زيارة الأربعين ملحمة العشق الحسيني – حسين الزيادي

زيارة الأربعين ملحمة العشق الحسيني – حسين الزيادي

اصبح لزيارة اربعينية الإمام الحسين عليه السلام بُعداً حضارياً وإنسانياً مؤثراً، وباتت مظهراً من مظاهر عظمة الإمام الحسين وإعلاناً عالميًا لمبادئه وأهداف نهضته المباركة، وتحول هذا المسير إلى ظاهرة يرصدها العالم، وتتابعها وسائل الإعلام المختلفة، وتترك أصداءً كبيرة لم تحظى بها أيّ مناسبة دينية أخرى، فهي ملحمة عظيمة ،عالية المضامين وعميقة الاهداف تكشف عن جانب من تجليات شخصية الإمام الحسين عليه السلام  ومكانته ومساحته في الوجدان الشعبي، إذ تعد الزيارة الأربعينية من أهم الشعائر الحسينية المقدسة من حيث آثارها وحجمها وتفاصيلها ومصادر زوارها ، فهي مناسبة إنسانية يشترك فيها الناس باختلاف دياناتهم وطوائفهم متخذين من الحسين عليه السلام رمزا ثورياً ونبراساً للتحرر من الظلم والطغيان، ولهذه الزيارة بعداً فلسفياً عميقاً فهي تمثل صورة حية لتوق الإنسانية إلى الحرية ورفض الظلم، فضلاً عما تحمله الجموع المليونية من حب منقطع النظير لابن الرسول الاعظم سلام الله عليه، وقبل الخوض بتفاصيل هذه الأبعاد لابدّ من الإشارة أولاً إلى أن هذه الزيارة التي يشارك فيها اكثر من (20) مليون زائر سنوياً قد اكتسبت شهرة عالمية خلال الأعوام العشرة الأخيرة لما تتصف به من ميزات كثيرة ومهمة قد أبهرت جميع المراقبين.

مشاعر الاباء

عندما نتابع الزحف المليوني الذي ينطلق الى كربلاء التضحية والخلود ندرك جيداً مدى نجاح ثورة الإمام الحسين عليه السلام في إثارة مشاعر الإباء في نفوس المسلمين، فها هو اصبح مناراً ونبراساً للثائرين على مر الدهور، واصبحت نهضته المباركة تعبر عن انتصار القيم والمبادئ والأهداف التي استشهد من أجلها، فزيارة الاربعين تكتنز قيماً ومبادئ اجتماعية ودينية وثقافية وسياسية متعددة، ولكن يجب التأكيد هنا على أن الحشود المليونية التي تتدفق بشكل تلقائي نحو كربلاء المقدسة تمثل بحق ظاهرة جديرة بالدراسة والتأمل بعد أن أضحت حدثاً عالمياً ذو أبعاد متعددة في كافة جوانبه، فهي محطة تعبوية تنهل من معينها الأجيال عبراً ودروساً بما تحمله من مبادئ إنسانية رفيعة وقيم سامية تخدم المسيرة البشرية التي تنشد السلام والأخوة والتعايش السلمي، وهذا التجمع المليوني ما عاد طقساً جامداً تتخلله مراسم العزاء والحزن، وإنما عملية تأمل في كيفية مواجهة الانحراف والظلم، فهو عملية تفاعلية تكسر الجمود والسلبية في تأطير القضية الحسينية بتجلياتها المادية الحسية بعيداً عن عناصرها المتفاعلة في تسطير خلود الدم على السيف بما يخدم اهداف الامة وتطلعاتها.

لقد تركت زيارة الاربعين بصمات جلية في تاريخ الاسلام، لأنها لم تكن هامشية أو طارئة، تظهر حيناً وتختفي حيناً آخر، فهي حدث خالد بخلود واقعة كربلاء، واحاديث استحباب تلك الزيارة مازالت تحفر في ذاكرة الزمن خلودها الابدي، وقد أولى الائمة (عليهم السلام) زيارة مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) عناية فائقة واهتمام خاص وحثوا اصحابهم عليها واكدوا عليها في كثير من مورد ومناسبة، وقد وردت في ذلك الكثير من الاحاديث والروايات عنهم (عليهم السلام) في فضل زيارة الحسين والثواب الجزيل الذي يصيبه الزائر بزيارته.

وللزيارة الاربعينية آثار وفوائد روحية ومادية لايمكن الاحاطة بها، فهي مناسبة للتلاقي الفكري والتواصل المعرفي بين المسلمين، وهي تمثل نقطة تلاق بين المسلمين أنفسهم ومن شتى بقاع العالم في تظاهرة دينية تتجلى فيها مشاعر الإخاء والمحبة والوئام والتعايش والايثار والتضحية في سبيل الآخر، وقد شهدت الزيارة الاربعينية بروز حالات ايجابية من العطاء والتفاني والتضحية والكرم والضيافة.

في كل عام تتجدد أيام زيارة الأربعينية التي تعتبر أساسا للقيم والمبادئ السامية التي اوصى بها الإمام الحسين (ع)، ومن ذلك نفهم أن زيارة الاربعين لا تعني تقديم الخدمات إلى الزوار المتجهين صوب كربلاء المقدسة لأحياء الشعائر الحسينية فقط، بل هي مجموعة من الدروس والعبر وتقديم الموعظة للناس اجمع، واكتساب ثقافة وأفكار جديدة من اشخاص في مجتمعات أخرى ولديهم ثقافات مختلفة، وفي هذه الأيام يصل المجتمع إلى الدرجة المثالية عبر نبذ الكراهية والطائفية وتعامل الناس بالتساوي، ولا ننسى أن من ثمرات زيارة الاربعين ذلك التلاحم الاجتماعي الذي تنتجه هذه الزيارة سواء على مستوى المسلمين او غيرهم، وتجعلهم يتمتعون بالروح الايجابية المستعدة للتفاهم، والتسامح، والتعايش، وفق رؤية متوازنة مستمدة من مبادئ أبي الأحرار الحسين (ع).

عنوان مهم

إن زيارة الاربعين عنوان مهم للتعايش السلمي والمجتمعي، فالناس بمختلف جنسياتهم يتجهون نحو مكان واحد هو كربلاء المقدسة، لا تفرق بينهم الخلافات السياسية ولا القومية ولا الحزبية، يعرفون أن هدفهم الاكبر هو ري الارواح بالحب والتسامح ، وتحطيم كل الحواجز بين الطبقات الاجتماعية، فتجد الاستاذ الجامعي يوزع الماء مع الطفل الصغير، والشيخ العجوز مع الشباب كلهم يتسابقون على تقديم الخدمة للزوار ، ومن المفيد جدا أن ننتهز هذا الجمع الكبير من المسلمين لأحياء اربعينية سبط الرسول الاعظم لنعمل على اشاعة برامج الحوار البناء والديمقراطي وجلسات ثقافية وادبية في طريق الزائرين واستغلال السرادق المنصوبة كمواكب لتلك البرامج التي تهدف الى التوعية والتثقيف، بان الشعائر ليست لطائفة معينة بل هي لكل المسلمين، وعلى الرغم توالي الأحداث والثورات والانتفاضات في تاريخ البشرية تحتفظ ثورة الأمام الحسين عليه السلام بخصائصها الفريدة وسماتها المميزة الإصلاحية، اذ أن الهدف الأساسي لثورة الأمام الحسين عليه السلام هو تغيير واقع مجتمع وفق مبادئ الدين الحقيقية، في ظل ما تعانيه المجتمعات من انحرافات.

تحمل أربعينية الإمام الحسين عليه السلام كما هائلا من القيم الدينية والمبادئ الإنسانية السامية، من أهمها إذابة الفوارق الطبقية في المجتمع ، فالحشود المليونية جميعها تذوب في حب الإمام الحسين عليه السلام ناهيك عن تكريس ثقافة التواضع والتكافل الاجتماعي، والعمل الطوعي وهذه حالات إيجابية تسهم في بناء مجتمع متماسك يتحلى بالقيم الإنسانية السامية، وبالتالي خلق جيل واعي محب لوطنه رافضا للظلم والظالمين والفاسدين.كما إن عمق الانتماء الحسيني يدفع المؤمن الى بلورة حبه لسيد الشهداء (عليه السلام) الى كلمة طيبة، وعمل صالح، وعلم نافع، وخلق رفيع، ونصرة المظلوم، وإصلاح ما فسد من أمور الناس، ومد يد العون للمحتاج والضعيف، ورعاية الأيتام والأرامل، واتخاذ كبير المسلمين أباً وأوسطهم أخاً وصغيرهم ولداً، والنظر الى الناس على أنهم إما أخ في الدين أو نظير في الخلق.