رعوة فاوست – نصوص – سعد سعيد

رعوة  فاوست – نصوص – سعد سعيد

أتعرف شيئا؟! أنا أعرفك منذ البدء.. وكنت مقتنعا أني ملاقيك ذات يوم.. لا محالة.. وحينما رأيتك في ذلك الكتاب، تعرفت عليك فورا، وأدركت أن أوان المواجهة قد حان..أنا لا أعرف أية ظروف ظالمة تجعلكم موجودين في حياتنا، ولا كيف تسمح لكم بأن تنشبوا أظفاركم القذرة في أقدارنا؟!.. ولكنكم موجودون! أما أن تطلب مني أن اقتل رياض.. صديقي رياض.. فهذا كثير جدا.. توقعت أن تحاول إقناعي بإيذائه.. أو أن ابادل محبته لؤما.. ولكن قتله.. لا.. لا، لم يكن لي أن أؤذي هذا الإنسان الجميل ولو بكلمة لأنه لا يستحق، فكيف أقتله ويحك.. اي حقد يسيّرك يا هذا، وأي صديد يجري في عروقك.. لا لن أطيعك.. لن أسايرك حتى، فأنت غريب عني.. ومثلك مستحيل أن يكون بشرا.رياض!.. أرياض من تريدني أن أقتل؟.. لا، لا.. فتعاليمك تفرض ذلك، ولكن رياض! مستحيل، فهو صديقي.. بل هو أكثر من صديق.. وحتى لو إفترضنا أنه يختلف عني كما تدّعي وهو ما تسوّغ به قتل الآخر، فمتى كان يجب أن يتشابه الأصدقاء.. ومتى كان عليهم أن يتصرفوا على شاكلة واحدة.. الصداقة يا هذا ليست أمرا سهل المنال، ومثلك لا يمكن أن يدرك أهميتها في حياة الإنسان السوي، وهي الشيء الوحيد الذي يجب أن أقيم له إعتبارا عندما يتعلق الأمر بهذا الانسان الجميل، رياض.حسنا، دعني أحدثك عن رياض ما دمت تريد أن تقنعني أن أؤذيه لأني أفضل منه!.. أليس هذا ما تقدمه لي حجة لإسفافك وتطرّفك في الشر.. لأني الأفضل يجب أن أكون أنا من يبقى وليذهب الآخر إلى جحيم.. حسنا، ساكلمك عنه، ولكن الذي يجب أن تعرفه مقدما، هو أن رياض يختلف عني بالفعل.. يختلف كثيرا.. ومع ذلك.. ورغم قصر المسافة الزمنية التي ارتبطنا خلالها كأصدقاء.. بل أن علاقتي به تعتبر الأقصر بين علاقاتي بأصدقائي المقربين، إلا أنها كانت الأغنى والأحلى والأحسن بالنسبة لي.. نعم أنا أعترف لك بأني شعرت بمدى غرابة هذه الصداقة كما كان يخيّل لي، أحيانا.. وأؤمن بأننا لو كنا قد ألقمنا حاسوباً، المعلومات الشخصية الخاصة بكل منا لينتقي لنا أصدقاء، لكان من المستحيل عليه أن يرشّح أيا منا للآخر!.. ولكن هذا ما حدث.. وقد كانت أياما لا تنسى تلك التي قضيناها معاً.. ثم تأتي أنت يا نسل الشيطان لتؤلبني عليه.. يا لهوان مراميك!.. أنت توسوس لي طوال الوقت أني أفضل منه.. حسنا لأكن!.. فهل هذا يعطيني الحقّ في أذيته.. ولكن لم السؤال، فالأمر محسوم.. وأنت تريد أن تعرف من منّا الأفضل.. حسنا، فلتعرف.أيها النذل، لقد أحبّ رياض، كل من عرفه.. هذا ما لاحظته طوال السنوات التي إمتدت على مدار أيامها، علاقتنا.. فيما كنت أنا.. ولم أزل أمتلك، أحيانا، (الكاريزما) اللازمة لإكتساب بعض الأعداء، ممّن أحتكّ بهم! .. فهل أنا أفضل؟!.. هو يصرّ على أن يحيا حياته بسلام وهو يرتشف حلاوتها عبر البهجة التي يشعر بها بممارستها وفق رؤاه هو.. وعلى العكس منه أصررت على أن أعيش هذه الحياة البائسة التي يجب أن لا تثير إهتمام عاقل، بجدية، أو في الحقيقة يمكنك أن تصفها باي صفة تشاء ما عدا تهمة (البهجة) تلك.. فهل أستطيع إدّعاء التميز عليه؟!.. نعم، رياض نقيضي حتى في كوني رجلا آثر أن يعيش حياته واعيا على قدر المستطاع.. فيما يحرص هو على أن يقضي مساءاته، وجزءا كبيرا من الليل، مخموراً.. ليقضي نهار اليوم التالي محاولاً أن يعتذر مني لأنه حمّلني عناء إعادته إلى البيت بعد أن تسلبه رشده الكؤوس.. لا تبتسم يا كالح الوجه، ففيض طيبته كان كفيلا بغفران أي خطأ يرتكبه، مهما كبر.. وهو لم يرتكب من الأخطاء إلا أهونها.

يا إبن الزانية، أنا لا أعرف لم كان يجب أن تكون بهذه الدرجة من النذالة.. ولكني أعرف رياض جيدا، فطوال أربع سنوات حاول بأقصى ما يستطيعه من جهد أن يشعرني بالراحة الكاملة ما دمت معه، عبر توفير كل ما من شأنه إسعادي.. ولكن هذا لم يكن يمنعني من التصرف بلؤم أحيانا، عندما نتورط في احدى  تلك النقاشات التي تعودنا على خوضها.. كنت أجرحه، ولكنه كان دائما يصرّ على إنهاء المناقشة في النهاية بواحدة من إبتساماته الرائعة والتي كان باستطاعتها أن تشلّ كل ردود فعلي المتشنجة عندما يبدأ بالاستهزاء من ولعي المرضي (كما يحلو له أن يصف شغفي بالقراءة والإطلاع) بالكتب.. ومع ذلك أيها اللعين، كان هو مصدري الأول للكتب، ولن أنسى ما حييت كل الكتب التي كنت أحلم بقراءتها، ووفرها لي.. فهل عرفت الآن من هو الأفضل بيننا؟!كيف أجعلك تفهم يا ابن جلعاد ما يعنيه رياض لي.. كيف أجعلك تفهم وأنت مدنّس بدم الآلاف من بني أفرايم وهو نفسه دمك أيها الملعون، ومع ذلك لم تتورع عن إهداره في حفلات جنونك الوحشي!.. فكيف أجعلك تفهم مدى إنسانية العلاقة التي تربطني برياض.. رياض الذي يقترب مني بشدة رغم الاختلافات الواضحة الموجودة بيننا، فهو مثلي حيي، ويحاول أن يكون صادقا مع الناس الذين يحبهم.. حاربنا سوية جنون تلك الأيام ووحشيتها بعيش كل ثانية من ثواني ليل بغداد الصيفي ونحن سجينا غرفته، محاولين أن نذوب في ذكرى سكينة وهدوء تلك الليالي الساحرة التي قضيناها وخطواتنا ترسم آثارها على ضفاف دجلة.. دفّأنا أنفسنا في الليالي الباردة بجذوة الصداقة وكانت تدفئنا بالفعل.. رفضنا حكم الأقدار الجائر وتآمرها لفصلنا بتقاربنا المستمر.. والأهم من كل هذا هو، أننا كنا نمتلك دائما القدرة على التواصل مع الأشخاص القابعين في الجانب الآخر من حدودنا البشرية.

تأمره، قل (شِبولَت)، فإن قال (سِبولَت).. تقتله؟!.. يا ويح أمك العاهر.. تقتله؟! هكذا وبكل سهولة تنتزع حياة إنسان بسبب حرف أو لكنة؟! ما همّك لو قالها بالسين أو بدّل الضمة بكسرة، كما تعوّد؟!.. ولكنك مجبول على القسوة, ولا تجد نفسك إلا في القتل والإيذاء.. أما أن تطلب مني أن أقتل رياض!.. لا فهذا كثير.. كثير جدا حتى على أمثالك.. ثم لتعرف فقط، أنا لن أستطيع ذلك لأنه لا يعيش الآن إلا في وجداني، وهو يقولها شِبولَت وسِبولَت أو بأية طريقة يريد.. سِبولَت! سُلِبَتْ روحك القذرة من جسدك أيها الدنيء.

 أنا أعرف أنك خالد ما دام الإنسان مبهضاً هذه الأرض بثقله.. وأعرف أن بإمكانك أن تقرأ أفكاري بسهولة، ولذلك أحكمت لك الفخ في داخلي.. نعم أيها الأبله، لقد أوهمتك وسمحت لك أن تنعم بتصورك أنك قد أوقعت بي، أوهمتك لأني أعرف أن أفضل فرصة تتاح لي هو أن آخذ عدوي على غفلة، وهل من غفلة أفضل من الوهم؟! آه كم كنت متلهفا لصيدك لألقنك درسا وأتخلص منك نهائيا.. لا، لا، أنا أعرف أني لن أستطيع القضاء عليك، ولكني أردت أن أواجهك وأهزمك شرّ هزيمة.. الهزيمة النهائية التي لن يكون لك أن تنبس بهمسة شرّ من بعدها.. ابداً.

قال لي رياض في آخر رسالة كتبها لي.. “أنت من نوع البشر الذين يستحقون الحياة، فشكرا لأنك كنت صديقي في هذه الدنيا”.. قالها لي كتابة أيها المعتوه لأنه لم يتمكن من أن يقولها لي بنفسه.. لأنه.. كان قد.. رحل.. نعم رحل وهذا بالضبط ما يجعله منيعا إزاء قدرتك على الإيذاء يا ملعون.. خدعتك ايها النذل، فهو لا يعيش الآن إلا في وجداني بعدما كتب لي تلك النبوءة.. ورحل.. النبوءة التي لم اقرأها إلا بعد أن وجدت نفسي وبمصادفة مأساوية حاضراً مجلس الفاتحة الذي أقيم على روحه!

أتصورت أني معرّض حياة إنسان حيّ للخطر خلال تلاعبي بك.. هذا مستحيل، فأنا أدرك مدى خطورتك، ولذلك أوهمتك بأن رياض حيّ لكي توسوس لي بشأنه، فأذيقك مرارة الهزيمة والعار.. ولكن عمّ أتكلم، فأنت لن يهمّك.. أنت نقطة دنس في جبين الانسانية.. بل بحر من دنس يا يفتاح  اللئيم.. أنا أعرف أنك كنت تكمن لي خلف غروري، وتتحين لي الفرص وأنت تتمترس بإعتدادي بنفسي، وتحوك مؤامراتك بالتضامن مع أنانيتي.. ولكنه علمني التواضع، وحبّب لي المحبة فأمّنني شرور نفسي وجردّك من اسلحتك أيها اللقيط، قبل أن يرحل.. يا لحزني عليه، لقد رحل.. ولن يستطيع مثلك أن يتصور وجود إنسان مثله.. ولكني مسرور لأنك بتّ تعرف أني لم أزل ألتقي به، وأنعم بصحبته رغم مرور كل تلك السنوات على موته.. نحن نلتقي في أحلامي، فأحاول أن اعبّر له عن اسفي الشديد لعدم قدرتي على أن أكون صديقا مخلصا له، كما كان.. ولكنه يرفض.. يرفض بإصرار أن يوافقني على أقوالي.. يردعني بإبتسامته المحببة وهو يسألني عن إحتياجاتي.. عن أحلامي الأخرى، ليحققها لي.بتّ تعرف الآن من هو رياض يا وريث دناءات البشر.. رياض الذي رغّبتني بقتله.. فهل عرفت من منّا كان الأفضل يا سليل حثالات الناس.. ففيما كنت عاجزا دوما عن أن اكون أكثر من مجرد رجل، كان هو يمتلك طوال الوقت القدرة على أن يكون ملاكا.. فماذا أقول أكثر؟!