دراسة سايكولوجية في أغاني المنفى
ثنائية المرأة والوطن
عصام الدجيلي
في مجموعة (أغاني المنفى) للشاعر احسان محمد علي تجسيدا لمعايشة حسية ووجدانية لحياة الغربة والمنفى.
ان انقسام الذات بمفهومها الدلالي يقود الشاعر للبحث عن سر الحياة والموت عبر تقنية لغوية مركزة تحمل في طياتها نفس مركبة ومعقدة تبحث عن ماهية الوجود وتجد خلاصها في الموت الذي يفضي الى الراحة الابدية او الى العذاب المتطير في منحى صوفي عبر مفاهيم الذات والوجود والماهية والكينونة التي طالما تناولها الصوفيون القدماء في كتاباتهم عن الجحيم الارضي والموت في الحياة وتكامل الوجود في صورة شفافة عبر تناسق العبارات المرصوفة بعناية (وبهرموني) يتناسق مع الوزن والقافية. (في الجحيم الارضي/ أستلقي فوق الاحلام/ أبلع حبة ليبريوم/ أو أشرب خمرا حتى أفقد ذاكرتي وأنام).
وفي قصيدة أخرى في تراجيديا التمزق في الغربة والحنين الى الجذور حيث تفقد الروح بوصلتها.
أفكر في ان اجد طريقة/ مثلى للموت/ لاعلن فيه زفافي بقميص أبيض أو في قصيدة الموت في الحياة / هل أحيا في (البرزخ) كالحي الميت.
ان هذه الارهاصات التي تحمل هماً انسانياً ينساب كمياه متعددة الانهار يتوزع بين ثنائية المرأة والوطن هذا الحنين والشوق الى امرأة تشاركه وهمه وهمومه الذاتية المنبعثة عن روح قلقة لا تعرف السكينة في بحثها الدأب عن ماهية الوجود وأواصر الاشياء/ ومذ كنت صغيرا .. أبحث/ عن واحدة تبادلني/ هذا الوهم.
ربما ان البحث عن الحب كتجربة اولى وفريدة ترك آثاره عميقه على نفسيته ووجدانه (غنيت صبيا/ لامرأة لا تعرف/ معنى الحب). ان هذه الذات المنقسمة على نفسها نصفين الباحثة واللاهثة عن (المطهر) قبل الموت، في وسيلة للتخلص ربما من الاحاسيس بالخطيئة (يا آدم/ لو تعلم/ باني أكلت التفاحة مثلك مغويا) والنصف الاخر الهائم في ملكوت الله وحب الوطن الذي يغنيه كمعشوقه ابدية كما غنت (عشتار) (لتموز) وبكت مرارا هل هو الاحساس بالخيبة القاتله في ظلمة الحاضر وما تشهده المنطقة من صراع دموي أفرد لها الشاعر اكثر من قصيدة (برهوت/ سايكس بيكو/ التأريخ) انها محاولة لربط الماضي بالحاضر وحين تشتد قسوة الغربة يتشبث بالغناء الموجع عن مرارة الابتعاد عن الوطن وعن بغداد بالذات. (وطني جريح/ وانا جريح) (في المنفى أغني (للسماوي) ناظم/ يا (حريمه)/ أشرب آخر قنينة صبر/ من بئر الاحزان) ( على باب (كلواذي) سأعلق آخر قصيدة حب/ لسيدتي بغداد).
ان نمطية التفكير السائدة على القصائد مستوحاة من القلق، الخوف، الحياة/ الموت/ الآخرة/ الحساب/ المرض/ الزهايمر/ الضياع/ التشتت. معتمدا على الثقافة القرآنية والمورث الشعبي والعقيدة المورثة يتداخل فيها الماضي والحاضر والمستقبل في رؤيا متشابكة توحي بتهشم الذاكرة والمفاهيم السائدة والقيم والمعطيات في العقل الجمعي الذي هو جزء لا يتجزء منه. (وأنا مذ كنت صغيرا/ أبكي يوم الطف).
ان الشاعر ينتقل عبر قصائده انتقالات مكانية وزمانية وفضاءات متعددة تصل الى درجة الهذيان المحموم انه كالنائم المستيقظ حيث تزوره الاحلام وتعوي مثل الكلاب عليه لتوقد فيه جذوة البوح عن المحسوس وغير المحسوس مستفيدا من ثقافته القرآنية والايمان القاطع بالنص الذي لا يحتمل التأويل.
واذا كان الشعر نبوءة فان الشاعر احسان محمد علي يتنبأ ضمن المورث الديني الذي يبتعد فيه عن السياق عن قيام حرب ثالثة وظهور من سيقود الامة لكي ترتقي بنفسها الى مصافي الامم المتحضرة والمتقدمة.
(في الكوفي شوب/ أشرب قهوتي الفلايت وايت/ وأقرأ أبراج الحظ/ أبحث عمن يحادثني/ عن آخر حربٍ .. سيشهدها العالم/ في الالف الثالث بعد الميلاد).
انه توقع حدسي بانهيار العالم الحاضر الى عالم جديد في اعتاب حرب مهوله.
(في الحرب الكونية الثانية/ انقسم العالم قسمين/ في الحرب القادمة .. التي ما فتأت تدق طبول الموت/ سيكون العالم .. والقارات السبع/ بيد الحاكم باسم الله الغالب/ ولا يفترق الناس على اثنين).
واذا كان الشاعر مرآة يرى الناس أنفسهم فيها وهو يعبر عن ما يجول في خاطره من شطحات ووقائع فنفسية الشاعر المأزرمة المتقلبة بين ثيمة المرأة، الوطن، الحياة، الموت.
الاسئلة الضاجة الباحثة عن الماهية والاواصر في الكينونة الى الصيرورة الى الدينونة يتوزعها الخوف المرعب والصراع المرير الذي يذكيه الشيطان ويزيد ناره اشتعالا هل هي (البرنويا) كما يقول علماء النفس ام هي المكاشفة كما يقول المتصوفة (يشق الفجر قميصه/ فترجع روحي الى بدني/ من غياب ذاك الموت/ أتذكر .. أشياء .. ووجوها/ في ملكوت أرحب من هذه الدنيا/ أسرارا لا يعلمها الا الله/ والملأ الاعلى).
أو عن علاقته المتواصلة في الصراع بين قوتين تتحكمان فيه قوى الشر وقوى الخير باب العلم وباب الجهل. (اللئيم (بزلبع)/ استدرجني في صلاة التامل/ وحدثني أن أشرب خمرا/ أعصره من ثدي الدنيا/ والوثه بفيض الحب).
ان قصائد المجموعة لا تحمل تناسقا فهي موزعه بين مواضيع وعناوين شتى تحمل في طياتها الصدق الفني والوضوح اللغوي باعتبار ان اللغة كائن حي وان اتجهت في أغلبها الى المنحى السبعيني من القرن المنصرم ما عدا قصائد (أغاني المنفى/وسونتيات الحزن والوجع/ خواطر) فاخذت مسارا حديثا في كتابة النص الذي لا يخلو احيانا من السردية وان احكمته موسيقى داخلية متوازنة ما عدا بعض القصائد التي ضمتها ابيات شعر عربية قديمة فقد حاول اقحام القافية في احيان كثيرة ليستقيم الوزن لديه وهذا يشكل عدم دراية كافية بعلم العروض. ان اقحام القافية لن يساهم ابدا في تكامل النص نحو فضاء اوسع. انها مجموعة شعرية متوسطة البناء الفني ولكن مضمونها اكبر اتساعا من منجزها الابداعي مع ملاحظة وجود ارتباك قليل في الانتقال من بحر الى بحر.
انها اسئلة تبحث عن مخرج عن اجوبة تقود الى القرار. انها تجربة حرية بالقراءة لما بين دفتيها من تجربة انسانية لنفس معذبة وروح مهشمة تاكل الغربة بقاياها انها الاسئلة الواقفة امام باب الحياة/ النفس/ الروح/ المصير.
انها الفاجعة ورمادها، انها البحث عن الذات الغير منفصلة عن واقعها في غناء حزين زادته الغربة والمنفى ذهولا وارتباكا.
ان التحليل (الفرويدي) سيكون مقنعا اذا تتبعنا مرحلة الطفولة والمراهقة التي يتبين انها بصمت حياته بكثير من الخيبة والاحساس بالاضطهاد او التوق الشديد للمرأة وهي متلازمة هي وحب الوطن بحنين يترك جذوره شاخصة في أرض يباب.
(في الغربة/ يبدو الوطن أجمل/ من كل البلدان/ وتكون الذكرى البسة كالأكفان)
(ابحث عن مرسى/ أبحث عن عمري اللاحب فوق الاشواك/ وأقفل أحسب ايامي الشاخت في تابوت الاحياء)
ان استقصاء الحالة النفسية الشعورية ستكون حافزا لفهم اقرب لاستيعاب هذه التجربة الشعرية في قضائها .. انها نفسية غير (سيكوباثية) وغير عدائية تحمل هموما وواجاعها عبر (زمكاني) يتردد صداه بالربط بين الماضي والحاضر والغياب والحضور ففي مخيلته وذاكرته تتمثل مدينته برموزها وشخوصها والناس الذين عايشهم حيث تركوا مساحة واسعة في وجدانه وكينونته وتبقى ثنائية المرأة والوطن/ الخيبة/ الاحباط/ التثبيط/ دلالات الماضي الذي يشكل الحلم والحدس والموروث الديني والاجتماعي بودقة تصهرها في غناء حزين يشف عن نفس تواقة للخلاص من ادران الدنيا الى عالم يتسع بوحه وامنياته ومناه (أسير بخطى ميتة/ نحو الموت/ الموت صديقي). (أبحث عن رأسي/ أبحث عمن يصدقني/ أربكني الاحساس بالغربة كثيرا)
(لا أدري لمن كنت أغني/ كنت أغني لامرأة ما عادت تعرفني/ وللموت القابع في الطرقات/ هل كنت أغني من فرط الدهشة/ أم ابكي على ما هو آت!!)
وأخيرا انها مجموعة شعرية تستحق القراءة ليس لمنجزها الأبداعي فهي متوسطة الاداء وظهرت هنا وهناك أخطاء (بنيوية) لكنها تجربة تمس الوجدان النابض خلف قضبان الزمن الصعب، انها اسئلة ضاجة تبحث عن أجوبة في أبجدية الانسان الباحث عن الذات/ عن المصير/ عن الكيف/ والحين/ عن الحياة والموت/ عن الابدية التي تحمل في طياتها أسرار التكوين. عن حضور (الميتافزق) في النظرة الماورائية تحمل هاجس الاحساس المفرط، اليقين، الدهشة، الشفافية المتناغمة مع نفسيته المورقة في صحراء الروح الخالية من البهجة لتطرح أسئلة مشاكسة عن اللاجدوى، اللا أمل، اللا رجاء في زمن تتشابك فيه الاقدار لتحيل الحقيقة البسة لا يستطيع الجميع ارتدائها. انها غصة الروح في بوح شفيف يلامس شفاف القلب ليعزف موسيقاه المنفردة خارج السرب.
ان (الفوبيا) الكآبية التي تغلف سماء القصائد تحيلها الى نشيج متواصل أشبه بالرثاء، رثاء الزمن والامكنة والشخوص رثاء الذات الخائفة من سطوة الانتقام عند حلول الظلام حيث يبعث الشيطان نفثاته المسمومة على جسد الفضيلة ليحيلها الى صراع موحي بالشقاء الذي ينتظر المصير. بشفافية عالية، واحاسيس محرقة وعواطف جياشة تشير الى اكثر من بوصلة تحكم أيامه لتقوده الى الضوء أو الى العتمة.
























