
سراق المال العام في البحث عن ملاذ
بنية متماسكة عن واقع مفكك ومهزوز
يوسف عبود جويعد
أن حرفة ومهنية وتقنية صناعة الرواية ، تتطلب من الروائي الانتقال الى العالم المروي بكامل تفاصيله الدقيقة ، ومهمته ايضاً نقل المتلقي الى هذا العالم ، وأن يكون ملماً بأدواته السردية التي يجب أن تكون حاضرة بحزمتها المعروفة لديه “الزمان” المكان” الشخوص” الاحداث السردية” الثيمة ، ثم تبدأ مهمته في تحريكها ضمن العملية السردية دفعة واحدة ، نحو النمو والتصاعد والتواتر، دون ان نجد خللا في هذا السياق الفني، وهكذا نكتشف أن رواية (البحث عن ملاذ) للروائي ناطق خلوصي ، تنقلنا الى واقع حياة وحيد مرزوق ، هذا الرجل الذي استغل منصبه في السلطة ، ليقوم بأستيراد مواد للبطاقة التموينية لا تصلح للاستهلاك البشري (يهز رأسه ولا يكون أمامه سوى ان يرضخ ، فهي كاتم اسراره ووسيطه ويمكنها أن تثير المتاعب بوجهه.
انها شريكته في صفقات الشاي التالف ، والرز المتعفن، والطحين الذي لايصلح علفاً للحيوانات وتم تمريره على الناس) ص 39 وقد نجح بشكل ملفت للنظر في جعل البنية النصية متتابعة متصلة مشدودة متماسكة دون ان نجد أي تفكك او فراغ او انقطاع ،لقد كتبت بشكل متصل ، وكذلك فأن زاوية النظر التي اتخذها مساراً للاحداث السردية هي جانب مهم وهي مدعاة لجعل المتلقي يتابع بنهم حياة بطل الرواية ، من خلال رسم ملامح شخصية وحيد مرزوق الذي استطاع ان يجني ثروة كبيرة من تلك الصفقات الفاسدة ، وعندما يشعر بأن امره كاد ينكشف ، وأن حياته في خطر، عليه البحث عن ملاذ ، ينقل تلك الثروة الى احد المصارف في مصر ، ثم يغادر العراق ليلتحق بها ، وأن الروائي احسن اختيار بنية العنونة والتي جعلها (البحث عن ملاذ) ومن المعروف أن الملاذ يجب ان يكون آمناً ، وكون بطل الرواية احد سراق المال ، فقد جعلها بدون آمان ، اذ أنه يعتبر خائنا وفاسد وسارق وتلاعب بقوت شعبه ، وسوف يأتي اليوم الذي يقتص الشعب من هؤلاء الذين خدعوه ونهبوا المال العام ،أن ملامح شخصية بطل الرواية التي تتسم بالفساد والخيانة ، وموت الضمير فيها ، اضافة الى الثراء الفاحش والكبير الذي جني من الحرام ، والتي استغلها الروائي ليجعلها فضاء لمبناه السردي ، اذ أننا سنكون مجبرين لدخول هذا العالم وسبر اغواره ومعرفة كيف سيعيش بطل الرواية وهو يملك تلك الثروة ، فما أن يصل الى مصر ويستقر في شقة ضمن عمارة (الفيل الابيض) بعد ان يدفع اكثر من ثمنها اضعافا ، يحاول ان يستغل ثروته للبحث عن الرذيلة وايقاع النسوة اللواتي يجدن الاستسلام الكامل امام ما يصرفه من تلك الاموال ، وقد جعل الروائي تلك العلاقات الجسدية “الجنسية” مدخل آخر ليكشف للمتلقي وقع هذه الثروة وتأثيرها على البيئة التي تحيط ببطل الرواية ، كون العوز والحاجة اليها دافعا للايقاع بهنَّ ، شريفة زوجة بواب العمارة، شيرين الفتاة المراهقة والتي يصف مراهقتها بالشرسة ، أم هاني ، زوجة شيخ الجامع، وأنه يغدق بالهدايا ويخطط بشكل متقن ، وكل واحدة منهن حسب ظروفها والمدخل الذي يستطيع أن يولج من خلاله من أجل سحبها الى سرير الرذيلة ، وقد جعل هذا المنحى هو الطاغي وهو الغالب في مسيرة حركة الاحداث السردية ، المتصلة المتواصلة الى حد قطع الانفاس ، كون الروائي كتبها بأسلوب متواصل غير متقطع ، وجعل فصول الرواية مرقمة لكي تكون عملية المتابعة اكثر التصاقاً ومتعة وهو لا يبخل في اغداق العطايا ، بل يعطي الكثير كون المال لديه وفيرا وليس لديه وريث او احد ستؤول اليه تلك الثروة ، وأنه يستغل الازمات المادية من اجل ان يحقق غايته الدنيئة ، كما فعل مع ام هاني التي مرت بأزمة مالية كبيرة ، كون زوجها الذي يعمل خارج البلاد ولا يعود اليه الا في السنة مرتين فقط عند تعطيل دوام المدارس وحدث أنه لم يرسل الايجار السنوي للشقة والبالغ (1000) دولار فيعطيها ضعف هذا المبلغ من اجل ان يقضي معها ليلة حمراء رغم تمنعها ومحاولتها الحفاظ على عفتها ، وكذلك يفض بكارة شيرين تلك الفتاة المسكينة المراهقة التي اندفعت نحوه من اجل التمتع بماله ، وكذلك زوجة شيخ الجامع الذي ليس له ذرية والسبب منها وهي تحبه وتريده ان يتزوج باخرى من اجل الذرية فيعطيها ما يكفي لتلك الطقوس مقابل ان تكون معه على سرير الرذيلة ، أن المال الحرام الذي جناه من خيانته لشعبه يبذره في الحرام والرذيلة والخمر، وهو كثير جداً ، وعندما يكتشف وبالرغم من كل ما بذره وصرفه على ملذاته الشخصية أن المال لازال كثيراً ، فيقوم بشراء العمارة ويتنازل عن جنسيته العراقية ويستخرج جنسية مصرية مع الاحتفاظ بالجنسية الامريكية ، وبهذا يكون قد تنازل عن وطنيته واصله وتربته وشرفه ، وهو أمر طبيعي لشخصية مثله فهو من الذين باعوا اصلهم ووطنيتهم وشرفهم وكرامتهم من اجل المال ، بل الامر لم يتوقف لهذا الحد كونه اضر بأبناء شعبه ، وهكذا فأن الفرصة صارت متاحة بشكل اوسع ، حيث انه استطاع ان يتسلط اكثر لينشر سمّهِ القاتل ، ويعبث بالارض فساداً، أن النقلة الذكية الواعية للروائي ناطق خلوصي وهو يزجنا في عالم وحيد مرزوق بهذه الرؤية السردية المبهرة التي ننسى من خلالها ، أن هنالك روائيا يقوم بتدوين تلك الاحداث السردية ، بل أنه جعلنا نعيش تلك الاجواء بعمقها وبكل جوانبها ، تؤكد قدرة الروائي وتمكنه من ادواته السردية وهو يقدم لنا واحد من سراق المال العام ، الا أنه لم يمنحه الأمان في ملاذه ، وجعله قلقاً ويتابع بنهم ما يدور من احداث في بغداد خوفاً على افتضاح امره ، ويفاجأ بوصول سكرتيرته وكاتمة اسراره والشخص الثالث (نادية طرف مهم وشريك فاعل في المجموعة التي عرفت باسم ثلاثي البطاقة التموينية ، وقد ادت دوراً كبيراً وحيوياً في اتمام الصفقات التي جعلت الدولارات تنهال عليهم مثلما ينهال المطر .
صانع العاب
انها(صانع العاب) الثلاثي وكاتم اسراره ولم تتورع عن توظف جسدها لتحقيق ذلك وبالتالي فقد صارت لها مكانة خاصة لدى الطرفين الآخرين ) وهكذا فأنه استطاع اقناعهما بالسفر الى أي بلد آخر من اجل ان لاينكشف امرهما ، وظل وحيد يتمرغ بالرذيلة والفساد ، ويستغل ماله لذلك ، حتى اتت اللحظة التي كان القصاص فيها عادلاً ، عندما يطلب من البواب ان لا تدخل زوجته العمارة ، كونها تبيع جسدها لكل ساكن (لم يعرف أحد كيف وأين اختفت زوجة البواب واطفالها اما زوجها فقد ظل يواظب على حضوره في العمارة .
في ضحى اليوم الثالث للقاء الأخير بينه وبين البواب فوجئت العمارة بدوي ثلاث رصاصات وكان وحيد المرزوق يتخبط بدمه بعد أن اصابت احدى الرصاصات صدره والأخرى رأسه أما الثالثة فقد مزقت ما بين فخذيه فتفجر من المكان فيض من دم أسود) ص 229
أن الرصاصات الثلاث التي اطلقت على هذا الخائن ، سارق المال العام ، تحمل رمزية عالية ، كون التي دخلت رأسه تعني قتل الافكارة المنحرفة التي تحملها تلك الرؤوس العفنة ، التي اصيبت صدره تعني عدم الرغبة في وجود مثل هؤلاء في البلد ، اما التي دخلت بين فخذيه فأنها تعني قتل الرذيلة والانحراف
وهكذا فأن رواية (البحث عن ملاذ) للروائي ناطق خلوصي ، لا تعطي ملاذاً آمناً للخونة وسراق المال ، هؤلاء الذين خدعوا الشعب ونهبوا ثرواته ، وأنها تؤكد بشكل واضح أن القصاص سينالهم اينما حلوا ، وأن اللعنات وكره الشعب ومقته لهم وحده سوف يقتلهم ،لأن الشعب اقوى من الطغاة ، وهي مساهمة واضحة لمواجهة الفساد والظلم والاستبداد ، كونها تؤكد ان الابداع الادبي يجب ان يكون مع الشعب في محنته القاسية …!
{ من اصدرات دار ميزوبو تاميا للصحافة والنشر والتوزيع بغداد – شارع المتنبي لعام 2016
























