حينما نمزج التاريخ – عبد الزهرة خالد

حينما نمزج التاريخ – عبد الزهرة خالد

 

قبل منتصف حزيران بيومين من سنة ألف وتسعمائة وأربعة وسبعين كان الطريق الى ساحة باب المعظم

مرآب سيارات المناطق في بغداد عند نهاية آخر يوم لإمتحانات المرحلة النهائية من الدراسة الجامعية.

ما أدري ما الذي جعلني أحدد موعداً على ألا يتعدى يوم الثامن من آب ولا هي تعلم ما هو الرد الحقيقي أفي القدر

أم هناك أرواح تتصارع فيما بينها لأجل اللقاء في عالم المستقبل الذي لو علمنا لاستكثرنا من الخير في كل زاوية من زوايا العمر ومن المحتمل حتى في طيات شعر الرأس بعد تركه أن يطول خشية أن يقصه الحلاق .

كانت لحظة الوداع بقرار شجاع مني والتحدي الذي أعلنته في هذه الساعة وقد أختصرت نضال أربع سنوات

من الانتظار والصبر على ما تحمله الفؤاد من السهر في سبيل إيجاد أرقى جملة أكتبها في ورقة من أوراق الدفتر.

لم يكن في بالي أبداً أن أذكر عندما سقطت الدموع تتصافح فيما بينها بعدما سجلت تأريخ هذا اليوم على كفينا بكل حرارة كالوشم على فخد الحصان لكي لا يفقده الفارس بين مروج النسيان .كان الخاتم غير أصيل كما يقوله أجدادنا أو ربما أنتابه زيف هذه الأيام .

وبعد أربعة أجيال أو أكثر لا أعرف الجواب لِمَ هذا التأريخ بالضبط ولِمَ هذا القرار في حين كنتُ بتلك الأيام أضعف إنسان أمام تلك التي كنت أنتظرها صباح كل يوم عند جسر الصرافية أمام بوابة أكاديمية الفنون ولم تكن بحساباتي أبداً أن يكون هذا التأريخ محض إفتراء أو هباء في رياح الأيام لأن كثيراً من هذه الأرقام تعددت ومرت ومزقتها الأكف قبل أن يكون مصيرها جوف سلة المهملات.

لم أكن أعني التأريخ فحسب بل يتخيل لي الدموع التي رأيتها كاللؤلؤ على صحن من مرجان أو الرعشة التي أنتابتني وحشرجة الكلمات التي سقطت من حنجرتي سهواً أو بلا شعور وإحساس .

أعتقد هذا ما أردت أن أتجرأ فيه لأقول أن الفرح الغامر الذي ملأ الساحات العامة والحدائق وسطوح المنازل والرصاصات الطائشات التي ثقبت فيها بقع من السماء لإعلان انتهاء وقت الحرب واطلاق النار . بئس للحرب التي شربت من عافيتنا وعنفوان شبابنا سكبناه في رمال الحدود الشرقية من حيث نرغب أو لا نرغب .

بئس للخوف الذي ملأ ملامح الليل الشتوية والصيفية ألا لعنة الله على كل صوت سمعته لإجل القتال هم قتلونا وقتلناهم ومن يبرأ الدم غير الحدود التي بكت على عنادنا وإصرارنا الباهت أمام الأيام الخوالي .

هو تأريخ يا ليت لو كانت التقنية فيها محمولة مثل هذه الأيام التي توثق كل لحظات العمر منذ الولادة الى الشيخوخة الى الممات .المهم تغير تقييم السنوات كل حسب أهواه ومزاجه ألا يا تأريخ الأصفر أو الأسمر أو حتى الأسود دونّك المؤرخون حسب مزاجهم وقرأك القارؤون حسب ما فهمه المفسرون .

نعم تلك الأيام تداولنا ونحن المهرولون الى الخلف لأننا عميان لا نعرف لأية جهة يدركنا نهاية الخط ويتوقف المسير.

لو كانت لدي ماكنة لمزج المواد لجعلت من التأريخ عصيراً سائغاً وشربنا معاً نخب المنتصرين على زماننا البالي .