مجموعة الأسباب التي جعلتني على تواصل مستمر معهما، وتقبل اعتذارهما، ومعاملتهما معاملة خاصة تختلف عن بائعة هوى وقوّاد.

           ربما إنّ أعماقي تبحث عن سرّ هذه العلاقة الزوجية الغريبة، واستمرارها كل هذه الفترة الطويلة، بل ووجود ثمرة في بطنها حين أعلنت لي أمام زوجها أنها في شهرها الأخير، وأنها تحمل (( بنوته )) .. وبقدر ما هي مسرورة، وسعيدة، فإنّ زوجها يأكله الهمّ وجسده ينحل؛ بل تبدو عليه إمارات المرض، وحين سألته عن السبب أشار إلى دماغه وقال: همّ التفكير !

          بماذا يفكر ؟!  زوج قواد، غير أن مجمل سلوكه حسن: لم يسرق مني شيئاً حين كنت أتعمد أن أترك قربه أشياء بسيطة في شقة حي // الحمصي // بجرمانا، وأنا أجر زوجته إلى فراش المتعة في الغرفة الثانية. لم يكن دنيء النفس حين أقدم له الطعام أو الفاكهة أو الكرزات  ( المُكسرات ). لم يطلب يوماً زيادة في الأجر أو هدية، وإن كنت قد أهديته يوماً قنينة عطر كنت قد جلبتها من بغداد، ورأيت في أعماق نفسي أن لا تكون حصة الأسد من هدايا بغداد لغرام وحدها .. إنه الإحساس الداخلي في ضرورة أن تسود العدالة، ولو في الأشياء البسيطة التي نقدر عليها، حتى وإن كنت قد يئست من وجود عدالة حتى في السماء أو في أي عالم آخر، تعبت البشرية في رسم وتزويق صور ذلك العالم الآخر الجميلة ترضيّة لمشاعرها الداخلية في أن لا يكون كل شيء عدماً بعد الدخول إلى مملكة التراب، وأملاً في أن تقتص لها العدالة العليا من ظالميها، أو أن تعيش حياة أخرى أقل شقاءً من الحياة الدنيا على أقل تقدير !

          إنه رجل غريب الأطوار: يتكلم بميزان، وبأدب جمّ. يرحب ويودع بما يشبه الامتنان. لابد أن وضع هذا الثنائي يطرح في أعماقي مسألة منظومة القيّم والأخلاق ونسبية هذه المنظومة، يطرح هذه المسألة بقوة وعمق شديدين … وهي التجربة الثانية الصادمة في حياتي بعد أن كنت قد عاشرت لبنانية عملت معي في سبعينيات القرن الماضي في إحدى المرافق الحكومية ذات الطابع الصحفي والثقافي المشترك، وإن كان قد جيء بها هرباً من نار الحرب الأهلية اللبنانية يوم ذاك باعتبارها محظيّة مقربة لأحد متنفذي المجتمع السياسي اللبناني على الرغم من أنها ليست خبيرة في المرفق الذي وضعت فيه لتستلم راتبها المعتاد .. لابد أن تلك الشابة الرائعة تذكرني بهذا الرجل الشاب غريب الأطوار !

          لابد أن وضع هذا الثنائي، وتلك اللبنانية – كنماذج بشرية – يطرحون في أعماقي مسألة (( منظومة القيم والأخلاق )) ونسبية هذه المنظومة، وذلك مقارنة بما عرفته من نماذج بشرية لبست العباءة الدينية وما يرافق هذه العباءة من منظومة أخرى مغايرة من القيم والأعراف والأخلاق التي تبدو في الظاهر لا غبار عليها، وتسترت بها، ولكنها مررت من تحت تلك الستائر السوداء ألوان الموبقات التي يعجز القلم عن التعبير عنها، ويتعرق المرء خجلاً حتى في لحظة تذكرها، لاسيما وأنها تمس خيط رابط الدم الذي من المفترض أن يكون مقدساً مثله مثل صفة الوفاء أو استحقاقات العِشرة الطويلة أو صفة التفاني ونكران الذات .. وما إلى ذلك من جوهر الأخلاق والقيّم الحقيقية، وليست طهارة الأعضاء التناسلية حسب ( ؟؟ ! ).

          لابد أن في الأمر ثمة سرّ يستحق البحث عنه. أمر غامض، مُلتبس، لا تشجعني الظروف القائمة في البلد على استكناه خفاياه وتتبع أسراره .. البحث الذي يقتضي مني، على أقل تقدير، البقاء في بيتهما أطول فترة ممكنة – كقضاء ليلة ساهرة ممتعة لحسابي الخاص – أو دعوتهما كرة أخرى على غداء أو سهرة في مطاعم الدرجة الأولى بباب توما مثلاً، أو أي مكان آخر. أي شيء من هذا القبيل .. لكني في نهاية المطاف قد أصل إلى نتيجة معقولة، على الرغم من أن علاقتهما مريبة وشائكة وملتبسة أشد الالتباس؛ ذلك لأني أشعر أحياناً أنها لا تريده، أو أنه لا يعني لها شيئاً، خاصة حين تكون بين ذراعيّ خَدرة وذائبة كما لو أنها فاقدة للوعي، أو في عالمٍ آخر .. عالم لا ينتمي لزوجها بأي شكل من الأشكال، أو كما لو أنهما على خلاف جنسي مُستحكم: إنها قطعة من نار ملتهبة، وهو ربما قُدّ من قالب ثلج مناقض !

          لابد أن عثرات اللسان تُعبّر وتعني أموراً وأشياءً تتجاوز ما هو ظاهر، إلى ما هو مخفي ومُقّنع، وتصل أحياناً إلى ما وراء منطق الأمور والأشياء المعروفة أو التي نراها رؤية العين المجردة .. لابد إنّ أعماقها لا تريده حين تقول ما معناه بما يشبه التساؤل الاستغرابي:   (( يا ترى لِمَ أنّ الحرام أطيب من الحلال ؟! ))؛ ولذا فإنها تستميت أيضاً من أجل الحصول على لذتها – ولأكثر من مرة – كما لو أنها في تلك الدقائق المثيرة الرهيبة تنسى أنها زوجة في بطنها ثمرة حبهما كما تدعي، أو حتى مجرد أنها امرأة تهب جسدها من أجل الحصول على المال. إذ أن التعطش الجنسي شبقي الطابع، وعدم الاكتفاء بزوجها، أمر أساس في اختلال العلاقة بينهما. وربما تكون الحاجة المالية ( الحاجة إلى المادة ) هي البرقع والقناع لصنع ستار يغلف مثل هذا الاتفاق !

          لكل هذه الأمور أحسست اليوم بأنها تشبثت بي واستخدمت أصابعها في عملية استمناء واضحة بعد أن أدركت أنني قذفت سريعاً، وبللت جسدها، وأن لا جدوى من إعادة انتصاب ذكورتي (( مثل عصا )) على حدّ تعبيرها، فراحت تتوسلني في البقاء فوق جسدها ومنحها الشعور بأنها تحت رجل ذكر، هامسة بما يشبه طلب الرحمة / الاسترحام لأن أصبر، وأعطيها البعض من وقتي ..

.. وعلى الرغم من ضعف طاقتي، والهمود الجسدي الذي يعقب عملية القذف، فإني كنت أجبر نفسي على الصبر، وأعاملها كامرأة عزيزة على قلبي، حتى جاءت اللحظة التي علا فيها صراخها باللهجة الشعبية (( إيجه .. إيجه .. إيجه ظهري ))، قاصدة أنها بلغت لحظة ذروة النشوة، أو القذف الداخلي، الذي كانت خلايا جسدها تحتاجه بكل حرارة وإلحاح؛ لأنها كانت قد قالت أمام زوجها – حين قمنا إلى فراش سرير الزوجية – بأن عليّ أن (( أونسها ))، أمتعها وأعوضها اليوم عن الفترة الطويلة التي غبت بها عنها. وحين انفردنا عاتبتني بصراحة على هذا الغياب، وحين انتهينا قالت: (( أمانة، أن لا يطول غيابي عنها )).

– على رسلك، على مهلك. ربما تكون مشاعرك هذه مجرد أوهام، أضغاث أحلام، أو تهيؤات لا أساس لها من الواقع، أو تمثيلية تقوم بها امرأة من اللائي كيدهن عظيم .. وكل ما في الأمر هو موضوع مادي محض: بيع وشراء. امرأة تبيع الهوى بموافقة زوجها الذي يبدو إما أن يكون عاجزاً عن إطفاء نار حاجتها في الفراش، أو غير قادر على إعالتها، أو ربما مُصاب بمرض نفسي ليس إلا .. ومن يدري فربما كُنتَ أنتَ عليل النفس أيضاً وتتقبل حالة شاذة واستثنائية، متماهياً معها ؟!

          آه يا سيدتي الرشيقة، الحادة الذكاء، شقيقة ( الفاتنة ) ربة التأويل والتفسير كما يحلو لي أن أداعبها وأمازحها أحياناً. كل كلامك وتساؤلاتك التشكيكية وردت على ذهني حتى قبل أن أبدأ بكتابة سطور رسالتي هذه إليك.

          ما يتعلق بالمال، بالدرجة الأولى، هو أمر لا ريب فيه وغير قابل للشك أو المناقشة، فالمادية ليست تاريخية وحسب كما يرى ماركس وأنصاره، بل هي حاضرة في التعاملات الراهنة أيضاً. متداخلة بين الزوج وزوجته، وبين الولد وأبيه، بقدر ما تحطم في أغلب الأحيان الصداقات وصلات القربى، وتتسبب في تكدس ملفات وأضابير ممتلئة بغبار الزمن فوق رفوف وبين أدراج كل محكمة في أي بقعة، مهما صغرت، في هذا الكوكب.

          أما بالنسبة لمرض الزوج الشقي، ودوافعه النفسية – إذا ما نحينا جانباً الدوافع المالية البحتة – فهذا ما لا أعرفه بعد، وهو ما أسعى للوصول إلى جوهره؛ لكني أعترف لكِ بأن دمائي تفور وتغلي ، وأشعر بمتعة لا حدود لها، حين أسحب اليد الطرية الشهية لغرام، أو حين تجرني هي أمام زوجها إلى فراش المتعة، بل إنني تجرأت وتماديت مرة ورحت أقبلها وأحتضنها بوجود زوجها في ما يسمى بصالة الجلوس ( الهول )، وأنا أشتعل شبقاً وشهوة بقدر ما أريد الوصول إلى حقيقة مشاعره في موقف كهذا؛ فأشار عليّ أن نذهب إلى الغرفة الثانية حيث فراش وسرير الزوجية العتيد !

.. هل تسمين هذا الأمر شذوذاً نفسياً أم هو مجرد فضول داخلي وتوق للمعرفة، أم أن الأمرين يتلازمان ويترابطان في وحدة غريبة الأطوار والأجواء ؟! ألم أقل لك إن المخفي من جوهر وروح الإنسان أعظم من الجزء المغمور بالماء عند رؤية جبل الجليد العائم ؟

حسن، أما خبرتي في النساء – بما فيهن اللائي وصفتيهن بالسوء – فهي كبيرة وكثيرة .. ولابد أن كل رجل خاض تجارب مع النساء، في الحلال وفي الحرام، يستطيع التمييز بين التمثيل والواقع. فهل سخونة جسدها وارتفاع درجة حرارته وزوغان عينيها وعض شفتها ويدها، وأحياناً لطم وجهها حين تفقد جزء من وعيها، خاصة حين تخضع كلية لقوة الإيلاج  الذكري في مركز أنوثتها، هي مشاهد مسرحية كما تعتقدين ؟؟

          لا. لا أظن أن تلك اللحظات يمكن التمثيل فيها، أو إعطاء انطباع كاذب وخادع .. لحظات لا تُباع ولا تُشترى. وعندي أن مثل هذه اللحظات لا تقدر بثمن يا سيدتي؛ لأني أرى فيها سرّ الوجود والكون والإبداع والخلق .. أرى فيها الحياة في لحظة انسجام لا مثيل لها. لحظة يعجز قلمي عن وصفها لك، أو التعبير عن أهميتها وضرورتها لاستمرار الحياة.

– وماذا تسمي تجاربك الجنسية في العراق ؟! ثم أين نحن اليوم من غرامياتك و [ داعش ] تعيث فساداً في العراق ؟؟

وقبل أن أحدثك عن الشطر الأول من سؤالك، أقول لك: إن فساد [ داعش ] أصاب مني مقتلاً، هنا أولاً، وأعلم أن سرطانه الخبيث سيمتد لأكثر من مكان في الشرق، ويضرب الغرب الذي خلقه وكان أباه؛ ولهذا فإنني لا أنام ليلي إلا بحكم قوة (( الحبوب المنومة )) التي تخفي وتزيل تأثير ما يسميه العلماء باللاوعي، الذي يظل ( شغّالاً ) ويعمل حتى في فترات النوم .. هذه الفترات التي تصير مرجلاً يغلي بالمخاوف والأحاسيس السلبية، ما لم تأتِ قوة مُهيمنة تحجبها ( تُسكّنها ) أو تخفف من قوة تأثير سطوتها؛ ولهذا كتبت في يومياتي ما يلي: ” حدث اليوم تطوراً خطيراً في العراق، حيث اجتاحت قوى داعش مدينة الموصل وسيطرت عليها بالكامل، ثم اتجهت نحو حقول النفط في كركوك          و ( صلاح الدين )، بما يشبه الاستسلام غير المعلن وغير المتوقع لكل قوى الأمن الداخلي والشرطة ووحدات الجيش في كل تلك المناطق، مما يعني إحياء مبدأ (( بايدن )) الأمريكي اللعين لتقسيم العراق …. إن ما حدث اليوم هزّ كياني وزاد من مخاوفي وقلقي؛ لأن لغة السلاح والعنف والتهجير القسري – وكل المفردات السلبية – ستبدأ في التصاعد، وربما ستحدث أموراً دراماتيكية غير محسوبة وغير متوقعة، مما يؤثر على حياتي سلباً وأنا في سورية !! “

أما بالنسبة للشطر الأول من سؤالك فأني أجيب بنعم. نعم سيدتي الجميلة الرشيقة، إنها كانت تجارب جنسية أيضاً؛ لكنني أستطيع أن أسميها مجازاً بالتجارب التناسلية من أجل حفظ النوع والتسلية ليس إلا .. إنها تجارب مختلفة عن هذه التي أعيشها هنا، خاصة مع (( غرام )) وقبلها { لينا } الفلسطينية التي كنت قد حدثتك عنها في رسائلي الأولى، وبعدها السمراوات المهجرات من الجولان.

          ومع أن لحظات عظيمة وثمينة كهذه تحصل مع بائعات هوى كُثر، لكني مع (( غرام )) بالذات ألمس مودة حقيقية، مودة خارج نطاق اللحظات ذاتها، وبعيداً عن الفائدة المالية، حتى وإن كانت هذه الفائدة هي الهدف الأساس الذي يحرك بنات الهوى ويدفعهن لرفع سيقانهن أو يتخذنّ الوضعية التي يشتهيها ويريدها الزبون .. وربما كانت حاجتي إلى مثل هذه المودة هي التي تدفعني إلى أن أبذل المزيد من الجهد، وأخسر بعض الوقت، من أجل الوصول إلى سكنها الجديد في ذات المنطقة القديمة التي شهدت زيارات سابقة ؟!

وبدافع من هذه المودة، والتلقائية في التصرفات، والانفعالية الجياشة بالمشاعر، راحت تُخرِج من خزانة غرفة منامها الملابس والفساتين والأطقم ( السيتات ) التي انتقتها من محلات الكماليات للطفلة القادمة، كما لو أنها ابنة ذوات .. أو كما لو أنها تريد أن تُشهدني على عملها وجهدها لأن تجيء (( البنوته )) وفي فمها ملعقة الذهب.

  • أعرف .. أعرف .. لقد خبِرت هذه التجربة.

          رحت أتمتم بما يشبه الكلمات المبهمة الغامضة، ليس لأن  الموقف / المشهد فاجأني وأنا في وضعيّة ارتداء ملابسي، ومحاولة الخروج إلى الهواء الطلق والعودة إلى سكني البعيد، في الجهة المعاكسة تماماً لموقع سكنهم من جغرافية دمشق وريفها – بل لأن الأمر مسّ وتراً حساساً في كياني، وفرض عليّ حالة استدعاء للذاكرة أو تذكر ما لا أريد تذكره، أو ظننت أنني نسيته، بقدر ما فرض عليّ محاولة تساؤل داخلي: ابنة مَن مِنَ الرجال هذه ؟!

          لكني في نهاية المطاف كان لابد أن أقول لها مجاملاً: ” تتربى بعزك “، كما تقتضي الأعراف في مثل هذه المواقف.   سرورها وسعادتها التلقائية جعلتني أعاود التفكير من جديد في طبيعة علاقتها مع زوجها. هذه العلاقة التي تبدو من خارج سرير ممارسة مهنة البغاء، وخارج اللحظات التي تسخن فيها وتطلب شهوتها مثل امرأة فاقدة لوعيها، أو متناسية لوضعها مثلها مثل صبية (( بِكر )) لم تذق من قبل مسرة تجربة كهذه .. الخ –  تبدو هذه العلاقة خارج الإطار المذكور علاقة إنسانية طبيعية، كما لو أنها لا تملك من كيانها غير هذه الدقائق المعدودات التي تقضيها معي أو مع غيري من الزبائن، والباقي كله لزوجها. إذ أنهما معاً في كل لقاء، في كل مرة، وأحيانا تجعله يقبض المال بيده، أو تأخذ موافقته بشأن تسعيرة (( الدخلة ))، بل وتسميه بالاسم الذي يحبـــه !