ذائقة المترجم – محمد جبير

ذائقة المترجم – محمد جبير

قرأنا الكثير من الاعمال المترجمة الابداعية والفكرية والسياسية وغيرها وكان المترجم هو الوسيط او الناقل للرسالة الى المتلقي كما يصنف ذلك علم الاتصال ، ولكن اذا كان الوسيط الاتصالي وسيلة او آلة فانه في الترجمة انسان من دم ولحم واحاسيس ومشاعر ، هو كتلة من الوعي المتوهج لاقتناص المميز في اللغة الاخرى ليقوم بنقله الى المتلقي الذي ينتمي له روحا ولغة .فقد عشنا تجربة التلقي في التراجم الابداعية التي ترقى الى مستوى عشق النص المترجم في تجربة قراءة اعمال عملاق الرواية ” ديستوفسكي” بترجمة الاديب والسفير السوري ” سامي الدروبي” طيب الله ثراه وغفر له ماتأخر وتقدم من ذنوبه على هذا الانجاز الابداعي التاريخي الذي لم تتمكن مؤسسات كبرى معنية بالترجمة ان تقوم به ، حيث لايخلو بيت او مكتبة لاديب حقيقي من الاعمال الكاملة لهذا العملاق المبدع والعملاق المترجم حتى اننا تمنينا مع انفسنا ان يمد الله بعمره ويكمل مشروعه مع الاعمال الكاملة لتولستوي وتوجورنيف وكتاب آخرين .

هذه الاعمال المترجمة اخرجت الترجمة من عملية نقل نص بلغة الى اخرى الى فضاء ابداعي مواز من حيث القيمة الادبية والابداعية لذات النص الاصلي ، وبذلك يكون المترجم مبدعاً ثانياً للنص في اللغة الثانية ، من هذا المنطلق وحين تكون الترجمة علماً وفناً فانها تشكل ذائقة المتلقي الباحث عن الجديد والمتنوع في ثقافات الشعوب الاخرى والتي يكون المترجم همزة الوصل في التقاء هذه الثقافات وذوبانها او تماهيها مع تقافات الشعوب الاخرى.وهذه القراءات لتلك الاعمال الابداعية هي التي شكلت ذائقتنا الادبية ، وقدرات الفرز بين مستويات ذلك الابداع ، الذي لايمكن ان يغفل الروائع الخالدة على مر العصور والتي اجمع على تميزها مختلف الشعوب على الرغم من تعدد التقافات وتعدد وتنوع الذائقة الثقافية.

اجد نفسي ملزما في ادراج هذه الحقائق في مستهل هذه الاشارة النقدية بعد ان انتهيت من قراءة رواية ” الرقة” للكاتب الفرنسي  “دافيد فونكينوس” ، والتي قام بنقلها عن النص الفرنسي الصديق ” كامل عويد العامري ” ومراجعة الدكتورة” ليلى عثمان فضل” وصدرت عن ” المجلس الوطني للثقافة والفنون والابداع ” ضمن سلسلة ” ابداعات عالمية / ديسمبر 2014/ تسلسل404/ الكويت”.هذه الرواية كما يقول المترجم في تقديمه ” تتحدث عن حياة امراة تدعى ناتالي ، ترسم الفصول الاولى منها صورة لامراة شابة ترتمي في الحياة وتعيش مع زوجها فرنسوا الذي ستفقده بعد سبع سنوات ، وانطلاقا من هذه اللحظة التي يتوفى فيها زوجها فجاة في حادث دهس سيارة ، تاخذ القصة مسارا بطيئا ، وتكشف لنا عن مسيرة الحزن البطئ الذي يجب ان تنغمس فيه، وعليها ايضا ان تخفي نقاط ضعفها وشكوكها ، وماتعانيه من كآبة ، ولكنها ما ان تعود مرة اخرى الى عالم العمل بنشاط واندفاع حتى تحاول نسيان فرنسوا ” ” الرواية –ص1″.هذه الاشارة التي يقدمها المترجم في مستهل تقديمه لهذا النص السردي قد لايدفع المتلقي الذي يقرا النص  بغية معرفة المضامين ، حيث ان المترجم قام بتقديمه من خلال سطور قليلة ، لكن هناك متلق آخر لا يقف عن المقدمات او الممهدات التعريفية بالنصوص وانما يلقي بنفسه وسط النص السردي وجها لوجه مع السارد متواصلا مع متن الحكاية السردية ، هذا المتلقي يبحث عن التشكلات الجمالية التي تجد معنى حياتها بين السطور وفي التأويلات المتعددة للمتلقي ، فهذا الكاتب الفرنسي تولد عام ” 1974″ وصدرت روايته هذه عام “2009” عن دار غاليمار وحصدت اكثر من عشر جوائز .

هذه المعلومات ، عمر الكاتب ودار النشر وسنة النشر والجوائز ، كلها عوامل محفزة للدخول الى عالم النص السردي ولاسيما ان هذا العمل ليس الاول في سلسلة اعمال الكاتب، الا ان المفاجأة الحقيقية في التواصل مع سردية ناتالي لحكايتها مع فرنسوا والآخرين ، هنا سر المتعة والابداع في تكوين المشهد اليومي وتاثيثه بالتفاصيل اليومية الصغيرة التي تقرب المتلقي وتزجه في عمق المشهد او الحدث السردي بعيدا عن المباشرة ومن وراء رؤية شفافة رقيقة لحقيقة المشاعر الانسانية في الحب والحياة .

فقد نقرأ جملة مثل هذه الجملة ” ابتكار الموكيت ،يبدو من الصعوبة بمكان ان تعرف من الذي ابتكر الموكيت، فحسب معجم لاروس ، فان الموكيت ليس سوى سجادة تباع بالمتر ، وهذا التعبير يبرر الطبيعة البائسة لوجوده ” ” المقطع 37  من الرقة ص70″. او” رأي الفيلسوف البولوني الثاني ، وحدها الشموع تعرف سر الاحتضار ” ” المقطع 113 من الرواية ص197″.

قد ينظر لهذه المقتبسات من النص السردي انها وحدات سردية لاتؤشر الى شئ محدد بعينه او انها لاتثير فيه شيئا محددا ، وقد يكون محقا في ذلك اذا نظر اليها على انها مجرد جملة حكمة كما في المقتبس الثاني او انها اقحام تعريف لايعني شيئا كما في المقتبس الاول عن الموكيت ، لكن الكاتب اذ يضع كل هذه المقاطع القصيرة في نصه السردي ، لن تكون خارجة عن السياق السردي للحكاية وانما قد تكون تثويراً بؤرياً لإضاءة ماكان خافيا في متن الحكاية واشارة دلالية مشعة لما سيحدث مستقبلا .

اذا عدنا الى عبارة ” وحدها الشموع تعرف سر الاحتضار ” فاننا ندرك من خلال سرديات المتن في ” الرقة ” انها جملة سردية قائمة بذاتها وهي شفرة الربط بين جسري العلاقة بين فرنسوا وماركوس عبر الشمعة الذابلة ناتالي ، وهي من هذا المقترب ليست جملة ترف او جملة خارجة عن المتن السردي ، وانما ادرك السارد وضعها في هذا الموقع من متن حكايتها لان هذه السردية الحكائية بعد هذه الجملة سوف تشهد نقلة مغايرة على مستوى الحكاية الحياتية لناتالي ، التي تقطر حكاياتها حزنا وحبا على زوجها فرنسوا ، وستخرج من حال الحزن الى حال الفرح بتجديد العلاقة مع ماركوس .

قراءة هذه الرواية لاتختلف في متعتها عن قراءة رواية الكاتب الافغاني ” عاتك رحيمي ” لنصه السردي ” حجر الصبر ” والذي صدر للعامري عن دار المأمون للترجمة في العام 2013   او “الدعوة ” للكاتب الفرنسي ” كلود سيمون ” في العام 2012 عن الدار ذاتها ، حيث تكشف اختياراته في الترجمة عن ذائقة ادبية تعنى في نقل التجارب السردية الحديثة والمميزة الى المتلقي العربي ، وهي مهمة ليست بالسهلة وانما متعبة وشاقة في رحلة البحث  عن هكذا نصوص متميزة ، تحفز عوامل المتعة في التعرف واكتشاف التجارب الانسانية ، والاطلاع على التقنيات الحديثة في السرد الروائي.