زمان ثقافي الإصطياف.. عراقيا ً

زمان ثقافي الإصطياف.. عراقيا ً
عبد الرزاق الربيعي
مع قدوم موسم الصيف وقبل بدء عطلة المدارس والجامعات، تبدأ العوائل في منطقة الخليج بالتفكير بالسفر لقضاء وقت ممتع بصحبة الأهل والأولاد، هربا من حرارة الشمس اللاهبة، وتتعدد وجهات النظر في تحديد المكان الذي تنوي العوائل الإصطياف به والوضع الإقتصادي للعائلة فالبعض يفضل السفر الى عاصمة عربية تجد العوائل بها انسجاما فتقضي بها وقتا ممتعا، لكن البعض الآخر يفضل عاصمة أوروبية ليتعرف على مكان جديد وثقافة جديدة وفي النهاية تحزم تلك العوائل حقائبها وتسافر ممنية النفس بقضاء إجازة ممتعة ظانة مخيرة في تحديد الوجهة التي تروم السفر اليها،لكنها في الحقيقة غير ذلك إذ تحاول الشركات السياحية أن تستخدم وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والألكترونية وواجهات الشوارع التي صارت تملأها بالملصقات لتفرض سطوتها وتحدد اختيار تلك الوجهة من خلال ما تبثه من اعلانات ترويجية لأماكن معينة لتنوب عنا بالإختيار.
ولا ننسى دور الأعمال الدرامية والأفلام في الترويج لبعض الأماكن وقد قامت الدراما التركية بدور كبير لتضع تركيا في واجهة الدول التي يقصدها السياح وقد تزامن ذلك مع اندلاع أحداث الربيع العربي واضطرابات أمنية في عدد من الدول العربية التي كانت أنظار السياح تتجه اليها كمصر وتونس ولبنان التي كانت المكان المفضل لاصطياف العراقيين خلال سبعينيات القرن الماضي، وكان البعض وبخاصة من المعلمين والمدرسين يسافرون الى أوربا عبر الطريق البري عن طريق تركيا،ويعودون بعد نهاية العطلة الصيفية بعد جولة طويلة تشمل بلدانا أوربية عديدة.
لكن مع بدء الحرب العراقية الإيرانية في مطلع الثمانينيات وصدور قرارات بمنع السفر الى الخارج وتدهور الأوضاع الإقتصادية توقف تدفق المصطافين العراقيين الى الخارج، والبعض صار يصطاف في شمالي العراق حيث اعتدال درجات الحرارة والطبيعة الساحرة وجمال الشلالات والعيون المائية في سنوات الهدوء والسلام، وهي قليلة،في هذه المنطقة.
وجف حلم الاصطياف بالعراق تماما خلال سنوات الحصار التي أحرقت الأخضر بسعر اليابس، كما يقال، وصار همّ العراقي تأمين احتياجاته الحياتية الضرورية وغدا السفر حلما وترفا مع فرض ضريبة كبيرة على المسافرين، والتعقيدات التي فرضت على منح التأشيرة للمسافرين العراقيين، ومن خلل ذلك المشهد القاتم كان البعض يسترجع أيام الاصطياف الخوالي ويمنّي النفس بذلك الحلم، ولكن هيهات أن يتحقق ذلك وسط ظروف اقتصادية صعبة وقاهرة.
واليوم مع إزالة القيود على المسافرين بدأ المصطافون العراقيون يعيدون نشاطهم من جديد، ومن خلال متابعتي للفضائيات العراقية صرت أشاهد اعلانات عن رحلات سياحية بأسعار مخفضة الى تركيا وشمالي العراق وهما المكانان اللذان جذبا أنظار المصطافين العراقيين الذين تحسن دخلهم الإقتصادي وصار الاصطياف حاجة نفسية وليس ترفا هربا من الأزمات السياسية التي تعصف بالبلد والاختناقات المروية والتدهور الأمني، وفي رحلتي لتركيا التقيت بمصطافين عراقيين بعد أن الغت تركيا قيد الحصول على تأشيرتها من خلال السفارة للعراقيين وصارت تمنحها لهم من المطار، بينما فرضت على الحصول على التأشيرة مادمت مقيما خارج العراق، وهذه التسهيلات القصد منها جذب المصطاف العراقي المعروف بسخائه وقد عاد للإصطياف متحديا الظروف المحيطة بحياته مؤكدا أن العراقي يظل محبا للجمال والمتعة.
/6/2012 Issue 4237 – Date 28 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4237 التاريخ 28»6»2012
AZP20
RZRB