رحل كريم النفس – علي الجنابي

رحل كريم النفس – علي الجنابي

 ها قد ودَّعَتِ الشَّمسُ صاحبَها، صاحِبَ “الشَّمسُ شَمسي والعراقُ عراقي، ماغيّرَ الدُّخلاءُ مِن أخلَاقي”. رَحَلَ الجـميلُ السُّـومريُّ البـابليُّ ورحلَت معهُ يدٌ كانت قيـثارةَ العُشَّـاق. رَحَلَ مَن ملأَت فضاءاتِ الوجـودِ قصـائدُهُ، حتى كأنَّ الشِّعرَ صوتُ عراقي.

  أجل، رحلَ فلن يسمعَ صهيلَ الحُـزنِ بين مفاصله، ولن يُمسيَ الهَمُّ بعدَ اليومِ صديقَهُ بوثاقِ. فلا مُواساةَ ولا عزاءَ على كَريم العِرَاقِي، فما حرَّرَتِ المواساةُ وطناً ولا التعازي بديلٌ إن هوت زهرةٌ الأوراق، بيدَ أنَّ ميراثَهُ على رَفٍّ رَفيعِ العُرْفِ بالزَّهوِ باق، في أدبٍ عراقيٍّ وعربيِّ كادَ أن يموتَ باختناق، بسفسطاتٍ من نثرٍ وشعرٍ عفَّتها فِطرةُ السَّوي في الأخلاقِ والأذواق، وعافتها قطرةُ الأحداقِ بانبثاق، ألا فبُعداً لسذاجةِ قباني إذ تحتَ الماءِ بإغراقٍ تتنفسُ واستغراق، وبُعداً لسَماجةِ مظفرَ النُّواب إذ (لأولادِ القحبةِ) بتَوقٍ تتعَسَّسُ وبتَحَرُّشٍ واشتياق.

  وعجباً يا جليسي على كُثَيِّبِ ربوةٍ مالنا وإيَّاهُ من هجرٍ وإفتراق. عجبي من موازينَ أهلِ النَّثرِ، وإهلِ الشِّعرِ ردفَهم بإلتحاقِ، ثمَّ عجبي مِن مكيال أهلِ الصَّحافةِ والإعلامِ في الآفاق، على تغافلٍ منهمُ وتجاهلٍ لقوافيَ كَريم العراقي. وإني لأحسمُ جازماً أيا جليس لو أنَّ شاعرَ العراقِ كَرِيمُ العِرَاقِي، كانَ ذا تملُّقٍ سيّالٍ على زَبَدِ السَّواقي، سواقيَ السّلطانِ وملأهِ لدينارٍ بأرتزاق، وسواقيَ القائمينَ على النَّثرِ والعائمينَ على الشِّعرِ، أولئكَ المُهلوِسونَ المُهروِلونَ الى نواديَ الأدبِ بإستِباق، وسَواقي غالبِ أهلِ الصَّحافةِ والإعلامِ أولئكَ الرَّابِضونَ القابِضونَ على موازين الأدبِ بإنغلاقٍ وإنطباق، أجزمُ أنَّ كَرِيمَ العِرَاقِي كانَ اليومَ العَلَمَ الخفّاقَ في الآفاق، وعزاؤهُ موكبٌ سلطانيٌّ مزخرفٌ بريشٍ وطبولٍ وأبواق، ولكانَ الشّغلُ الشَّاغلِ لإعلامٍ ذميمٍ ما إنفكَّ مهرولاً خلفَ (البَلْفِ) بإنزلاق. ذاكَ إعلامٌ غيرُ كريمٍ لن تسرَّكَ منهُ حفاوةٌ بعزاءٍ ولا ثناءٌ منهُ ولا رثاءٌ أيا كريمَ العراقي.

   نحنُ العوامُ يكفينا منكَ ألا يا أيُّها العراقي، أنَّ قوافيكَ طُبِعَتْ كوصيةٍ للفقراءِ فوقَ كلِّ نطاق، وأنَّ حرفَكَ إلهامٌ وكانَ مُتفجِّرُ الإبداعِ من الأعماق، وأنَّ ذرفَكَ هيامٌ برصينِ المعانيَ وكانَ مُحصَّناً بوثاق.

دعكَ ألا يا عراقي، دعكَ من شعراءِ الغَفلةِ وشعراءَ البلاطِ، ومنَ الشُّعراءَ الرِّفاق، وكذا شعراءَ التَّمرِّد على السُّلطانِ بقافيةٍ كَذبٍ شمطاءَ بإختلاق، لا لشيءٍ إلّا ليلبسوا رداءَ التَّمَرُّدِ بينَ النَّاسِ في الأسواق. دعكَ منهمُ جميع، فما أولئكَ إلّا قومٌ عَلِموا كلَّ شيءٍ إلّا مداثِرَ الكَلِمِ ومَآثِرَ الأخلاق.

ويكفيكَ مِنّا أنَّ شَمسَكَ باقيَةٌ، وأنَّ عراقَكَ بكَ سيُشدو ولكَ بإستحقاق: “إنَّما العراقُ عراقُ كَريمُ العراقي”. وكفاكَ أنَّكَ شاعرٌ عَفويُّ اللفظِ، أحبَّت نطقَهُ المسامِعُ والمآقي. شاعرٌ رضعَ لبنَ القوافيَ مِنَ منابع الأعراق. شاعرٌ مع سجيِّةِ الصَّرفِ كانَ في تلاقٍ بل في عناق، فأتى قطافُهُ رهيفاً على صدورِنا بإنشراحٍ وبإرتياحٍ وبإشراق.

رحمَ المليكُ المُقتدِرُ شاعرَ العراقِ: ” كَرِيمُ العِرَاقِي”، فذلكَ شاعرٌ قد وزنَ ما أخرِجَ من حرفٍ لنا من بينِ التَّراقي. ذلكَ هو “كريمُ العراقي”.