دلالات الثقوب في صوت من الظلام

دلالات الثقوب في صوت من الظلام

عالم خارجي متلائم الأنساق

 عبد الصاحب محمد البطيحي

قال د. صامويل جونسن في مقدمته لشكسبير عام 1765 ” ان الاختيار الوحيد للعظمة الأدبية هو مدى    الاستمرارية ودوام التقدير” .. هاتان السمتان  تحققان عندما تتوفر ثلاث نقاط من القوة :

السرد القصصي ، وصف الشخصيات ، جودة الكتابة .

ان دارس الأدب يبدأ أولاً بالبراعة في استخدام الكلمات ومصداقية الشخصيات ومدى اتساع الخيال وثرائه . في عالمنا يتغير الذوق الأدبي بسرعة فائقة ، ومع هذا تظل بعض النصوص شاخصة لا يمحى اثرها لما فيها من مسائل تتعلق بالنفس البشرية ، والعلائق المتشابكة بين الشخوص في الأزمنة  والأماكن المتباينة ..هذا ما نكتشفه عند قراءة قصة ” صوت من الظلام” التي هي قصة قصيرة ضمن  مجموعة من القصص موسومة بـ”صور من احلام عليل” للقصاص عدنان يعقوب القره غولي ، يشي عنوانها ” صوت من الظلام ” بحزن دفين كامن في وجدان الراوي ، يأخذنا العنوان الى عالم مضطرب يلف حياة عائلة تتكون من الأب والأم وصغيرهما  ،قصة صراع مغموس بالألم . وهو ، في الوقت ذاته ، استباق لأحداث  تكون ثيمتها الرئيسة (مصير الأبن) وهو يتعرض في وقت مبكر جداً الى حالة فقدان البصر ومواجهة الصمت بالصمت .

يمثل المدخل صيحةً على لسان الإبن ، او صفعة بوجه العالم ، تلّخص رؤية ساخرة تمتزج بحزن دفين  : “ها انني اخاطبكم .. لقد قرأت تاريخكم عبر الثقوب .. كلاهما يتسم بالخشونة .. التاريخ والثقوب ” .  للثقوب هنا دلالة مادية تشير الى حروف بريل المخصصة لفاقدي البصر واخرى تعني تلك النوائب  التي تلاحق البشر . والتاريخ شيخ مهيب يتسم قلمه بالخشونة يدوّن الأحداث من دون مواربة .    “شراسة الحياة قد ظهرت بشكل غير متوقع ، هكذا قالت امي وانا اتوسد حجرها فيما غاب ابي في سيكارة اشمها .” تتمثل شراسة كهذه بتعرض الصغير/ الراوي الى حالة العمى ، انبجست الحالة هذه  الى العلن على نحو غير متوقع ، آل مصيرها الى الاخفاق  في إزاحة الظلام واعادة النور .. وعلى الرغم من عدم نجاح العملية الجراحية لإعادة البصر  فان الراوي يمتلك قدرة التعويض والصبر على كل ما هو مؤلم :

“الأحزان مرة الى حد ما لكنها لا تجبرنا على ان نتخلى عن اقـــــــلامنا .”

عالم خارجي

يتمثل ذلك بتوظيف عالم خارجي متلائم الأنساق عبر تعلقه بصوت ابنة الجيران التي تبادله العواطف ذاتها. تخاطبه : “عيناك جميلتان .. لم أكن أظنك أعمى حينما شاهدتك للمرة الأولى .”  وكذلك عبر ارادة ابيه وامه اللذان ” يتهامسان عن الفقر وعيوني العمياء “

” هل له غير ان يحفظ القرآن  ليقرأه على الموتى في الجنائز ؟ ” يتساءل الأب

” ومن منا يريد له ذلك ؟ ” تجيب الأم بأسى .

يحدث ذلك نتيجة لعوز العائلة التي لا تستطيع ان  تفعل اكثر من ذلك .

بعد زواج وموت ابنة الجيران محترقةً يكرر الأب دعاءها الذي كانت قد كتبته حين غادرت منزل ابيها عروسا الى منزل زوجها ” انه طفل ٌ بريءٌ لا يرى الدنيا فارحمه يا رب العالمين” وهو يهرول للحاق بالقطار مصرّا على اللحاق به :

 – هل سنلحق به يا ابي ؟

 – سنلحق … لا يد ان نلحق . اوعدك بأني سأوصلك الى السكة قبل وصوله .

على الرغم من  ذلك يسبقهما القطار بإشارة الى مثابرة الأب في جهده لتحقيق الأمل و الأمان لصغيره وعجزه عن تجاوز ذلك .

” القطار يصرخ ، العربات تطبل” .

يا له من تمثيلٍ لحالةِ الصخبِ في داخل النفس  بينما العالم الخارجي لاهٍ ، غير آبهٍ .

رحيل الجارة

رحيل القطار يسبقه رحيل الجارة والأم ومن بعد ذلك الأب حيث يظل الراوي في مواجهة مريرة مع الحياة. يقف وحيدا يحارب الدنيا بلا سلاح سوى ثقوب الصفحات التي طعنها ابوه .. يذهب الى المقبرة كي لا يشعر بوحدته .. يتعثر بالشواهد .. تتشابه الأشياء .. لا ينطق الموتى ولا يهمسون .. لا يميز رائحة  أحد اذ موت كل البشر له رائحة واحدة  حين يطمرون .

ماكينة القطار  هي آلة الزمن التي تسحب الناس في سيرهم الى الأمام ومن يتخلف عن اللحاق بها فلا جدوى من معاتبته .

يختتم الراوي حكايته  بسؤال استغرابي : أفلا تنظرون ؟ . انتهى هنا كما لو انه يكمل جملة الافتتاح:

” ها انا اخاطبكم .. لقد قرأت تاريخكم عبر الثقوب .. ألا تنظرون ؟” .

هنا هو المتبصر الذي اختمرت عنده التجربة ، يهتم بإيصال الرسالة ، أما الآخرون فهم عمي لا يتبصرون .

وقبيل ذلك يقول :” أذهب الى المقبرة كي لا أشعر بوحدتي .”  كما لو انه يجري عملية حسابية :

وحدةٌ زائد وحشةٍ ينتجان إحباطاً ويأساً من منتجات الواقع الدنيوي والتماساً بعالم المجهول .

تناول الكاتب الشخصيات في السرد بعناية إذ مثّل الصبي الشخصية المحورية التي تنكشف الأحداث من خلالها ، أما الشخصيات الثانوية فقد تمثلت بالأب والأم ، عنوان الترابط الأسري ، وبنت الجيران المعبرة عن التعاطف   المجتمعي .

وبتناسق التعبير والفعل السردي وحركة الشخوص تتم فاعلية القص غاياتها مثلما ثقب امتلأ بالنور من عمق الظلام .

القصة

صوت من الظلام

عدنان القره غولي

الى ابني الصغير محمد

ها انا اخاطبكم .. لقد قرأت تاريخكم عبر الثقوب .. كلاهما يتسم بالخشونة .. التاريخ والثقوب . الأحزان مرةٌ الى حدٍ ما لكنها لا تجبرنا على ان نتخلى عن اقلامنا . في هذا الرأي أخالف أبي ولهذا أكتب الآن .. وعلى ذكر أبي فان كلا والدي لاقيا حياة مرة ..كانا ضجرين دائماً ، أحس بهما في الظلام يرسلان الدمع لأجلي . كنت صغيراً عندما ترك ابي قلمه  ولحق بحزنه يثأر بإبرة يطعن  بها صفحات ، يشق لي بطريقة بريل نافذة التمس بها الدنيا . وبكل وخزة للورقة أحس بوخزة ألم تثقب صدره . . وأمي  كانت تمسح الدمع عن وجنتيها  أكثر مما تمسح الصديد المسال من عيني .

في الليل اسمعهما يتهامسان .. وكما يتهامس العشاق من القمر  .. يتهامسان ..أبي وأمي .. عن الفقر وعيوني العمياء .. يحصيان ما بقي لديهما من مال لإجرة طبيب الغد .. وينقضي ظلام ليلي .. الى ظلام نهاري .. ولا تشرق شمس بعد عودتنا من الطبيب بجيوب فارغة .

في المستشفى يبقيان معي .. لا يترك احدهما الآخر .. بات الليل يرهبهما فلا يفترقان بانتظار إجراء العمليات المتلاحقة لعيوني .

“شراسة الحياة قد ظهرت بشكل غير متوقع ”  هكذا قالت أمي  وانا اتوسد حجرها فيما غاب أبي في دخان سيكارة اشمها  .. لا تغيب  رائحة تلك السيكارة  الحيرى عن ذاكرتي .. لقد طغت على صوت نبضات قلب أمي الخائف ..رائحة أبي الذي بقي متحدياً.. صوت أمي الخائف..  منذ تلك الليلة  غدا لكل شيء رائحة وصوت . غدوت كلباً بين البشر يشم الروائح، أصغي بدقةٍ الى مخاوف أبي الهامسة تحدّث صوت الليل وشخير أمي التعب ، ومثلما يكون للكلب دور ثانوي في الحياة كان عليَّ أن لا أعمل بل فقط اشغل أسرتي بإعداد طعامي  والعناية بي .. ذكريات مرة من طفولتي الأولى .. لا أذكر اني شاهدت الأشياء فقد كنت في الثانية  حين فقدت البصر .. أمسّد شعر أمي وأتلقى دعابات ذقن أبي  الخشنة أبداً .. وتلمست  دربي بين حجرات المنزل بأناملي لأرسم صورة في خيالي لعالم سأقاتله بلا سلاح خين اكبر، كنت طفلاً لعب الكرة  مع الأطفال بأذنيه  .. يقف ببلهٍ وهو ينصت الى صرخاتهم الفرحة  ..

-ماذا يستطيع أن يفعل  حين يكبر ؟ لا يمكنه  كسب قوته اذا فقدنا .

نزف أبي

-هل له غير أن يحفظ القرآن ليقرأه على الموتى في الجنائز ؟

تصدعت أمي

ومَن منا يريد له ذلك ؟

ما كانا يريدان لي ذلك . حين كبرت كنت اشعر بالذنب دائماً إذ احملهما عناء العناية بي .

فرح أبي يوما إذ سمعته يخاطب  والدتي بأن عيني ستستقران في منظرهما هذا .. كان يطير فرحاً .. وأنا أسأل نفسي ما الذي يفرح ابي فأنا لا أرى شيئاً .. وظل هذا السؤال يحيرني طويلاً حتى علمت بأن عيني غير مشوهتين حين يراني الناس .. حسناً إذاً سوف لا اقرف الناس  بمنظر عيوني . قالت لي اول امرأة  احببتها .” عيناك جميلتان . . لم اكن اظنك اعمى حينما شاهدتك للمرة الأولى !” . كانت كلماتها هذه طعنة كبيرة في حياتي سمعتها  وأنا أكتم عنخا حبي . . كنت أعشق صوتها اذا تحدثت . . اتخيلها . . أحب بطريقة لا يدركها عالمكم وهكذا سمعت كلماتها وهكذا كان عليَّ ان اسمع  بعد ذلك ما يؤلمني من انها لا تعبأ بأعمى .. أعنى هي كلمة طالما قتلتني  حينما يطلقها اصحاب العيون .. من اين آتي بالعيون وقد خسرتها وانا طفل صغير اعاني من الم الليلي الطويلة ، اسهر الليل ، أصرخ بوجه الألم  الذي يجتاح محاجر طفل بريء .. طفل ليس الا..

_محمد لم ينم ، انه يتألم .

تقول امي وهي تحاول أيقاظ ابي إذ فزت من نومها فيسحب نفسا من سيكارته وسط الظلام .. هكذا يجيبها ليرد بانه يعرف ذلك وهو الآخر لم ينم فالهم يملأ صدره .

لا أنام .. لا أنام .. ولا أنام كما ينام الناس حين انام  .. فوسادتي حشيت بأدعية تسترجي الرب  ” محمد .. اللهم انه طفل بريء  لا يرى  الدنيا فارحمه يا رب العالمين” . لا ، انه دعاء ابنة الجيران التي كانت ترعاني كتبته حين غادرت منزل ابيها عروسا الى منزل زوجها كي يحفظني الله برعايته بغيابها .. ولم يمض شهران  بعد ذلك حتى فارقت الحياة محترقة .” انه طفل بريء  لا يرى الدنيا فارحمه يا رب العالمين ” كرر ابي دعاءها وهو عائد من جنازتها وكنت انا بانتظاره لا اعرف ما جرى . لقد تأخر قليلا عن موعد كل ليلةـ .

-هل سنلحق به ؟

-سنلحق .. لا بد لنا ان نلحق .

كان يحملني ويهرول ، موعد القطار قد حل ..كنت أتمتع بمروره كما يتمتع الأطفال برؤيته ، يحملني أبي ليلاً  حيث أتلذذ بصوت  عرباته الغضبي تسحق السكة وأشم ما يحمل وتصرخ  صافرته تشق  سكون الليل .. تلك كانت لذتي .

–  اني أسمعه .. لقد اقترب  ، أظنننا لا تلحق به هذه الليلة . – لم أسمع  شيئاً بعد .. أوعدك بأنني  سأوصلك الى السكة  قبل وصوله .

يزيد من سرعته ، يسابق القطار ، يتعالى لهاثه ويسبقنا القطار . مر الصوت أمامنا خاطفاً .. كم استلذذت بهذا . كانت تلك الليلة نسيجاً عجيباً من الأصوات  ، أبي يحملني  في حجره وصوت لهاثه في أذني ،( القطار يصرخ والعربات تطبل .)تعليق على العبارة

– إنه يحمل الكبريت  .. هل تشم ؟ انها رائحة الكبريت .

ورحل القطار بعيدا وترك وراءه نسيما بارداً يحمل غبار كبريت  لم يشمه أبي فعلاً . رحل القطار ، رحلت جارتنا ، هكذا كان  مصير الأرواح التي تؤازرني في ظلمتي .. الواحد تلو  الآخر أبي ثم أمي .. فوقفت  وحيداً احارب الدنيا بلا سلاح سوى ثقوب الصفحات التي طعنها أبي  .. أذهب الى المقبرة  كي لا اشعر بوحدتي ، أتعثر بالشواهد ولا أجدهم فهناك تتشابه الأشياء /// .. وهناك لا ينطق الموتى ولا يهمسون .. لا أميز رائحة أحدٍ ،فموت البشر له رائحة واحدة حين يطمرون … انني أتيه وسط القبور .. أفلا تنظرون؟