
حميد الربيعي في تعالي وجع مالك
مشهد حسي منضبط
أرشد العاصي
يقول بول ويست في كتابه (الرواية الحديثة) عن شوبنهاور (ستكون الرواية اسمى وانبل شيء من نوعه ما دامت تقدم قدرا كبيرا من العالم الباطني وقدرا قليلا من العالم الخارجي). تذكرتُ هذه المقولة وأنا أقرأ رواية (تعالى وجع مالك) للكاتب حميد الربيعي، فهي إطّردت مع ظروف واقعها، وحاولت صياغتها فنياً، فالرواية لا تخلو من منوال الظواهر الاجتماعية، وتتابع في إنبلاج وسبر طيّاته، فالعمل له قيمة أدبيّة مهيبة ولغة رحيبة ومستفيضة أنافها ألقاً أكثر، والتعابير ممشوقة وحثيثة سرداً ووصفا، وتقنية تجلّت على الأطر النمطية. وهنا لا بدّ أن نشير إلى شيء مهم، وهو أن المقولة لا تنطبق على هذه الرواية فحسب، بل الرواية العراقية بشكل عام تكرّس تلك المقولة فما يقدمها تتسق مع حيثيات واقعها.
إن هذه الرواية عظيمة نعم عظيمة واثيثة بكلّ ما فيها، لذا أقول؛ الله عليك يا حميد الربيعي أيها الألمعيّ الفذ، يؤسفني لم أعرفكَ من قبل ولم أقرأ لكَ قبل هذه الرواية البهيجة والمشرقة. إنها لوحة دامغة ومنيفة ومونقة تخامر الواقعيّة بالرمزيّة وتواظب مغامراتها الملأى بالعطيّة والفروهة من إمكانيّات السرد الراقي لتأسيس سرد آخر بديع وسامي إلى حيث الجمال الصرف.
حقاً هذا العمل الأدبي ـ الرفيع المستوى من كلّ النواحي كتبت بعناية فائقة وشكل آسرٍ واهتمامٍ باهر، فقد أستخدمتْ فيها تقنيّات عديدة ومذهلة وصنيعة جعل الرواية لذيذة شهيّة ممتعة مثيرة سائغة هنيئة عذبة رغم تراجيديتها اللاذعة ومأساتها الوجيعة، كما انّ أثيمة هذه الرواية مشعة واستثنائية.
الكاتبُ تفوّق في سرده الروائيّ إلى درجة خياليّة وباسقة من خلال الواقع المعاش، وعبر صياغة مبهرة ومحكمة وتكنيك مرىء و خلّاب. ولا بدّ الإشارة إلى لغتها الشعريّة التي ترتقي بالأحداث أكثر إنقشاعاً وافاضة، وحميد يملك طاقة شعريّة شامخة وصاعقة تثيركَ أن تقرأها أكثر من مرة.
أكثر ما يميّز هذه الرواية و يجعلها عمل عالمي بل فوق العالمي بمراحل ـ إذا جاز التعبير ـ هو ثلاثون صفحة يأخذكَ إلى أماكن لم تصلها الرواية العالمية ولن تجد فيها هذا التعبير المليح الغرير والمطهّم ـ المضرّج بخمائل الإبداع الحقيقي (على الأقل بالنسبة لي).
مشهد جنسي
ثلاثون صفحة كفيلة بدخولكَ إلى عالم يندر مثيله في كل الأدب، إنه مشهدٌ جنسيّ حسّي مرئيّ لاهث وراقي وصارخ وعاصف وزاهر وكاسح وشاهق وباذخ لم تقرأه من قبل وان قرأته فهو أكيد لا تفوق ما قدمه المبدع حميد الربيعي ـ هذه الصفحات الثلاثون يجعلك مصعوقاً منبهراً وتصدح يا الله ما كلّ هذا البهاء ؟ أين كنتَ يا حميد منذ زمن كي تأخذنا إلى السماء من الأناة والرواء والمتعة والصفاء والصبوة والمصافاة واللذة والإشتهاء.
هذا النص لا يقرأ فقط، خاصة صفحاتها الثلاثون وهذا المشهد الجنسيّ الحسي المنضبط الذي يتجلّى في بؤبؤة عيون الأدب، حقاً لا يقرأ فقط بل يضمّ ويشمّ في لحظات عشقٍ يانعة.
























