رواية (أحفاد معاطف السيد غوغول)… قراءة سيكولوجية مغايرة

 

 

 

أ‌. د. حكمت الحلو

شكَلت رواية المعطف للكاتب الروسي نيقولاي غوغول نقطة تحول مفصلية بالغة الاهمية في الأدب الروسي ، وامتد تأثيرها المدوي الى مجمل الأدب العالمي كونها أول رواية تعالج وضعية الانسان المقهور وما يعانيه من ظلم اجتماعي ، وانتهاك لكرامته الإنسانية، ولقد فتحت هذه الرواية مدخلاً جديداً أمام الكتاب بضرورة الانتباه الى الحاجة لبيئة اجتماعية اكثر إنسانية وعدلاً ، وأصبحت الافطار والصور التي تضمنتها رواية المعطف معيناً ثراً للكتاب فيما بعد .

والواقع ان غوغول لم يركز كثيراً على المعطف قدر ما ركز ضمنياً على حياة البؤس والفاقة، والظلم الاجتماعي، وما يتطلبه من قوة التحمل لقسوة الآخرين، وتهكمهم وقمعهم ، بالإضافة الى الضرورات المادية للحياة التي منها (معطف أكاكي) البالي والذي لم يعد يحتمل المعالجة والترقيع إلا بالتغيير التام ، وهنا تكمن رمزية . المعطف، ومطاولة أكاكي لتغييره بمعطف جديد يلبي حاجته وصبره على احتمال البرد.

ومن يقرأ رواية ( احفاد معاطف السيد غوغول) لبيات مرعي يكتشف أنها إحدى مستلات رواية المعطف الاصلية التي تفاعل معها وحاكاها الراوي وانجاز لمضامينها مستخدماً (معاطفه الملونة ) كشخوص ليبث من خلالها رؤاه وتطلعاته وإسقاطاته النفسية والفكرية بأسلوب استعاري ناجح ومقنع.

وفي قراءتنا هذه الرواية ( أحفاد معاطف السيد غوغول ) سوف نتجه بصورة مغايرة ، ولا نسير على وفق القراءات النقدية الأدبية والأكاديمية التي ينتهجها المختصون في النقد الأدبي من تفكيك وتحليل وكنايات وصور ومدلولات وثيمات جاذبة تستدعي الانتباه إليها وتسليط الضوء عليه ، بل هي قراءة مهتم ينحاز فيما يقرؤه الى اتباع منهجه النفسي كمختص فيه ، وليس الهدف من هذه القراءة ابراز ما في هذه الرواية من جوانب ادبية (سلبية أو ايجابية) أو التركيز على مدلولاتها الجمالية والابداعية ونقدها، بقدر ماهي قراءة استبطانيه تهدف الى استكناه أغوارها النفسية وأفكار وتطلعات شخوصها ومديات ما يدور فيها من حراك نفسي واجتماعي ، وقدرة الراوي على تجسيدها واستنطاقها من خلال معاطف قديمة مهترئة تتشابك جوهرياً مع عقلنا الباطن كقراء ، فضلا عن أنها سرديات عميقة ومؤثرة رسمتها ضربات الفرشاة الأنيقة للراوي بيات وعي، وهو يستنطق هذه المعاطف بدقه وإتقان.

والمعطف في هذه الرواية يحمل معانٍ عميقة ترتبط بالهوية والأمان، ويقدم لنا مجموعة لا حصر لها من سيناريوهات مختلفة حيث يصبح الإنسان مثل المعطف عنصراً رمزياً في قصة الانسان وصراعه الدؤوب داخل لجَة الحياة ، ففي العصور القديمة مثلاً ، لم يكن المعطف مجود قطعة ملابس غرضها التدفئة والحماية من العوامل الجوية بل کان جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية ، ويعكس المكانة الاجتماعية والهوية الشخصية ، والارادة الإلهية ، وينبؤنا العهد القديم ان المعاطف لا يرتديها إلا الشفيعات المرموقة اجتماعيا ، وأن البني يوسف كان قد تلقَى من أبيه يعقوب معطفاً طويلا متعدد الألوان كرمز للمحسوبية مما أدى الى غيرة اخوته وأشعل الحسد في قلوبهم ، وقاد يوسف النبي الى محن حياتية غير متوقعة وكما يحمينا المعطف من الظروف الجوية القاسية في الواقع، فإنه يؤدي وظيفة مماثلة في الاحلام أيضاً ، فهو بمثابة حاجز لنا ضد التأثيرات الخارجية أو التغيرات الدرامية ، أو يشير إلى الارتقاء في المكانة سواء كانت روحية او اجتماعية أو مهنية في الأحلام أيضاً فإن المعاطف قد تحمل رمزية عميقة كدليل للبحث عن الراحة والأمان في بعض جوانب الحياة ، أوقد ترمز إلى آليات الدفاع النفسية لدنيا ، أو كيفية اختيارنا لأساليب نحمي بها مشاعرنا وتطلعاتنا وحالة المعطف – في العموم – تقدم دليلاً حيوياً للتفسير ، فالمعطف الجديد أو الذي تم الاعتناء به جيداً يشير الى الرخاء والحظوة ، أو مرحلة جديدة من الحياة ، وبعكسه فإن المعطف القديم او الممزق قد يشير الى مشاعر عدم الكفاءة أو الرفض والخسارة ، وربما تدني مستوى احترام الذات، أو نوعاً من الانتكاسات في الحياة اليقظة ؟ كما أن فهم الفوائد النفسية لمعاطف الصوف يكشف عن طبقات التعقيد المنسوجة في ذواتنا ونفسياتنا مما يوضح كيف يتجاوز المعطف المادي المجرد ليصبح جزءاً لا يتجزأ من هوية الانسان ورفاهته ، وهكذا مقيما يواصل الافراد التنقل عبر التضاريس الدقيقة لأدراك الذات والتفاعل المجتمعي فإن المعطف يظل قائماً كرفيق ثابت يوفر درعاً ضد العالم الخارجي ومرآة تعكس أعماق الانسان وفردانيته.

كذلك فان اختلاف لون المعطف وحالته تقود أيضاً الى تفسيرات نفسية اكثر دقه وتعد علامات ارشادية لكل ما يعتمل داخل الفرد من ارهاصات وانفعالات ، كما أن الوان المعاطف تتحدث الى كل شخص بشكل مختلف بناءاً على تجاربه الشخصية وسياقاته الثقافية ، وتعد نقطة انطلاق لفهم ما يدور في العقل الباطن من نزعات وصراعات وتوترات وآراء .

إن اختلاف الوان المعاطف في هذه الرواية ومدلولاتها الرمزية هي فروقات توفر لنا تلميحات نحو تفسيرات دقيقة في المنطق والمفهوم ذات ارتباط وثيق بحقيقة الانسان وحياته وتطلعاته وانكساراته ، وهي اشارات الى أنه لا ينبغي لنا ان تعفي أنفسنا من مسؤولياتنا في الحياة، ونتجنب الاجراءات الضرورية في واقعنا المعاش، أو التنبؤ بالأحداث المستقبلية ، أو البحث عن رسائل إلهية في النهاية ، فالمعاطف المنسوجة بالوان متعددة ومعقدة وجميلة وفريدة من نوعها بالنسبة لمن يرتديها قد يستغرق فك خيوطها بعض الوقت والصبر، ولكننا قد نجد في طياتها رؤى لا تقدر بثمن، والمعاطف في هذه الرواية تقدم لنا رسائل قوية تنتظر الكشف عنها مخيوطها تكشف لناعمة تصورات حول حياتنا وقناعاتنا والتزامنا بالقضايا التي نؤمن به وندافع عنها وفي هذه الرواية لم يشدني قدرة الراوي في أنسنه معاطفه التي هي محور الرواية ، وقدرته ايضاً على استنطاقها واستدرار خلجاتها ومكنوناتها الداخلية العميقة وحسب، بل قدرته أيضاً في أنسنة المكان ووصفه بدقة وبراعة عفونة المكان ، ورائحته ، ورطوبته ، وعتمته ، والتفاصيل الشكلية للمعاطف ، وحركة المخلوقات الصغيرة في هذا الحيز البهيم بجرية وأريحية وفرها له جو المكان وفرادته الشكلية الموبوءة بكل تجليات الوحشة والغرابة والنفورة ، فالمكان هنا يكتسب دلالته ومفاهيمه من الشخصية التي تعيش في حيَزة وتتفاعل معه، ويكون ادراكها له إدراكاً حسياً يتجلى في مشاعرها وتصوراتها لعوالمها الداخلية المادية وغير المادية على حد سواء، فالمكان في هذه الرواية هو حيز حقيقي للمشاعر والحدوس حيث تنشأ بين الشخصية والمكان علاقة متبادلة يؤثر فيها كل طرف على الآخر وبشكل يظهر فيه المكان معبراً عن الشخصية ومنسجماً مع رؤيتها للكون والحياة ، وحاملاً لبعض الافكار والتطلعات ، فضلا عن كون المكان هو زاوية الرؤية الداخلية التي ينطلق منها الروائي ويحددها في روايته ، فهو ثمرة العلاقة المتفاعلة بين المكان والشخصية …
وقد نجح بيات مرعي في توظيف هذه العلاقة بلغة شفافة شكلت المكان النفسي والمادي وجعلت منه كياناً مادياً ملموساً نابضة بالحياة

لا يمكن التعامل معه بمقاييس الجغرافية والهندسة ، فالمكان بالنسبة اليه حيز لغوي يؤدي وظائف فنية ودلالية ونفسية ويحمل إيماءات لا بد من البحث عما يلزم عنها لفهم التوظيف الفني بشكل موفق و مفهوم .

وبإحاطة اجمالية لما تقدم مقد ركز الراوي بيات مرعي وعن فهم وانتباه على ذاتية شخوصه في الرواية من خلاله هو كراوٍ فلم يقتصر دوره على ما تنطق به هذه الشخوص في محاوراتها ، بل في صياغة ما تشعر وتفكر فيه بصفتها مستودعاً مؤنسنا يكتظ بالعواطف والمشاعر والافكار الكامنة المخفية غير الظاهرة ، إضافة لكونها محتوى سايكولوجياً خصباً ومعقداً معاً مليئ بالتوترات والانفعالات التي تغذيها وواقع داخلية تؤثر في سلوك الشخصية وتكشف عن الكثافة السايكولوجية التي تمتلكها ، وعلاقتها المتوترة بالآخرين، كما استطاع الراوي وبذكاء ملفت من صياغة الخطاب للحياة الداخلية للشخصيات، وأن ينقل ومضات افكارها الواعية واللاواعية ، وصياغة وتفسير ما يدور في دواخلها بشكل يفوق قدرتها على صياغة تلك الدواخل ونقلها، واستطاع أن يؤنسنها ليتمكن من استدراجها وتفريغ مكنوناتها ، وتصوير مخاوفها ورغباتها وحوافزها كذلك فإن الراوي قد اقتحم المنطقة الذهنية لشخصياته أيضاً مستخدماً المونولوج أو اسلوب التداعي الحر لسرد الاحتمالات الذهنية الداخلية من احلام ورؤى ونزعات محاولاً إضاءة المناطق الأشد ظلمة في الحياة الذهنية للشخصية وادراجها في سياقاتها وأنساقها وفقاً لمتطلبات النص وما يحتويه من صراعات وحالات نفسية كالحصار النفسي والفجر والشكوى والانفعال والخوف والقلق وغيرها من الارهاصات النفسية …

لقد أثبت الروائي بيات مرعي أنه يمتلك الكثير من مقومات التشكيل والبقاء الثقافي والفني في كل ما ينجزه مرتكزاً الى مخزون معرفي واسع أهله للولوج إلى البواطن النفسية الخفية والعميقة للإنسان مكنته من صياغة سرد محكم البناء واجتراح مواقف إنسانية دقيقة وواثقة سواء من خلال عينه الجوّابة التي تعمل بما يشبه عدسة المصور أو من خلال قدرته على النفاذ الى دواخل الشخوص وهو يرصد حركتها ونوازعها، وقدرته على قراءة واستبطان ما يعتمل في دواخلها، وهذه القدرة والمَكَنَه لم تأت من فراغ فالعودة الى البناء المعرفي والثقافي لبيات وعي يرتكن في اساسه الى كونه فنان مسرحي قبل أن يكون راوياً مجيداً ، ولعل من مستلزمات التكوين المهني والحرفي للفنان المسرحي أن يكون دارساً وواعياً ومدركاً إلى أنه مختص يفهم الانسان وحركة الحياة والمجتمع، وكل ما يدور حوله من اشكاليات ووقائع حياتية وارهاصات اجتماعية ، فضلاً عن قدرته على ترجمة افكاره ومفاهيمه إلى اعمال ممسرحة هدفها الاول والاخير هو تغيير ما هو كائن إلى ما هو أبهى

واجمل في واقعه المعاش ، وهذا ما مكّنه من أن يلج الى عالم الرواية بانسيابية ومرونة دونما تكليف أو اصطناع ، لذلك فإن القارئ رواياته يستشعر أجواء المسرح والتمثيل وحركة المجتمع من خلال ما يكتبه أو يرويه ، فالرواية لديه مسرح والعكس صحيح ، وهذه قدرة يفتقدها بعض الرواة الذين يشغلهم السرد والتنظير الجمالي بعيداً عن الهدف الرسالي للرواية ، وهو التغيير والتصحيح لما هو سائد وكائن .