سبايكر … نظرة في ثقب عالم خاص

سبايكر … نظرة في ثقب عالم خاص

مداخلات أزاء محاولات التمسك بالحياة

حامد عبد الحسين حميدي

” زينب فخري ” في سبايكر ، مجموعتها القصصية ، استطاعت أن تحدّد الملامح المتكاملة للشعور النسوي الذي يعصف في مكامن واقعية ، فأجدها شاخصة في قصصها القصيرة :- (سبايكر / نازحة / قعر المجهول / نسيان / زيارة أم / أنا سبايكر / صديقة العمر / فرصة اختيار / صفحة في كتاب / ظل الخواطر / سرقة ….) ، حيث تسبر اغوار الفجيعة التي حدثت ، فجيعة العصر التي يندى لها جبين الانسانية ، ليخضبها الدم القاني ، ممزوجاً بأنّات الامهات اللواتي فجعن بالحادثة المؤلمة ، فكان الدمع ملوناً بلون الدم المراق ، بالصمت الذي اطبق على الافواه ، ليخرسها ندماً او خجلاً دون حراك . يتبادر لنا ونحن نقرأ هذه المجموعة أن القاصة تعيش مع شخصياتها قصّ ، نجدها يومياً ، نتعايش معها ، نتعاطف ، نحزن ، نفرح ، لكنها في النهاية .. تبقى تسجل لنا في ذلك حضوراً إنسانياً غاصّاً بمرارة التناقضات التي قد نقع فيها / تمتلك هذه القاصة قدرة على تطويع المفردة البسيطة ووضعها في قدرات إنزياحية جادة محاولة في ذلك كسب القارئ الذي يمثل الحاضنة للتلقي المعرفي / حيث تقول القاصة في ” نازحة ” :- ( وأقول لنفسي تشجيعاً “على الأقل أفضل من العراء ، وسأستعيض عن الماء بالتراب والحجر ” )

إنها مبدعة حينما تحاول أن تبثّ التعويض الوهمي / توصيلية الشحنات الموجبة في مداخلات كينونية ، مُحاولة التمسك بالحياة التي هي رمز للبقاء / والتناسل ، فلم تتراجع عن مطمحها الذاتي بل أنها تحولت إلى مدارات تبعث التفاؤل / الأمل / الانتظار / على الرغم من أنها ( نازحة) فالعودة لديها لا مناص منها ..

أما في ” أنا سبايكر ” فقد جسّدت سوداوية المأساة بلسان حال الواقعة ذاتها ، التي سجلت حضوراً مكرهاً حينما انكشفت هويتها في ( عيد القربان ) وهي تلتهم الاجساد بلا رحمة ، حيث تقول فيها :-

( الجميع يتهمني بأنني حطمتُ قلوب نساءٍ وينعتونني بآكلة الأكباد ونشر السواد .. أكادُ ألعن وجودي عندما يصفني الرجال بالعاهرة .. أجزمُ أنّ الفتيات يتوقْن للبصق في وجهي في عيد القربان .. أطأطئ رأسي خجلاً من الأشعار التي سُطرت تشنيعاً لفعلي .. أقرُ بالتقصير لإهمالي الودائع .. فلم أحتضنهم كالأمهات ..

باتَ الكلُّ كارهاً لذكري .. يلاحقونني للتعرف على حقيقتي .. كشف هويتي .. يعذبني صوت خرير الماء الّذي خنق نبضات قلوب فتية تصرخ استنجاداً .. قطفتهم من حدائق الأمهات ورميتها في نهر دجلة بلا رحمة .. ) .

وأما في ( قصص قصيرة جداً ) : ( زوجة الابن / أصم / صماء / إرهابي / متسولة / فضائيات / حوار / شكوى / إزاحة / لغة / اختيار / وله / اسم / تسوّل / رقة / امتعاض / جنون / وعد / أمنيتان / إفحام / ألوان / فلسفة طفولية / ثرثرة / فنانة ..) حيث استطاعت بمهارة فنية أن ترسم لوحات أقرب إلى الكاريكاتيرية / النموذج الساخر الهزلي الملّون بالصبغة الفكاهية ، فاستوقفتني قصتها القصيرة جداً ( إرهابي ) التي اتسمت بالسخرية والتهكم اللاذع ، مما يحدث في عالمنا الواقعي من تشظيات يومية ومشاهدات متكررّة ، وعلى الرغم من فداحة المصيبة ، لتلقي بظلالها أنها تضع ( الإرهابي ) بكل ما يمثله من صورة بشعة / في خانة الموقف المضحك .. وبذا فهي تمتلك كاميرا ذات حساسات شعورية فائقة الدقة / تستطيع من خلالها أن تتنفس / تنتقد ما يدور حولها من أمور قد تصل حدّ البشاعة أو البساطة .

بعد ذا ، أجدها في اختصارات قصّية ( أقاصيص ): تختصر ما في خوالجها ، ليكون عالمها القصي عبارة عن سكين تشحذ نفسها كي تحزّ رقبة الواقع المرير ، دون ان تؤلمه ، فهي ( زينب فخري ) كما رأيتها في قصّها :- إنسانة تمتلك البراعة الأدبية في إيصالية الحدث مهما تجسّد ، إنسانة فاعلة / ضاغطة في توثيق المكان / الزمان / بشخوص تدور في فلكها وحدها .. إنّه خيالها وحدها .. وهي التي تضغط مكنوناتها ، كي تعمل على انزياحاتها على وفق ما يعتمل ويجيش في فكرها .. هي التي تنظر من ثقب عالم خاصّ ، لرؤية عالم أوسع ، القاصة ( زينب فخري حسين ) لم تحجم الاحداث بل كشفت عما يحدث آنياً في مجتمع ، ازدحمت فيه المآسي وتكدست الاحداث ، فاستطاعت ان تكرّس هذا الحدث في عينٍ اتسعت احداقها في خيال خصب ٍ واعٍ … وأنا أحترم ذلك الخيال ..