خلوصي بإعترافات زوجة رجل مهم.. الكشف عن المستور في واقع مكشوف

خلوصي بإعترافات زوجة رجل مهم.. الكشف  عن المستور في واقع مكشوف

قد يتساءل المتلقي عن ماهو الشيء المستور في واقع مكشوف لديه ولايغطي عورته شيئا ، وما الذي يمكن ان يضيفه سارد مثل ناطق خلوصي لهذا الواقع الذي مزق كل استاره بيده من دون ان يترك له شيئا مخفيا او يمكن البحث عن خفاياه حتى وان كان هذا المستور المعلن هو الممارسات اللاخلاقية  للمسؤول الذي يتصدى للخدمة الاجتماعية ويكون على راس تلك المسؤولية .

يفتتح خلوصي نصه السردي  باستهلال دال ويفضي على الكثير من المشاهد اليومية التي تحيط بالمتلقي ويتالف معها مرغما او كرها ، اذ صارت اشبه بتعويذات التغيير الحاصل في العراق ، هذا التغيير الذي وجد نفسه مرغما على التالف معه شاء ام ابى ” نظرت بعين ضجرها الى الساعة المعلقة على جدار الصالة فوجــــــــدت انها تقترب من العاشرة . لا شيء جديد على الشاشة الصغيرة الان. لاخبر عن تفجير ما او اطلاق رصاص. عليها اذن ان تغادر ترقبها الحذر اذ ليس ثمة مايدعو للقلق ، او هكذا اوهمت نفــــسها . لم يات بعد.”. ” الرواية-ص5 .

في هذه الصفحة في الذات والتي تعد المدخل الرئيس للحكاية السردية على امتداد مساحة النص البالغة ” 235″  والصادرة عن دار ميزوبوتاميا في بغداد ، نقف على ثلاث حالات مهمة تمسك بالمتلقي الى فك الشفرات اللاحقة من خلال القراءة التواصلية لتتابع سرديات الحكاية بتوينعاتها المختلفة حيث ان هذه الحاية لاتسيطر باتجاه حكائي محدد وانما تتنوع وتتداخل من اجل كشف زوايا الصورة التي قد تكون في المناطق زوايا النظر الميتة .

حيث ادركنا اولا انه لايوجد ماهو مثير في الشاشة الصغيرة ، كما اننا سنرى في الفقرة الثانية من هذه الصفحة ، المرتكز الثاني او الرئيس في الحكاية الا وهو ” عاودتها الرغبة في ان تكتب، رغبة جامحة ، مؤجلة ، ظلت تراودها منذ زمن ، وامامها الان مايشجعها على ان تفعل ذلك .”.

 اما المرتكز الثالث فهو ” ولعل ما اثار دهشتها حين صارا في صالة الاستقبال في المطار انها رات جنود المارينز يستقبلون زوجها باحترام بالغ ورافق عدد منهم السيارة التي اقلتهما الى هذا البيت فادركت انها زوجة رجل مهم الان.”.

ادركت انها زوجة رجل مهم ، هذه هي اخر الكلمات في الصفحة الاولى من هذه الرواية والتي كشفت عن عتبتها بتقديم كلمة اعترافات  ، وهو الامر الذي يثير المتلقي الى التعرف على هذه الاعترافات وهل ستضيف له شيئا خارج مايعرفه من تفاصيل يومية للقتل والسلب والاختطاف والاغتصاب والسرقة والفساد والعنف والى كل ماشاكل ذلك من افعال واوصاف تعج بها الصحف والنشرات الاخبارية اليومية والتي من كثرة تدفقها احدثت لبسا في ذاكرة المتلقي ودفعته الى العزوف عن متابعة ذلك التدفق الاخباري والتمسك  بانشغالات وهمية تبعده عن هذا الطنين.

لكن عتبة خلوصي فيها شئ من الاثارة في مقطعيها ” اعترافات” و” زوجة رجل مهم” فالفعل والمكانة السياسية والاجتماعية للزوج تدفع بالتلقي او تثير فيه عوامل الفضول للاطلاع على هذه الاعترافات وماتحمله من تفــــاصيل او تكشفه من حوادث ومجريات للامور ، فيما يذهي متلق اخر الى التعرف على الكيفية التي سيؤثث فيها خلوصي سرديته الحكائية هذه وماهي الثيمات التي سترتكز عليها الحكاية وماهو الهـــــــدف من وراء تدوين هذه الحكاية؟.كل الخيارات والمسوغات لقراءة هذا النص مفتوحة ، وهو الامر الذي تكشف عن عتبة النص واستهلاله المرتكز على المحاور الثلاث الرئيسة في الحكاية وتبقى كل الاسئلة مفتـــــــــوحة ومشروعة بالنسبة للمتلقي وهو يتجــــول في غابة الاحداث بين اطار سردي خارجي يقدمه السارد الاول وبين اعترافات ذاتية يدونها السارد الضمني في اعترافاته على الورق والتي تبقى بعيدة عن اعين الزوج المهم .

هذا النص الروائي هو النص التاسع في تجربة الكاتب ناطق خلوصي ، بمعنى ان هذا الكاتب هو كاتب محترف يعرف من اين يدخل لنصه الروائي وكيف يخرج منه معافى سليم ليبدأ تجربة اخرى تختلف عن التجارب السابقة ، وهو يرى في الواقع ومتغيراته وتبدلاته وتقلباته السياسية والاجتماعية المادة الخام في تشكيل حكاياته السردية بعيدا عن الافتعال او التكلف او القصدية السياسية والايديولوجية ، وهو حين قدم مرتكزاته الاساسية في صفحة الاستهلال الاولى لم يكن يخشى استمراره في سرد تفاصيل الحكاية او ان تتدفق الحوادث سوف ينقطع عند مرحلة معينة وانما هو واثق من بقاء شعلة التدفق مستمرة لان الحكاية لم تنته بعد وان تفاصيلها لازالت قائمة بين ثنايا الطبقات السياسية لاسيما تلك الشخصيات الوصيلية والانتهازية ، الا ان النص لايقدم نفسه بهذه المباشرة وانما هو نص كاشف يضيء التباسات المرحلة وتشابك المصالح الشخصية وتقدمها على النفع العام ، لذلك تغيب الاخلاقيات المجتمعية بين تلك الشخصيات وتظهر بدلا عنها اخلاق المنفعة الشخصية التي ترمي بكل ماهو قيمي وانساني وراء ظهرها من اجل تسويقها للاخرين .

في هذا النص ثلاث شخصيات مركزية ” فاخر ، وزوجته شهد ، وسلطان ابوصماخ” فيما ضم ايضا عددا كبيرا من الشخصيات الثانوية التي تمحورت علاقاتها في متن النص ضمن الحياة الخاصة للشخصتين الرئيستين ” فاخر وزوجته شهد “. هذه الشخصيات الثلاث ، عاشت خارج العراق قبل التغيير الذي حدث في التاسع من نيسان 2003  بمعنى اخر ان رواية ناطق خلوصي التي انتهى من كتابتها في اوائل تشرين الاول 2014  كما ثبت ذلك في الصفحة الاخيرة من الرواية تنتمي الى الروايات التي كتبت بعد تلك الاحداث وهي تشترك مع نصوص اخرى لكاتاب عراقيين في الداخل والخارج كتبوا عن هذه المرحلة بمشتركات عدة وان اختلفت في زوايا النظر .

” قلت لفاخر وانا احبس دموعي :

–         ماهذا الذي يحدث يافاخر؟

يتهلل وجهه ويقول:

-انها الحرب كما ترين.

-ومتى تتوقف بما تحمله من موت ودمار ؟

-عندما تنتهي المهمة المقدسة . مهمة تحرير العراق.”. ” الرواية- ص206″.

يرى فاخر انها مهمة مقدسة ، مهمة تحرير العراق ، وهو الامر الذي اقتنع او اقنعوا انفسهم ممن كانوا في المعارضة خارج العراق ، وتصدوا للمشهد السياسي بعد مغادرة الحاكم المدني لذلك لم يتاخر فاخر في تقديم زوجته عشيقة دائمة وسكرتيرة خاصة لسلطان ابو صماخ من اجل ان يحافظ على امتيازاته الخاصة في هيئة المستشارين، بقدر ان هذا النص يكشف ويدين مرحلة كاملة عبر الاخطاء التي مورست في سنوات الحكم الماضية ، فانه ايضا نص جدير بالقراءة ويبقى شاهدا على انحدار مرحلة تاريخية في حياة العراق الجديد السياسية ، وهذا الهدف الاسمى للكتابة الذي انطلق منه ناطق خلوصي وهويرسم الخطوط العامة لنص السردي واحكم تاثيثه بالكثير من التفاصيل الوقائعية من حياة وتجارب تلك الشخصيات ليبتعد كثيرا عن القصدية والمباشرة في الكشف عن زيف الواقع اليومي .