ستراتيجية إصطياد الفرص – هند الياس عطا

ستراتيجية إصطياد الفرص – هند الياس عطا

قبل يوم واحد من التصريحات التركية الدافئة والناعمة تجاه الازمة القطرية والدعوة الى الحوار وعدم التصعيد، وعلى الرغم من عدم ادراجه ضمن جدول اعمال البرلمان التركي تم يوم السابع من حزيران التصويت على مشروعي قرار، يتعلق الأول بتدريب وتأهيل قوات الجيش القطري، والثاني بتطوير اتفاقية التعاون العسكري المبرمة منذ عام 2014 بين تركيا وقطر، والتي تتضمن إنشاء قاعدة عسكرية تركية على ألاراضي القطرية على غرار القاعدة الامريكية في العديد .

 فماذا تعني هذه القاعدة لكلا البلدين ؟ وهل هي القاعدة الوحيدة التى ستكون لتركيا خارج اراضيها؟ ام ان تطلعات تركيا وخططها الاستراتيجية تذهب الى ابعد من بسط نفوذها في مناطق ترى فيها مفاتيح توازن للقوى في المراحل المقبلة ؟ كل هذه التساؤلات تطرح خصوصا في ظل صراعات بين قوى تسعى لاثبات وجودها على حساب شعوب المنطقة .

مصالح دولتين

سيتم النظر للموضوع من خلال مصالح الدولتين، فتركياً تمنح هذه القاعدة انقرة إطلالة على الخليج العربي ووجوداً عسكرياً مباشراً بكل ما فيه من مصادر طاقة وتشابك علاقات وتأثير في الاقتصاد العالمي ، وستعطي هذه القاعدة حضوراً ستراتيجياً لتركيا مع القوى الاقليمية الاخرى خصوصاً ايران لانها القاعدة الاولى لتركيا خارج حلف الناتو، فضلا عن ادراك تركيا انهاذا تركت امريكا لقاعدة العديد وانتقالها الى دولة اخرى سيكون هناك فراغ نسبي يجب ان يكون  لهم حضور فيه .

 اما قطرياً فان هذه الخطوة تجعل قطر تنتقل الى فضاءات جديدة في اطار التعاون الاستراتيجي مع الدول الاقليمية ويجعلها تخرج عن النفوذ الامريكي ويمنحها القوة والامان في ظل صراعات المنطقة وخصوصا بعد سقوط اقنعة دول كانت قطر تعتقد انها صديقة بعد تفجر الازمة الاخيرة والتى استشعرت تركيا وقطر حدوثها قبل سنوات بفعل الاستراتيجيات المتبعة في المنطقة ، من جانب اخرى فان هذا الحضور اعطى الدوحة دعماً معنوياً وسياسياً بل واسهم في تخطي ازمة الانزلاق نحو تصعيد عسكري ، بعد أن كانت بعض التصريحات لدول الازمة توحي بذلك أو تهدد به  اضافة الى ذلك سيسهم هذا في تطوير القدرات العسكرية للقوات القطرية في المجالات البرية والبحرية والجوية وبشكل ملحوظ جداً.

فبعد ان وصلت القوات التركية الى قطر، تكون انقرة قد اعلنت اصطفافها إلى جانب قطر التي تربطها علاقات متميزة قياساً بدول الخليج الاخرى اذ تجلت هذه العلاقة بشكل واضح ليلة الانقلاب والموقف الذي اتخذته قطر من هذه الليلة حيث يرى صناع القرار التركي ان استهداف قطر هو جزء من استهداف منظومة اكبر تستهدف تركيا ايضاً، فتركيا تدرك ان وجودها في المنطقة لن يكون مرحبا به خصوصا من قبل اطراف الصراع السعودية والإمارات ومصر ورغم محاولات تركيا طمأنة مختلف الأطراف، بما في ذلك عرض إنشاء قواعد تركية على أراضيهم، فإن التوجس من هذا سيطرح تحديات جديدة على هذا الصراع، لكن التحدي الابرز إستراتيجياً يكمن في الموقف الامريكي الذي يرى في الخليج العربي منطقة نفوذه ، فواشنطن لا تريد شريكاً أو منافساً لها في المنطقة الغنية بالموارد الطبيعية ومصادر الطاقة، ولن تكون سعيدة بالاندفاع التركي الذي سيكون في الغالب منافساً لها.

يرى الكثيرون ان تركيا دولة منغلقة داخل حدودها، لكن هذه النظرة سرعان ما بددتها تركيا التى اظهرت للعالم أنها دولة قوية إقليميًا ماضية في إرساء عدد من القواعد العسكرية الاستراتيجية خارج حدودها، لخدمة مصالحها ومصالح الدول الحليفة لها بشكل أقوى. فبعد قطر توصلت تركيا لعقد اتفاقية تعاون مع الصومال تتضمن إنشاء قاعدة عسكرية بالقرب من خليج عدن، اذ ستوفر هذه القاعدة الخدمات التدريبية لما يقرب من 10 آلاف و500 جندي صومالي، وستحتضن القاعدة 200 جندي تركي يتولون الفعاليات التدريبة وأنشطة الأمن الخاصة بالقاعدة.

 وبذلك تُصبح تركيا الدولة الخامسة بعد الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا واليابان من حيث الدول التي لها قواعد عسكرية في القارة السوداء.

سؤال مهم

فماذا تعني هذه القاعدة لتركيا بعد قطر ؟

بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا عام 2002 تبنى الحزب سياسة الانفتاح على القارة الأفريقية، خاصة بعد سلسلة الإخفاقات في الانضمام للاتحاد الأوروبي، لذلك رسم الحزب ستراتيجية جديدة تخلق نوعا من التوازن لكن ليس بديلاً على المستويين الإقليمي والدولي، خصوصاً في مجال موازنة ادوار القوى الاقليمية في القارة السوداء، واكتساب تأييد دول القارة في المحافل الدولية كذلك الاستفادة من مميزات السوق الأفريقية الواسعة.

 اذ ترى تركيا في الصومال موقعا ستراتيجيا مهماً لها على البحر الأحمر ومضيق باب المندب لكونه ممراً رئيسا للطاقة والتجارة الدولية وكذلك تجاور الصومال إثيوبيا ذات الأهمية العظمى خاصة فيما يتعلق بالمياه ومنابع نهر النيل،كما أنها ستكون بمثابة الذراع العسكري لها بالقريب العاجل.

يرى مراقبون، ان هناك دوافع عدة للوجود التركي في الصومال أبرزها مزاحمة النفوذ الإيراني المتزايد هناك عبر ستار الأنشطة الخيرية والثقافية، كذلك حماية مصالحها الاقتصادية في أفريقيا، حيث بلغ حجم التجارة التركية الأفريقية نحو 20 م ليار دولار عام 2015  ومن المخطط أن يصل إلى 50  مليار دولار بحلول عام 2023  كما يبلغ حجم استثماراتها المباشرة في إفريقيا 6 مليارات دولار بنهاية 2014? منها 100 مليون دولار في الصومال.

بتأسيس هاتين القاعدتين تكون تركيا قد سيطرت على الخليج العربي وعلى خليج عدن ومضيق باب المندب ومنابع الانهر الرئيسة في المنطقة .

من هنا ندرك ان السياسة التركية لاترسم من فراغ وانما تبنى على ستراتيجيات ثابتة تنبع من مصالحها القومية وتعمل على استغلال المستجدات الطارئه لتحقيق هذه الاستراتيجية بعيداً عن الدبلوماسية التى تضر بمصالحها.