ديوان فاصلة للشاعر باسكال صوما

ديوان فاصلة للشاعر باسكال صوما

من المطلق إلى المتماثل

ناظم ناصر القريشي

تقول الشاعرة في اهدائها للديوان “قد يكون العالم مجرّد فاصلة بين كلمتين، بين صخرتين، بين حزنين، من يدري؟”

هذه العبارة التي أوجزت الشاعرة بها فكرتها سترافقنا وتلقي بظلالها على الديوان سوف تعلن أن القصيدة هي تأمل و فاصلة

تخرجنا من نص الحياة و رتابتها و تنقذنا من التأرجح بين الحضور و الغياب و تأخذنا الى زمن منسي زمن أروحنا التي تكون فيه حرة من ربقة الوقت

فالشاعرة تقتبس روح الشعر الخلاقة و تحلها بجسد القصيدة جاعلة من النص مكتفيا بذاته و معبرا عن ذاتها وفق رؤيتها الخاصة من خلال معانيها المضمرة خلف دلالة الرمز و توظيفه الساحر و الأنزياح المدهش للكلمات مؤسسة لقصيدة تعبر عن الحياة اليومية بلغة معتادة متحررة قابلة للتأويل، فتستدرج الحياة الى زمنها في القصيدة فتكون هي فاصلتها بين زمنيين وحياة أخرى وهذا ما سنجده في ديوان فاصلة والصادر عن دار الروسم فالشاعرة وضعت العلامة الدالة على الفاصلة على اساس سيمياء لكل ما  هو بين حياتين أو زمنين وربما دالة على التأمل

أذن العالم دائرة بداية ونهاية وقد تلتقي البداية والنهاية معا فنبحث عن فاصلة الفاصلة هي القصيدة والزمن المطلق للتأمل أو من المطلق و الى المطلق

دائرة

كهذا العالم

من الله وإليه

الكلمات تحترق رمادها قصيدة ينبض في قلبها الجمر

هل نلتقي هكذا في نهاية الموسيقى نحمل نفس الاحساس ونحن نسمع الموسيقى في القصيدة ونرنو الى الغيمات وهي تتسكع على صفحة السماء حلمها الوحيد أن تتسكع على الأرض على شكل مطر

فالشاعرة تدرك من خلال الوجود والعدم ان كل المنافي هي واحدة

على شاشةٍ وحيدة

تقف كل الأيادي المتوارية

أدركت لتوّي

أنّ المنفى غرفة واحدة

القصائد زهور تتغذى على دماء الشعراء فهو نسغ القصيدة والشاعرة رغم الاستلاب المفروض عليها لكن روحها الحرة تحلق عاليا في سماء أخرى هي فاصلة ، فاصلة من التأمل وسيمائها الزمن المطلق

أنا النملة المسلوبة الجناحين

أطير إلى العمق

في الداخل سماءٌ أخرى

لا يعرفها أصحاب الأجنحة،،،

تفتح كف القصيدة، فتجد خطوط التماس تلامس الروح

كيف يتأكد الشاعر انه كتب قصيدة هي ذاتها التي في باله

الآن أخرج بوجه آخر

أحدق ملياً بالحائط

ليست كل الحيطان بيضاء

ليست كل الوجوه بعينين اثنتين

هناك انعكاس لما في الداخل

هذا ليس وجهي

وليس هذا حائطاً

ربما

نلاحظ من خلال تجربتها الإنسانية والشعرية تناقضات الجمال في مخيلتها الغاضبة التي تتماهى بهدوء مع صوتها النقي صوتها الخارج من الغياب الى الحضور من الحلم الى الحقيقة و ثمة زخم من الألم يتدفق عبر الكلمات ويسري في القصيدة

هناك من يعرف الورد الذي تحبّه

وشكل أصابعك

والتشققات التي على بطنك

هناك من يعلم ماذا تقرأ

وممّ تقلق

ولماذا في كفّك خطوط طولٍ كثيرة

وأيّ لونٍ يليق بحزنك وأنت تضحك

هناك من يدرك تماماً

أنك لا تحبّ الأظافر المقلّمة

وأنك صديقٌ لكلبٍ كئيب مثلك

وأنّكما تبكيان للسبب ذاته

هناك في مكانٍ ما

من يعرف كلّ شيءٍ

ويحبّك

الميزة التي تمتاز بها الشاعرة هي الأنا لديها تشمل الأخر فهي نداء و دعوة للثورة والتحرر من الرتابة ، والاستغراق في التأملات الروحانية و خلق وابتكار من التفاصيل اليومية وجعلها تتمازج وتتداخل في تناغم كبير وتحويلها الى لحظات شعرية ناشطة، فنرى ديوان فاصلة عبارة عن نصوص متلاحقة في نص واحد قابض على علوه بقوة النثر الهائلة و لغته الشفيفة تصاحبها فوضى الحواس والنبض السريالي فالقصيدة لدى الشاعرة محاولة لالتقاط اللامرئي فهي ترصد الأشياء و الأفكار الخيبات والانكسارات و الاستلاب تنتشلها من هامشيتها وتصهرها بنار الشعر

أقاطع البحر منذ أشهر

كأنني أقاصص المدينة

أقول لها: أخرجي منّي هيا

خذي بحرك معك

وكلّ السمك المقتول على الشاطئ

ورذاذ السجائر والأحذية الصغيرة

خذي أيضاً ثياب السباحة

كل المقاهي والفنادق

إذا شئت خذي هذه القصيدة

اللغة في هذا الديوان كثيفة فرغم بساطة الأسلوب وجماليته النصوص المكتنزة بالمعاني التي تتجسد فيها عمق الدلالة إذ الصورة تعبر عن اقتناص الفكرة ذاتها التي تعنيها الشاعرة تماما.

كأن هذا الجسد

كان هناك منذ أزمنة

وكنت أظنني امرأة كاملة

لذا يمكننا القول أن هناك وشيجة بين نصوص الديوان وهي لغة الاتصال أو الحبل السري الذي يربط النصوص مع بعضها بالفكرة او الرؤية واحدة في مجموع جزئيات تنبني لتكمل بعضها البعض فاتسقت وانتظمت و ضبطت إيقاعاتها الشعرية على نغمة التمرد و الدهشة والإبهار فأنتجت نصوصها التي عبرت فيها عن رؤيتها لهذا العالم فكانت شطحاتها الشعرية بصيغة الخلق والابتكار.

وهذا ما أنجزته ببراعة الشاعرة باسكال صوما في ديوانها (،) فاصلة محققه بذلك تجربة شعرية رائعة و متفردة بخيال أبداعي خلاق متمرد على كل ما هو رتيب وهذا بسبب تقدم رؤية الشاعرة نفسها والواضحة والغير مشوشة