رصاصة رحمة – نصوص – موسى الهاشمي

رصاصة رحمة  – نصوص – موسى الهاشمي

… في الثالثة بعد الزوال يتعين على الشوارع والأرصفة والأزقة والجدران أن تلتهب، فالشمس تضع أوزارها في تلك الساعة بإصرار يفقد الأعصاب ، ويصبح من العسير السير على الأقدام ، ورغم ذلك لا نجزم أن الحياة متوقفة تماماً في بغداد؛ فالمحال التجارية تظل مفتوحة للزبائن . وقد نلمح عابري سبيل مسرعي الخطوات، وأصحاب العجلات يترجلون من عجلاتهم ويدخلون المحال التجارية وأسواق البقالة ، بغية التسوق، وأطفالاً يدفعون عربات يد لحمل البضائع الثقيلة. ولا نستبعد أن نرى رجلاً هرماً، كث الذقن يتربع تحت ظل شجرة ويمسك بين أصبعين سيكارة مشعلة يتسرب دخانها إلى الأعلى مثل خيط غليظ، وفي اليد الأخرى قدح شاي ساخن جداً يحتسيه بتثاقل وتكاسل وتلذذ ، كما لو أنه يجلس في روضة واسعة، والحر لا أثر له.

    والحقيقة المطمئنة التي ينبغي عدم تجاوزها أن الشمس تبلغ ذروتها في منتصف تموز من كل عام منذ زمن كلكامش. حيث تتمطى مثل أفعى تخوض غمار مخاض صعب.

   في الغسق القريب، نواجه أشعة مبهرة، ونهارآ ينهار ويتحطم ويمسي هامداً كالهشيم، والنار ستشب في أية لحظة لتحرق كل شيء، بيد أن شيئاً من ذلك لا يقع، رغم أن الحرارة تربو على الخمسين ببضع درجات.

   لا غرو أن عقدت الدهشة ألسنتنا ونحن نشاهد شخصية متميزة في هيئتها تتجلى في مثل ذلك الوقت وتبرز في مثل تلك الساعة من أحد أزقة حي البتاويين منحدرة في شارع السعدون ، غير آبهة بذروة الحر، أو هي في مهمة عاجلة لا تقبل التأجيل. سار صاحبها مشرئب الهام، في حين الواجب يملي أن يطأطئ ليتفادى أشعة الشمس المحرقة.. حتى إذا كان يضع نظارة سوداء فوق عينيه؛ كما كان مثيراً للانتباه في نقل خطواته الواسعة المليئة بالنشاط والعزيمة والإصرار، رغم أن الشيب قد أستوطن رأسه وكشف تقدمه في السن.

   بكل تأكيد ، نتعقبه بحكم عملنا ، خطوة عقب خطوة ، ونقف على جلية الأمر مدفوعين بالفضول ، والشك أيضاً. ان التدقيق والتأمل جعلنا نخمن إنه ليس من أهل المدينة ، فقميصه الأزرق ذي النصف أكمام ، وبنطلونه الجينز الأسود ، وحذاؤه البني الغامق ، والكاسكيت الأبيض الذي يظلل رأسه ويخفي نصف جبهته ، أضفى عليه طابع الغرابة . والذي أثارنا أكثر وأكد وجهة نظرنا الحقيبة الصغيرة المتدلية على ظهره.

   مسح العرق المتصبب وأزال أثره عن وجهه. ثم بـدا سينهار. تطلع يبحث عن ظل يقيه لفح الشمس دون جدوى ؛ فكل ما حوله جدران أسمنت ، تبدو وكأنها ستتقد . ثم زاغ في زقاق جانبي ليظهر في شارع أبي نؤاس المحاذي لنهر دجلة ، فانقلبت الرؤيا أن يكون أجنبياً . مال ليقترب من مجرى النهر . تأمله طويلاً، والتقط صوراً عديدة. ثم أتضح على قسماته التذمر والامتعاض . فقد وجد ماء دجلة ملوثاً ، حائل اللون ، متصفاً بالاخضرار ، وشحيحاً يصلصل في قعر النهر ببطء شديد وتنبعث منه روائح غير مستساغة . لكن وجد الشارع المحاذي للنهر تظلله أشــجار السدر واليوكالبتوز . فسار بثبات ورغبة ؟ وكانت العجلات المارة بجانبه مسرعة ، رغم ذلك لم يفكر أن يكتري تأكسي ، لذلك لا نشك أن رحلته قصيرة. وسيبلغ غايته عما قريب . توقف لحظة. أخرج علبة سجائر أجنبية . دخن يتلذذ. ثم قطع الطريق…

     اهتزت الصورة . هل هو شخصية بارزة خشيت أن تسلط عليها الأضواء ففضلت التخفي والسير على الأقدام ، واختارت ذلك الوقت بعناية، الذي لا يناسب أحداً، أم رغبت تلك الشخصية تبديد السأم، أم دعاها داع؟

   توقف الرجل في ساحة التحرير فوقفنا على نحو عشرة أمتار منه. أخرج الكامرة الحديثة من حقيبته ثانية وراح يلتقط عدداً من الصور لنصب الحرية المتربع بعلو على رأس ساحة التحرير . ثم دقق النظر طويلاً في النصب .

 رأينا وجهه ينكمش . لم يعجبه الطلاء الحديث. إنه طلاء لا يتناسب وأهمية النصب . أيد جاهلة لطخته بلون برنزي غير لونه

. ربما وقفت وراء ذلك أيد خفية، لهاذا تعين أن يطلق ابتسامة صفراء، ويقطب حاجبيه ويغادر كسفاً.

   عاد من حيث ظهر.

   لا شك إنه أحد أعمدة الفن. قد يكون شهد مجد بغدادَ ثم هاجر إلى أوربة مع مَن هاجر خشية ملاحقته وإلصاق تهمة تفضي إلى تصفيته .. بعد أن أصبحت التهم الباطلة تكال إلى كل مثقف غير مطاوع .. ليقاد إلى المشنقة.

   اليوم عاد إلى أرض الوطن ليجد بغداد وقد باتت لا تسر الناظرين وأسوأ مزبلة عالمية للنفايات. وجدها نتنة ومقززة، أقرب إلى حظيرة ماشية منها إلى مدينة تستوطنها أجناس يصنفون بشراً.

   ارتمى على كرسيه والعبرات تتكسر في صدره. لاحظ أن أحد مساند كرسيه القديم قد خلعت ولا سبيل إلى أصلاحها. وأن أثاث منزله قد أستباحه الإهمال، وأكلت دودة الأرض نصفه الآخر، ولون قماش الستائر منفراً، وطلاء الجدران قد تقشر. وفي سقف الحجر تشكلت بقع داكنة جراء تسرب المطر، وأن حديقة المنزل يبست أشجارها ولم تعد مزهرة، وأن زجاج النوافذ قد تصدع، وأن العنكبوت وضع الكمائن في كل الزوايا. ففكر انه لم يعد بوسعه إصلاح كل ذلك الخراب المتسع وقد شمل البيت بأسره. وفكر أن ليس أمامه سوى تقبل هذا الواقع المر والمقزز أو العودة إلى أوربة ثانية ليموت في غربة هو مكره على تقبلها، ففاض في مقلتيه الدمع.

   في تلك اللحظة الحاسمة عاد ابنه البكر، الوحيد الذي فضل البقاء في العراق وعدم مغادرة البيت من بين أبنائه. لقد فارق الأب البيت منذ عشرين عاماً. تركه في أحضان ورعاية زوجته وأبنه . وقد توفيت الأم بعد عشرة أعوام إثر مرض تولاها مبكراً.    نهض ليأخذ أبنه بالأحضان ولكن ببرود جلي. والابن لم يستسغ ذلك الحضن، فتبادلا عدم الاكتراث.    ظهر كل شيء غامضاً. كانت عودة الأب مفاجئة غير مرحب بها من قبل الابن الذي أستساغ الحرية المطلقة وعدم وجود رقيب على سلوكه. أو لسبب أخر غمض عن فطنتنا…

 ما لبثا أن انخرطا في حوار جاف، ركنت على أساسه الأشواق والمودة جانباً  أراد الأب أن يكشف عن شيء دار في خلده ثم أحجم فأطرق، لكن الابن قال:

ـ متى عدت؟

 وجد الأب السؤال غير ذي أهمية، فأجاب بغير رغبة:

ـ قبل ساعات.

ـ كان عليك أن تبلغني!

عقد الأب حاجبيه، دليل رفضه الأسئلة التافهة.

ـ فضلت المفاجأ.

 بعد ثوان صمت ضاق الأب  ذرعاً بتدافع الأسئلة في صدره، فسأل:

ـ لماذا تركت الدراسة؟ ألم يكن المال الذي أبعثه في أول كل شهر مجزياً؟

أطرق الابن ثم أخفى نظراته جانباً؛ فعاد الأب إلى الأسئلة التي لا مناص من طرحها:

ـ ما هذا الجرح الغائر في جبهتك؟

تمتم الابن وتلمس أثر جرح قديم:

ـ جرح ماض.. شجار ضد رجل سخيف.

قطب الأب حاجبيه ومحص صفحات وجه أبنه بتمعن، وسأل ثانية:

ـ وما قصة هذا الجرح على اللغد ، والجرح الآخر على الذقن ؟ هل أنت تتشاجر كثيراً؟

رد الابن بلجاجة : لم يعد العيش يسيراً ولا الحياة سهلة . ثم أضاف:

الشرفاء وحدهم من يدفع ثمن الفوضى العارمة. أجد نفسي في غابة! سكت ثم عقب :

 أردت أن أبقى، هذا كل ما في الأمر!

وضع الأب الابن في دائرة الضوء الساطع ولم يتح فرصة الإفلات:

ـ هل أنت عضو في عصابة أم قائد عصابة؟ قبضة المسدس المخفي تحت قميصك واضحة، وأشك انك تخفي سكينا في مكان ما في ثيابك!

ـ الأعمال متوقفة تماما بعد التغيير …وكان لابد أن أحصل رزقي .

أنبرى الأب مفزوعاً:

ـ ما هذا؟ بنان مقطوع !! وتلمس كف ابنه باهتمام شديد.

ـ قطع بسكين في شجار غير متكافئ.

صمت معبّر:

انقطع الأب عن الأسئلة لدقائق معدودة ثم عاين سوء حال البيت ثانية، وليثبت انه ليس على خطأ، قال فجأة:

ـ البيت مهمل إهمالاً شاملاً . كان يمكن أن تجدد طلاء .. وتنام نوماً مريحاً.   الساعة…حاله مزر.  يبدو للعيان مثل كهف شيطان؛ فلا مصباح مضيء ولا سرير نظيف، ولا جــدران لامعه؛ بينما تركته مثل زهرة يانعة في حديقة غناء. ثم أضاف وهو يهز رأسه ضيقا ومرارة: لا أدري، لا أدري كيف رضيت…

وأكد بامتعاض:

ـ الحال منفره .انه أشبه بجحر مهجور فقد معالمه. ألم تقل في إحدى رسائلك إنك  في حاجة إلى ذلك المال؟ لقد اقترضته من احد البنوك مقابل فائدة كبيرة. في أية جهة بددته؟

صمت قصير وقلق كبير:

عاد الأب إلى لغة التقريع:

ـ كيف سولت نفسك أن تكذب في رسائلك التي كنت تبعثها ؟

ـ الحياة لم تعد تطاق، والكذب وسيلة عيش مفضلة في البلد.. طريق سهل للنجاة مــن السلطة ومن أسياد المجتمع .. قادة ومريدين، ووسيلة ناجحة للخداع .الناس تكره الصدق وينظرون إلى الصادق على إنه إنسان وديع.. خداعه والتلاعب بمشاعره سهل للغاية.

ـ أكرر السؤال. أين المال ؟ كان يمكن ….

صمت مخيف يشبه الظلمة. واصل الأب القول:

ـ كان يمكن أن تكون رجلا ناجحاً ومميزاً أو عالماً من الكبار..أكثر روعة وجمالاً وصفاءً مما أنت فيه الآن، لو لم تنقطع عن الدراسة. المال الذي أرسلته كان سيجعلك من أعيان المجتمع بدلا من أن تكون تافهاً وجاهلاً، لا تساوي شيئا؛ بل أنت اليوم احد حمقى المجتمع المغرورين بقوة عضلاتهم .لكن مهلاً، العضلات ستتلاشى ذات يوم .هل فكرت بهذا؟

واسترسل في صب جام غضبه:

ـ ما مستقبل رجل عصابة يمتهن القتل والسرقة ؟ ستجد البلدية جسدك ملقى على احد المزابل المنتشرة في بغداد مثل جثة كلب سائب وقد أخترقه الرصاص وستقيد الجريمة ضد مجهول!

ـ انت تهينني بقسوة ,ومازلت تعاملني وكأني  غراً.

ـ في نظري ما أنت إلا أحد الحمقى المغرورين.. تستحق التأديب .

بعد صمت مخيف. وقد نفّس الأب عن صدره، شبك بين أصابع كفيه ووضع ساق فوق ساق , وتمتم ببرود:

ـ سأغلق البيت بوجهك بأي ثمن ثم أغادر إلى أوروبة. هذا البيت ليس لمن هو مثلك.أنت عاق وملعون. ربما كان موت والدتك المبكر ذات صلة بتركك الدراسة أو الانخراط في عصابة .انت مجرم  ضليع بالأجرام وإلا لمَ تخفي سلاحاً تحت ثيابك بشكل دائم!

قال الابن وقد وجد نفسه مثل قط بري محاصر ومهدد بالموت:

ـ ما هذه القسوة؟ لا مأوى لي سواه . الم تفكر في هذا؟ إلى أين سأذهب؟

ـ بكل تأكيد سيكون مأواك الشوارع.. فهي أليق بمن هو مثلك!

كشر الابن عن أنيابه ورد بوقاحة وقد وجد المجهول يفغر فاه واسعاً أمامه:

– هل تعرف؟ أنا لا أعترف بأبوتك!عشرون عاما خلت وأنت بعيد، تشوهت الصورة, وضاعت المودة , وخبت العاطفة وفقدَ الاحترام. أما من جانبك بدوت تعاملني بقسوة لا يعرفها أب.

– لم تفكر بأهمية هذا البيت بالنسبة لي فتركته لمهب الريح، ولقمة سائغة للجهلة والقتلة واللصوص ومأوى للغرباء.. لقد أهملته عن سبق إصرار وتعمد, وفضلت العيش في جهالة بدل العلم. وبعد هذا تجلس قبالتي لتطالبني بالإنصاف والحسنى واللطف؟ على أي أساس أقوم بذلك؟ هل أنت ابن بار؟

ثم أضاف وصدره يعلو وينخفض بشدة:

 ـ سأغلق أبوابه بوجهك، ولن أعطيك فلسا واحدا بعد اليوم. لن يضمك مأوى غير الشوارع.

 ثم أضاف وصدره يؤلمه:

 ـ ان من يفعل ببيت أجداده وأبيه ما فعلت عاق وحقير وتافه. لو لم يكن لديك مال لتلمست لك عذراً وخففت غلو عقابي.

ـ هذا نكالا يخـــــــفي غوائل رجل حقود لا يعرف الرحمة!

ـ كان لديك كل ما يحافظ على البيت ويزيد بهاء إلا انك….   فقد الابن صوابه فأطرق وقد سيطر عليه شعور التشرد والجوع وعدم وجود مأوى ثان يضمه ثم اطرق طويلا ورفع رأسه ثم استل المسدس وأطلق الرصاص على أبيه ولما رآه يحتضر ويتألم مضرجاً بالدماء أطلق رصاصة رحمة على الرأس..!

وعاد إلى متكئه واخرج علبة سكائر وراح يدخن ويفكر بهدوء في إخفاء جثة أبيه عن الأنظار.. كان شيئا لم يكن.