قوة التداعيات الذاتية في كتابات على الضفاف
رحلة شعرية متوجة بالصدق – اضواء – يوسف عبود جويعد
طرق التناول في بناء القصيدة يختلف من شاعر الى آخر، الا اننا يمكن اختزالها بمسارين بارزين، هما الذاتي والموضوعي،فالموضوعي يخفف عن كاهل الشاعر صعوبة انجاز القصيدة بالاعتماد على موضوع يشكل وحدة بناء القصيدة، ويكون بمثابة الرؤية المواجهة للمتلقي، وتختفي ذات الشاعر خلفه، ماضياً بها نحو سموها ورفعتها، اما الذاتي فأن مهمته صعبة وقاسية على الشاعر، لانه يحول وحدة بناء القصيدة الى الذات، الى داخل خلجات النفس، الى اعماق روحه، ويبدأ بناء قصيدته موغلاً في اعماق نفسه يستخرج منها الحس الشعري خطوة بخطوة، دون ان يكون هنالك اداة من شأنها ان تخفف سطوتها وهيمنتها وتأثيرها عليه، ويقدم لنا الشاعر كاظم عبد الله العبودي النمط الثاني من الحس الشعري اي الذاتي، حيث نجد ذلك واضحاً في مجموعته الشعرية (كتابات على الضفاف) ومنذ الاشارة الاولى لمدخل المجموعة الشعرية
احياناً
يظمأ الغيم فيمد يداً
يستسقي البحر او النهر
او حتى النبع
وها أنا أمد اكثر من يد
لبحر او نهر أو ينبوع
مستسقياً، ثم تهطل غيومي
ولو بعضاً من الدمع …
رؤية واضحة
أن في هذه الاشارة رؤية واضحة لنهج الشاعر الذي ينتهجه وهو يقوم ببناء وحدة القصيدة، اذ انه يعالج الثيمة في قصيدته من اعماق نفسه، ويغور عبر خلجاتها لينشر مفرداته الشعرية سواء كانت عمودية، او حرة، او نثر، فهو لا يطفو على السطح، انما يترك مداخله واحاسيسه هي التي تصوغ القصيدة، وانه لا يضخها دفعة واحدة، بل يبدأ بتناولها من خطوتها الاولى، حتى يصل الى ذروتها، موظفاً فيها مخيله الشعري، فتظهر القصيدة بصور ودلالات رمزية، تنتشر في اتجاهات عدة، الماضي، الحاضر، المستقبل، الخيال، الحلم، الاسى، الحزن، الندم، وداع الاحبة، أشياء فقدها عبر سني لعمر التي وطئت الخريف، ونجد ذلك في قصيدة ” بدء منطلق الشراع” والتي هي مقاطع من قصيدة (سيرة بن حزن البغدادي)التي تروي شيئاً من طفولة الشاعر اي انها مخطوطة لم تكتمل، اذ نجد انه يضع امام المتلقي هذا النهج الذي لا يتأثر بأي جنس من الاجناس الادبية الاخرى، انها مفردات شعرية صافية نقية
همست ..
فكانت أول الهمسات
في سمع البراءة
وقع فيض الشوق .. ثراً
***
سحت على خديه
أكثر ما يجود به الاسى
للعين حد اللهفة
المضني بها الكتف الذي
لم يأل يحمل مثقلاً بالوزر
وزرا
وفي قصيدة “اليك يا… قمر (1)” التي وجهت الى الامام الشهيد (ابي فضل العباس ع)، نكون مع هذا التداعي لكنه يختلف بسبب ان صفات الامام العباس ع تستوجب استحضار الموروث الانساني، والتاريخي، ومدى تأثره بواقعة الطف التاريخية
على صهوة الحرف حين امتثل بعثت وهذا اليراع القبل
وحملته والقوافي تنوء به اذ ينوء بها فأحتمل
سلاماً الى البدر لما اكتمل بليل السرار، ولما يزل
فهل غيره أقمر، والظلام اناخ على الكون يوم ارتحل
وهي رحلة مطولة في حياة وصفات ومكانة الامام العباس ع وموقفه المشرف حتى الشهادة في نصرة اخيه الامام الحسين ع، وفي قصيدة بابل يتغنى الشاعر بهذه الحضارة بابدع ما يرسم الشعر من صور
ويصدع اسواراً اذا مار عاصف وتردع حتى سورة العصف .. بابل
وتطفئ عين الشمس حيناً سحائب وتشرق شمساً تمحق الغيم .. بابل
ويقدم لنا الشاعر الواناً عديدة من الصور الشعرية النقية، بتمكن وسطوة وخبرة عالية، وفي قصيدة (انتصار) الموجهة الى صديقه علي هادي علوان – ابي مرتضى اجازة لقصيدته التي سل لها من فجيعته عنواناً (انكسار) وكذلك قصيدة (رسالة قصيرة) الموجهة الى الكاتب الكبير جمعة اللامي، وفي قصيدة “حتام أسأل” نبحر مع ذات الشاعر وهو يناجيها ليستخرج منها، مكنونات الحس الشعري العميق
عن اي جرح تخط ياقلمي
ومن يشارك من في زحمة الالم
واي رمح سنروي بعض قصته من مض بالامس ام من غص بالسأم
وهي تداعيات عميقة نكون معها في فضاء الشعر الرحب، وهو ينطلق يمخر عبابها، ويصوغ قلائدها باتقان وتمكن، ونجد هذا العمق والابحار في الذات في قصيدة (حديث آخر) المهدات الى عبد اللطيف الراشد في غيابة الجب .. وصورة من صور تجلي الذاتية وانبعاثها، نقف مع بنية قصيدة ” هل نرثي الذي راح؟” وهي تحيلنا الى اعماق روح الشعر بنفس شعري وهو يقف على خريف العمر يناجي الذي راح
تمهل ..
وناد الخريف الولوع
بفوديك :-
– مهلا
فأن الأهلة تخشى السطوع
وان ليال الشتاء الطوال
سرا – بطاء خفاف – ثقال
سيطلبن
بعد فوان الآوان
سيطلبن مما سحقن
السماح
ولا تأس ..
ان الذي راح ..راح .
صراع كوابيس
ان الشاعر في مجموعته ينقلنا من لون الى لون آخر، اذ نرى ذلك في قصيدة (الى وضاح) التي اشار فيها الى قصة (وضاح اليمن) الشهيرة، ثم قصيدة
(ذاك درب الناس)، وفي قصيدة (كوابيس) نكون مع هذا الحس الشعري الذاتي في صراع مع الكوابيس الموحشة، وفي قصيدة (يداك ..ياقمر) نكون معه وهو يناجي صورة طفلة ترتعب في حنايا الوطن، فيرتعد في حناياها الوطن، ثم مع الاحباب في (اه يا اجمل الاحباب) ثم مع التراث العريق نكون مع قصيدة ” مراث اخرى لـ (اور)” وجزء ثاني لهذه المراث التي وحدها تحتاج الى دراسة وتحليل طويل، كونها بحر من الشعر الصافي، وفي قصيدة “نرى فيك بحراً” وجهها الى الكاتب الكبير عزيز السيد جاسم، ونقف مع قصيدة ” دموع من نوع آخر .. على شجرة الميلاد ” والتي كتبت بعد الاستباحة الفاجعة لــ(كنيسة سيدة النجاة) خلال الاستعداد لاعياد الميلاد ورأس السـنة الميلادية
أيطير حمام الأيك
الى م يطير حمام الايك بعيداً
ويحل الدوح شتات الغربان ؟
ويطول – بطول اللوعة
في هذا الليل ثقيل الخطو
حديث الاشجان ؟
ونكون مع الذات في قصيدة ” عتاب) وحديث مع الذات، وبهذا يؤكد الشاعر ذاتية قصيدته وانتمائها الى ذاته وعمقها ولوعتها وحنينها والمها وحزنها وفرحها، وكذلك الحال في ” العود احمد” نكون بحديث مع الذات،
وفي قصيدة “كتابات على الضفاف” التي حملت المجموعة عنوانها، التي كانت رد على اخر مقطع قصيدة (مناجاة الوطن الجريح) للشاعرة (هبة هاني) المهجرة من بغداد الى سان فرانسيسكو والتي تقول
اعذرني لو كتبت على قبري انا عراقية الوجع، اذ يقدم لنا الشاعر اوجاعه العراقية متضامناً مع الشاعرة مشاركاً الامها وحزنها وغربتها ووحشتها، وهي تداعيات تفوق الوصف، ثم ننتقل الى عالم شعري اخر في قصيدة ” المرتقى الصعب ” وفي رد اشاد فيها الى الشاعر الكبير محمد حسين ال ياسين بديوانه السابق ” اكراما” لعيون ليلى) يقدم الشاعر قصيدة ” عرفان” وعن ذكرى ثورة الرابع عشر تموز 1958م الخالدة يقدم الشاعر قصيدة “اشدولكم” ويعود الشاعر لخريف العمر في قصيدة “تبت يدا هذا الخريف ” وللجواهري قصيدة، ثم قصيدة “ثنائيات خريفية ” . ان مجموعة ” كتابات على الضفاف ” الشعرية للشاعر كاظم عبد الله العبودي،رحلة شعرية نقية صافية ولكن في اعماق الذات























