هل يجوز للشاعر مواصلة الكتابة دون جديد؟
محمد حسين علاوي غيـبي
كلما كنت أزور (بيت الحكمة) لحضور ندوة أو حلقة نقاش أدبية، كان يشوقني جداً أن ألتقي ذلك المحاصَر بحزنه الجميل …المُحتشد باحتراقه المتجدد … المسافر في منعطفات وجَعِه الرائع والمتوحد بوجده اليعربي الطري …حميد سعيد المتربع على هامة ذلك الصرح الثقافي ـ العلمي العتيد. إلاّ أنني ، وفي كل مرة ، أخرج خائباً لأنني لم أستطع الالتقاء به بسبب ازدحامه بمفردات حياته العملية والشخصية حتى أصبح دائب الحركة…منفلت الحضور بالرغم من أنه يجرجر خلفه أعوامه التي تجاوزت الستين بين أدراج العمل المعرفي ومسارب الالتزام الفكري وآفاق الجديد في الشعر رؤيةً ومفهوماً.
لقد أثمر عمرُه وآتى أُكُلَه…فكان التحول الإبداعي في العمل الثقافي… وكانت الكلمة المقاتلة الهادرة … وكان حميد سعيد الواقف منتصباً مع زملائه شعراء ما بعد الريادة ، يرسم بعمله المكتوب والشفاهي مسارات التحول وضرورات إثراء الوعي المبدع في الأدب عموماً وفي الشِعر خاصةً.
واذا كان حميد سعيد مسكوناً بالشعر حدَّ الثمَل باعتباره ((النشاط الأكثر قرباً الى نفسه من جميع النشاطات التي يمارسها في حياته … والذي يجعله أكثر احساساً بالحياة)) ،فان الشِعر بالنسبة له يمثِّل بذرة التمرد والتغيير أو حالة استكشاف وإضافة.
فهو الشاعر المتألِّق في فضاءات الشعر والمُحلِّق عالياً فوق أبراجه الطينية وشواطئه التي لم تعرف الدفء … وهو الذي نجح في مصادرة أذهان قرائه بأغانيه الغجرية وألهبها بحرائق حضوره الشِعري المُفعَم بالحب البلدي … وهو نفسه الإنسان الرافِض ، القومي النـزعة ، الثوري القَدَر الذي ” أسرى به غضب الوجد العربي الى مدن النار وحملته ريح الثورة باقة أزهار شوكية، لكنه عاد غريباً لأنه لم يتعود أفياء المدن الكبرى أو غرف المسؤولين” .
فالترف الفكري ، عنده ، غربة كالترف المادي …والتسكع في غرف المسؤولين وأبراجهم العاجية لا ينسجم مع رفضه ولا يحقق له ثورته وتمرّده على الموات الإبداعي والألعاب الشكلية ولا يضمن له التصاقه بمنهجيته وخصوصيته الشِعرية. لذلك، فغربته (غربةٌ واعيةٌ ، واضحـةُ الانتماء … محدودة الموقِـف).
لقد تفرّد حميد سعيد بجديد المُفردة وقوة الدلالة ودرامية الأُسلوب ، وتميز عن غيره من شعراء جيله بتجربته الذاتية والتزامه الفكري ورؤيته القومية ذات التوجهات الإنسانية واهتمّ بالجديد معتبراً القصيدة “فعل تجديد ومشروع إضافة، وهي باستمرار مقاومة لكل ما هو سلبي … في الرؤى والمواقـف”.
واذا كانت الثقافة ليست جمع معلومات، وأن المثقف ليس صفحات موسوعة، فان القصيدة ليست استعراضاً لمفردات ثقافية…”انها لحظة إبداعٍ في زمنٍ معرِفي”. ولا أرى حميد سعيد غامضاً في شعره من حيث افتعال الغموض كما يرى البعض ، لكنه _ وهو يمارس عملية الخَلق الأدبي في لحظته تلك _ يحرص على التقاط مفرداته وانتقائها متّكئاً على التضادِّ أو الجدل أو الصراع بين الشك واليقين ، الخير والشر ، الصفة وضدها من أجل تأطير صوره الحسية المتوهجة بمفاهيم ذهنية تأمّلية تحمل المتلقّي على الغوص بعيداً في مسافات من الخيال والتفكير والاحتمال والحدس. فهو يترك آفاق التفكير والتحليل مفتوحة لدى المتلقّي لإضفاء شحنات من الرؤى الإبداعية الى النص .فلنسمعه في إحدى مقطوعاته الذاتية ونتبين عُمق مفرداته فيها :
مُذْ نَسيتُ الضَحِكَ…
أغلَقَ الحكماءُ المُرابونَ بابَ البُكاءِ بِوَجهي
وطوَّقَ حُنجُرتي المُرجِفون
وفي غَفلةٍ من لِساني
يَدسُّ المُهرِّبُ ظِلّاً ثقيلاً من المُفرداتِ
على فُسحَةٍ من بَياني
أهذا المشرَّدُ … مَنْ كان ؟ أنتَ ؟
أهذا الذي أخرجَ الوردَ من جمرةِ الوقتِ، أنت ؟!
كنتَ ضيَّعتَ بابَ المسرَّةِ … ضيَّعتَها
فلتكونا معاً … واحداً في المسرّةِ .
فالحكماء المرابون من هم ؟! قد تكون المُراباةُ متحققةً في الكلمات وفي العمل الفني والأدبي كما هي في الأعمال والمعاملات المالية ، وحالة الابتزاز الربوي المعنوي وتجريد الشخصية من خصوصيتها وسِماتِها غير خافية في سلوك البعض، ولكن لماذا المرابون حكماء؟! هل هم وعّاظُ السلاطين؟! هل هم الناصحون الدجّالون ؟! الحكّام الكاذبون ؟! ولماذا أطلق صفة الخوف أو الإرجاف على الذين كمّوا فمَهُ وكبحوا صوته ؟ هل هم خائفون من صوته أم من تأثير ذلك الصوت في بعث الهمم وإذكاء شرارة الثورة والتمرّد لدى الآخرين ؟ وهكذا ، فإن علامات استفهام كثيرة ترتسم في ذهن وعقل كل متلقٍّ يحاول تحليل نص أو نتاج حميد سعيد .. وهو لعمري العمل الإبداعي بعينه وكأنه هو نفسه القصيدة المبدِعة في زمنها المعرفي ولحظتها المتميزة المتجددة المرتكزة على أرومة ثقافية وتجربة ٍ شخصية رصينة.
والسؤال الذي يعتلج صدر حميد سعيد دائماً هو: “لماذا يواصل الشاعرُ كتابةَ الشِعر إنْ لم يأتِ بجديـد ؟!” .فلم يعـد من الشعر ، في نظره ، النظم بكل أشكاله وأغراضه كالأراجيز والمعارف والقوانين العلمية كما فعـل المرحوم الزهاوي وشـعراء الفترة المظلمة ومن قبلهم ابن مالك في ألفيتـه.
ونتيجة لاهتمامات حميد سعيد بالفن التشكيلي ، فقد استطاع، وبمهارة عالية، توظيف هذه الاهتمامات في دلالاتـه الشِعرية ومفرداته اللغوية. فهو يرسم لوحته الشِعرية مرتكزاً على مخزونه الثقافي التشكيلي كما ظهر ذلك جلياً في قصيدته (اللوحة الأخيرة) التي يرثي فيها الفنانة ليلى العطار، ومن خلالها يرثي أئمـة هذا الفـن مثل ايفينيون وبيكاسو وجواد سليم وغيرهـم من الفنانين :
في تلكَ الليلةَ … كانتْ تسهرُ في مرسَمِها
تتصيّدُ من بعضِ كنوزِ أصابِعها
أقماراً وسحاباً وفراشات
لكنَّ الألوانَ
اعتكفتْ في حُـقِّ الكُحْلِ
ونامت في بردِ النسيان.
لنساءِ أفينيونَ حصادُ الريحِ
ولبيكاسو الآتي من جورنيكا
حِكمَتُه
لجواد سليم قيثارته وثمارُ الصيف
ولشارع حيفا … وقْعُ خُطاها .
واستطاع حميد سعيد أن يوظف مفردات المناجاة في لُغة الأدعية في بعض من قصائد مجموعته ((فوضى في غير أوانها)) مثل قصائد: البتول- إشراقة- وفاء تكتب على دمها – لأنه وجد هذه اللغة ـ كما يخبرنا هو في أحد حواراته ـ “لغة فريدة في توتّرها ومتميّزة في قاموسها وأبنيتها” :
أعطني بُرهةً في الزمانِ أو فُسحةً في المكان
انتزِعني من الشوكِ
وانتزع الشوكَ من مَتْنِ روحي
أعطني هامشاً في كتابك أو هامشاً لكتابي
أغثني … وقلْ ليَ ما لمْ أقلْ
ولعل ملامح التصوف ، كالحزن والوجد والإحساس بالغربة والوحدة والتجليات الروحية والتطلع الى الله ، قد أخذ تْ لها مكاناً حفيّاً في شِعر حميد سعيد ، ووجدتْ لها القدرة على تشكيل نصِّه الشِعري ولكن بمنظور جديد متحقق من اتكائه على الموروث ورؤى فنية متجددة وبما ينسجم مع فلسفته ونظرته العصرية .ويظهر ذلك جلياً في الكثير من نصوصه مثل قصائد : الحضور – الخطيئة – من تجليات حنّا السكران على حيطان الذاكرة. الا أن حميد سعيد حينما يضمِّن نصوصه شحنات من رؤى وتجليات وإشراقات الصوفية لا يعني أساساً أنه اتخذها موقفاً أو تمذهب بتعاليمها الضبابية وشطحاتها اللاعقلانية. فهو يتفق تماماً مع من قال:إنَّ (لكل شاعـرٍ تصوُّفـه الخاص) ، فلنقرأ له :
وبكلِّ الأسماءِ أناديكَ
أراكَ بكلِّ الأشياء
لكنكَ في الحزن تجليتَ
وفي ظمأي …كنتَ المـاء.
أو قوله :
إنْ لم تحملْ أسـماءَ الآتين
سيحملُكَ العصرُ
ضيفاً بين يدَي الموتِ فقيراً
تمتَدُّ يداكَ بِذُلِّ الشحاذين
يتعاطى خلف الأسوار بقايا لُغةِ التكوين
تحملُ خِرقَةَ صوفيٍّ مسكين.
أو قوله على لسـان الحلاج حين واجـه قاتله بفرَحهِ الغامر بقرب ملاقاةِ ربّـه :
في حضرةِ مَنْ أهوى
واجهتُ الجلاّدَ بحُنجُرةٍ مُحتَرقَة
وبحكمتيَ النَـزِقَة
أنَّ الوردةَ كالفِلقَة .























