ردة‭ ‬فعل‭ ‬متوترة‭.. ‬وحوار‭ ‬مناكفة- د.نزار محمود

أجلس‭ ‬في‭ ‬عربة‭ ‬قطار‭ ‬متنقلاً‭ ‬في‭ ‬برلين‭. ‬في‭ ‬احدى‭ ‬المحطات‭ ‬يدخل‭ ‬رجل‭ ‬خمسيني‭ ‬يزين‭ ‬اذناه‭ ‬بأقراط‭. ‬بعفوية‭ ‬اشمئز‭ ‬منه‭ ‬وأشعر‭ ‬انه‭ ‬جرح‭ ‬إحساسي‭! ‬لماذا؟

سأحاول‭ ‬محاورة‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬نفسي‭.‬

لما‭ ‬الاشمئزاز‭ ‬من‭ ‬رجل‭ ‬يحمل‭ ‬أقراطاً‭ ‬ولم‭ ‬يبد‭ ‬عليه‭ ‬عداوة‭ ‬للآخرين،‭ ‬ولا‭ ‬يجبر‭ ‬أحداً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬يحملها‭ ‬لأنها‭ ‬أعجبته،‭ ‬أو‭ ‬وجد‭ ‬فيها‭ ‬راحة‭ ‬نفسية‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬ما،‭ ‬أو‭ ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭.‬

ولكنها‭ ‬تجرح‭ ‬الذوق‭ ‬العام‭! (‬أناكف‭ ‬ما‭ ‬ذهبت‭ ‬اليه‭).‬

كيف؟

لقد‭ ‬اعتدناها‭ ‬عند‭ ‬النساء،‭ ‬نحن‭ ‬معشر‭ ‬الرجال،‭ ‬وأنكرناها‭ ‬عند‭ ‬الرجال‭ ‬تخنثاً‭!‬

ولما‭ ‬تنكرها‭ ‬على‭ ‬الرجال؟

هكذا‭ ‬تربينا،‭ ‬وهكذا‭ ‬ساد‭ ‬ذوقنا‭ ‬العام‭.‬

ولكن،‭ ‬ألا‭ ‬تجد‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تجاوزاً‭ ‬على‭ ‬الحريات‭ ‬الشخصية؟

ان‭ ‬هذه‭ ‬الحرية‭ ‬الشخصية‭ ‬تشجع‭ ‬على‭ ‬التمرد‭ ‬على‭ ‬عاداتنا‭ ‬وتقاليدنا‭!‬

وهل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يهدد‭ ‬بخطر‭ ‬على‭ ‬مجتمعنا؟

بالتأكيد‭. ‬فللعادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬فعلها‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬مجتمعنا‭ ‬وضبط‭ ‬ايقاع‭ ‬علاقاته‭.‬

حتى‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬قهر‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬ميولهم‭ ‬ورغباتهم؟

نعم،‭ ‬فللآخرين‭ ‬حقوقهم‭ ‬على‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬مراعاة‭ ‬مشاعرهم‭ ‬ومجاراة‭ ‬أذواقهم‭.‬

هذا‭ ‬يعني‭ ‬أننا‭ ‬سنبقى‭ ‬كمياه‭ ‬راكدة‭ ‬في‭ ‬بركة‭ ‬الحياة‭. ‬وكما‭ ‬تعلم‭ ‬فإن‭ ‬المياه‭ ‬الراكدة‭ ‬تتعرض‭ ‬الى‭ ‬العفن‭ ‬فتصبح‭ ‬غير‭ ‬صالحة‭ ‬للحياة‭.‬

وهل‭ ‬يستوجب‭ ‬ذلك‭ ‬تحريكها‭ ‬بما‭ ‬يثير‭ ‬أوحال‭ ‬قاع‭ ‬الأرض‭ ‬فيعكرها‭ ‬فتغدو‭ ‬مياه‭ ‬آسنة؟

أنتم‭ ‬الراغبون‭ ‬بركود‭ ‬المياه‭ ‬ربما‭ ‬وجدتم‭ ‬فيها‭ ‬الراحة‭ ‬وسلامة‭ ‬قواربكم‭ ‬رغم‭ ‬سيرها‭ ‬الحثيث‭.‬

أليس‭ ‬ذلك‭ ‬بأفضل‭ ‬من‭ ‬هيجان‭ ‬المياه‭ ‬ومصارعة‭ ‬أمواجها؟

لا‭ ‬أعتقد‭ ‬ذلك،‭ ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬الحياة‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬نفسها‭ ‬فلا‭ ‬تتقدم‭.‬

ولكن‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬تعنيه‭ ‬بتقدم‭ ‬الحياة؟

تقدم‭ ‬الحياة‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬الجديد‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬فيها‭. ‬فما‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تشهد‭ ‬اليوم‭ ‬ما‭ ‬يغاير‭ ‬ما‭ ‬عشته‭ ‬يوم‭ ‬أمس‭!‬

وما‭ ‬الذي‭ ‬يضمن‭ ‬لك‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬سيأتي‭ ‬به‭ ‬الغد‭ ‬هو‭ ‬أكثر‭ ‬اثارة‭ ‬وسعادة‭ ‬للإنسان؟

هذه‭ ‬سنة‭ ‬حياة‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬أجيالها‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تحدها‭ ‬سنوات‭ ‬العمر‭.‬

وفجأة،‭ ‬أفيق‭ ‬من‭ ‬حواري،‭ ‬فأجدني‭ ‬قد‭ ‬تجاوزت‭ ‬محطة‭ ‬وصولي‭ ‬كثيراً‭!!‬

‭”‬للحوار‭ ‬بقية‭”‬

برلين،‭ ‬15‭.‬10‭.‬2024