رواية ذكريات معتّقة باليوريا.. العزف على تقاسيم الليل والنهار

رواية ذكريات معتّقة باليوريا.. العزف على تقاسيم الليل والنهار

موسى حسين القريشي

ظل الروائي العراقي لأكثر من ربع قرن يتخوف من اختراق الخطوط الحمر والمسكوت عنه، ولا يستطيع تقديم الأجود من الأعمال، على الرغم من أن تلك الحقبة كانت معينا لا ينضب للروائيين، ويستمدون منها موضوعات أعمالهم التي لم تبلغ نضجها الكافي، وغالبا ما كانت أشبه بمحاولات تجريبية غير موفقة لا تعدو كونها ولادات متشابهة مثقلة بالافتعال وبساطة الفكرة (دون أن تبني هياكل معمارية جديدة صادمة تثير القارئ بشكلها المتطور)، أو تترك أثراً في وجدانه، ولكن بعد سقوط النظام السابق، وجلاء الاحتلال الأمريكي تمخضت من خلال عملية النقد للكم الهائل من الأعمال في الوقت الحاضر عن بعض المستويات الجيدة والعطاءات الثرة التي لم يعهدها منجز السرد العراقي من قبل..

لقد أفرزت الساحة الأدبية كُتّابا استطاعوا أن يشقوا طريقهم في عالم الرواية لأول مرة من خلال توظيف تجاربهم الشخصية وما عندهم من مكبوت ومن تراكمات الماضي وخزين الذاكرة، ومن بينهم الكاتب علي الحديثي في روايته “ذكريات معتقة باليوريا” الصادرة عن فضاءات عام 2015م.

يبدأ الكاتب عمله وكأنه يريد الهرب من عالم ورثه لنا النظام السابق والاحتلال الأمريكي البغيض، عالم يزخر بالقهر والإرهاب والموت وفقدان الحرية، عاش العراق تراكماته المؤلمة ومازال ينوء تحت وطأة طوابير من المصائب من جرّائه، فمن بلد محاصر ثم محتل ثم ممزق بين اقتتال طائفي وخيبة أمل التغيير ظل الكاتب يعيش مرارة هذه المرحلة التي لم تغير من الواقع المرّ شيئا، لكنها أمدته بمشاهد رهيبة عن مدينته التي سلب الاحتلال (من فمها ابتسامة الشباب) ص8، وترك فيها إرثا ضخماً من المآسي.

إن أول ما يطالعا في مستهل رواية الحديثي أنها تحفل بإمكانات سردية شائقة من خلال توظيف عنصر المفاجأة الذي يقود القارئ إلى خلاف ما يتوقع، وليس إلى آفاق توقعاته ليشكل بُعداً إقناعيا باعتبار أنه من الناحية الأسلوبية يُعد ضربا من التوهج ومدخلاً تحفيزيا ينعش السرد لتشويق القارئ والإيقاع به في شَرَك النص.

فالكاتب منذ بداية الرواية يطلعنا على أنه يعيش أحداثاً محبطة هي التي قادته إلى البحث عن مكان متحرر من الزوجة والأولاد، يقول: (كنت أفرح فرحا شديداً عندما تأخذ الأطفال وتذهب إلى بيت أهلها لأخلو – لاسيما في الليل- بحبيبتي.. أداعب جوانبها.. أضمها إلى صدري) ص7… وهنا يُفاجأ القارئ بأن حبيبته التي (تجلت غادة، والكتب بين رفوفها كمكياج أعطى وجهها إشراقة العروسة) ص9.. هي مكتبته، فكسر توقعه..

ثم تعود شخصية نهاد صوت الكاتب في (المعقل)، لتستعيد أحداث حياتها، وتقدم ماضيها بكل وضوح وقناعة، جاءت لتنعش السرد مرة أخرى بالمزيد من الحقائق في سجون الاحتلال ومعتقلاته، وذلك من خلال منح القارئ فرصة للتعرف على محاولة اعتقاله حينما وجد نفسه (مصدوما بأحد هذه الوجوه السوداء المدججة بالسلاح) ص10… تداهم غرفته وتقتاده إلى المعتقل، وهناك يعيش رحلة الخوف والموت حين ينتقل إلى سجن إبي غريب ثم إلى بوكا، وهناك يفاجئنا أنه لم يكشف لنا عن كل مكنوناته، ولم يتسع في السرد، حتى أن علاقة الحب مع سداد عاد منها خالي الوفاض، في حين أن الكثير من النقاد يرون ((أن علاقة الحب هي التي تنعش السرد وتمنحه التوهج))، وذلك ببعض اللقاءات الجنسية التي لا تخرج عن الذوق العام، لذلك لم يوفق في إمتاع القارئ من هذه الناحية، ولو توسع قليلا في ذلك لأخذ العمل مداه، والكاتب له مبرراته، لأنه لا يريد أن يضع نفسه موضع الاتهام والمحاسبة من المجتمع، كما ان علاقته مع الآخر عكست البعد النفسي المنكسر لشخصيته المتخوفة والمحايدة بسبب فقدان الأمان والثقة الضائعة، حتى إنه ظل متأرجحا بعلاقته مع الآخر في المعتقل تتنازعها فلسفتان متناقضتان بين (سارتر وإليوت) التي صارت واقعا وحقيقة لديه، لم يستطع التخلص منهما وهو في أشد تعامله مع المعتقلين، فقد كان أقرب إلى سارتر، إذ عبّر عن هذا من خلال عبارته ومفادها (فالوحدة تلف أذرعها حولي) ص27، وهذه العزلة الفردية فرضت عليه أن يسلم بها، ففي النهار يتبنى فلسفة سارتر (الجحيم هم الآخرون)، وفي الليل يتبنى فلسفة إليوت (الجحيم عندما تكون وحيداً)..

ومن الملاحظ أنه كان على وعي تام حينما ( أجلسوه على الكرسي وسألوه.. سني لو شيعي؟ فأجابهم بأنه مسلم) ص22، فالوقوع في شَرَك الطائفية من شأنه أن يضعف مكانة الرواية عند المتلقي، لأن الطائفية لا تبني مجتمعا يضم في نسيجه الاجتماعي أطيافاً عديدة ومختلفة..

لقد تجسدت قدرة الكاتب السردية من خلال اهتمامه الخاص بالبناء الفني المتماسك للرواية، بحيث لا يحمل القارئ أن يتوهم أو يشك لحظة بتشتت أو تفكك خيوط الفكرة في الرواية أو يربك ذاكرة المتلقي، جاءت بلغة جميلة متدفقة وليست فضفاضة، مكثفة لا إطالة فيها ولا إسهاب، تعتمد على الإيجاز البليغ، وتغترف من المخزون الثقافي واللغوي المتراكم لدى الكاتب عبر التجربة الطويلة والمعايشة الحميمة معها، لغة تعتمد على إجادة الوصف والتفصيل بين السرد والحوار وذكر التفاصيل اليومية الدقيقة ليوميات أولئك المعتقلين عبر تقنية الاسترجاع والتذكر لأحداث طفولته، ثم التناوب بين الحلم والواقع بأسلوب يمتزج فيه السيري بالروائي، والفصيح بالعامي، والتوغل في استكشاف مناطق الذات المسكوت عنها، سواء ما يتعلق بسيرة حياته أو ما يجري بين المعتقلين أنفسهم، أو بينهم وبين الأمريكان بطريقة لافتة أشبه بعين لاقطة تسجل تفاصيل يومياتهم في المعتقل الذي هم فيه أشبه بـ(عراق مصغر، تتصارع فيه الأفكار المتناقضة، المتفقة، المشاكسة، السلمية، العنيفة، الحقيقية، الوهمية، الصراعات الموجودة هنا كلها موجودة هناك) ص169، ويهدف الكاتب من ذلك أرشفت هذا الواقع وتوثيقه ليظل شاخصاً بحقيقته الناصعة للناس وللعالم عن حقيقة ذلك الاحتلال..

إن الرواية على الرغم من تألقها لغويا إلا أنها أصيبت ببعض الخفوت، ونجد ذلك في خلوها من الحدث، وعدم منح الشخصية مداها لتحلق في الفضاءات الخارجية والسياحات التخييلية لسد بعض الثغرات فيها، حتى إن عنوان الرواية ورد في ص29 حشوا لا علاقة له بالنص، كل ذلك أربك السرد وأثار امتعاض القارئ..

وتختم الرواية بإدانة صريحة لأي اعتقال عشوائي لأولئك الذين يحملون شعار التغيير  لتنغلق على إطلاق سراح نهاد بطل الرواية….

{رواية “ذكريات معتقة باليوريا”/ دار فضاءات/ 2015