

مقامات بماء العيون٠٠٠ مشاهدات حية يوم كان شاذل طاقة مستشارا صحفيا في لبنان

مناف الياسين
فوجئت وأنا أحاول أن أكتب عن موضوع ما يُلحّ عليّ منذ مدة بوصول خبر احتفال بمرور خمسين عامًا على غياب أستاذي الشاعر (شاذل طاقة). كان معنى ذلك أن خمسين عامًا مضت منذ أن التقيت، وبفرح كبير، بأستاذي الشاعر ووزير الخارجية العراقي وقتها، وهو في طريقه لحضور مؤتمر عربي في أقصى بلاد العرب.
زرته وهو مقيم في فندق كبير يقع في أول شارع الحمرا ببيروت. شعرت وكأنني أربح جائزة لم أتوقعها؛ فقد اتصلت بي السيدة (بلقيس الراوي قباني) لتخبرني بذلك، وهي تعلم جيدًا كم تمنيت أن نتصل بمثقف ومسؤول حكومي عراقي ليحضر افتتاح المركز الثقافي العراقي في بيروت. وكانت تعرف جيدًا مدى احترامي ومحبتي لأستاذي شاذل طاقة من خلال أحاديثنا عن الشعر والأدب وذكريات التعلم والمدرسة، وهي موضوعات تُثريها الأحاديث المشتركة بين العراقيين وأجيالهم المتعاقبة.
كانت السيدة بلقيس قد أنجزت الكثير مما نحتاج إليه لاستكمال ترتيب البناية ذات الطوابق الأربعة وتجهيزها بالأثاث، الذي كان جزء منه مستوردًا من خارج لبنان. وقد تم الاتفاق مع مثقفين كبار واستنرنا بآرائهم حول المركز وما ينبغي أن يتوافر فيه، من بينهم زوجها المرحوم نزار قباني والموسيقي اللبناني الدكتور وليد غلمية، عميد معهد الموسيقى ببيروت، والصديق العزيز الشاعر العراقي المثقف بلند الحيدري، الذين أعربوا جميعًا عن فرحهم ودعمهم لوجود المركز في بيروت التي كانت آنذاك عاصمة الثقافة الحرة، واستعد أكثر من واحد منهم لدعم تشغيل المركز وإبراز أهميته الكبيرة. كانت بيروت حينها عاصمة لكل من أراد الحرية واستنشاق أجوائها الجميلة.
كنت في غاية السعادة عندما وافق أستاذي الشاعر شاذل طاقة على زيارة المركز دون احتفالات رسمية، رغم ضرورة ذلك في حينها، ورغم تعبه الشديد، وافق أن يسير معي على الأقدام في شارع الحمرا المزدحم بالكثير من الأدباء والشعراء العرب. كانت زيارته قصيرة جدًا، حيث كان موعد سفره في اليوم التالي، ولم نكن مستعدين بما يليق به كشاعر وأستاذ ووزير لخارجية العراق. أذكر أنه كان قد قرر التوقف عن التدخين بناءً على نصيحة طبيبه الخاص، ومع ذلك تقبل الدعوة نزولاً عند إلحاحنا عليه ووعدنا بألا تكون زيارته ضمن الأخبار الصحفية، بل حرصنا على ألا يعلم أحد بزيارته، وتوسلت إليه مؤكدًا أن زيارته هذه ثروة لا تُقدّر بثمن.
كانت زيارته رمزًا داعمًا لما كنا نخطو فيه أولى خطواتنا، واستقبلتنا السيدة بلقيس بترحاب جميل وفرح غامر، وقالت له ضاحكة: “سيغضب مني نزار لأنني لم أخبره، وهو كان يتمنى استكمال بعض الحوارات التي بدأتماها في بغداد، سواء بشكل فردي أو مجتمعي مع مثقفين عرب، لكنها أضافت مازحة بأنها ستحمّلني مسؤولية ذلك بناءً على طلبي”.
ومن أستاذي الشاعر تعلمت الكثير عن أهمية امتلاك تجدد اللغة، وما أسماه لي “أهمية إدراك السيطرة على اللغة وتبسيط الفكرة” إذا كنت تريد إيصالها ببساطة وجمال، فاللغة الجميلة تساعدك على الوضوح أولاً والاستمرار ثانيًا.
وعذرًا، فقد غيبت الحياة العديد ممن ذكرتهم، ومنهم أستاذي شاذل طاقة الذي درست الأدب العربي على يديه خلال المرحلة الثانوية في الموصل منتصف خمسينيات القرن العشرين.























