حزن الأراجيح
في تلك الليلة التي سبقت نهار العيد جلست أمي تعد النقود أمامي وكانت كل تقاسيم وجهها تعربد بالحزن ، تعدها ومن ثم تعيد ترتيبها كأنما تحاول بطريقة خيالية مضاعفتها ، كنت جالساً أمامها مباشرة وفي يدي عودا كبريتٍ اجعلهما يتصارعان مثل جنديين خارقين للطبيعة ولايمكنهما الموت ، استرقت النظر للنقود فخلته يلتهم كل مايقع قبالته ، رفعت رأسها وحدقت بعيني ، لم تكن مجرد نظرة لقد اخترقتني بالكامل وأيقنت أنها سمعت ماوسوست به نفسي ، لم يكن امامي خيار آخر إلا أن يسترجع وجهي تركيبة الغباء الطفولي وأطلاق أبتسامة كسلاح أخير لمواجهة التحديق القاسي ، قامت ووضعت النقود بصندوق وتظاهرت بأحكام أغلاقه على الرغم من اني كنت أعرف انه لايمكن قفله لقدمه ولعدم وجود قفل اساساً ، بقيت أصارع بالجنديين ، ووضعت أمي الصندوق جنب رأسها ، تساءلت بخجل :
– أمي أنى لكِ تلك النقود ؟
– زكاة الفطرة
– كيف ؟
– من مال الله لعباده المحتاجين
– وهل لديه أموال !
– أبتسمت ، نعم ألكثير أخرجت يدها وهي مستلقيةٌ تدير بمسبحتها الخشبية ، بقيت تحرك شفتيها بمناجاة كان حرف السين هو الطاغي بمخارج حروفها ، وبقي صوتها يضعف ويهرب ببطء تراجيدي إلى أن غلبها النوم ، في تلك الليلة أردت النوم بكل ما أحببت ، أردت فقط أن أغفو وانتزع منظر النقود من رأسي ولكني لم أستطع ، تقلبت كثيراً ، كسرتُ عويديٍ الكبريت هذا ومخيلتي تسمع صراخ الجنديين اللذين قد بُتّرت أرجلهم واستغاثاتهم التي لم تنقطع ، وبغفوة لا أدري كيف اعترتني ؟ أفقت في وقت مبكر ، انتفض الصندوق أمام عيني فكانت أيحاءاته لاتقاوم ، مددت يدي بحذر غرائبي وأخرجت النقود، كان ملمسها في يدي مثل لوحة وقد اكتملت على أتم وجه ، خرجت مسرعاً بعدما أرتديت ملابسي القديمة ، توجهت مباشرةً الى ساحة العاب مدينتي الريفية ، كنت أول الواصلين مبكراً ، بقيت واقفاً أستمع لصوت الهواء وهو يتداخل في حديد الاراجيح ، كان صوته يخبرني بأني لم أعد بريئاً ، ينخفض ليصطدم بالارض مخلفاً زوبعات ترابية صغيرة تنتهي قرب حذائي المنهك ، أتى صاحب ألالعاب واضعاً سيجارته في فمه ينفث الدخان بكثافة عاليه ، وقف قربي وأبتسم ، كنا متفاهمين جداً ، أخرجت قسماً من النقود ودون أن أنطق بأي كلمة صعدت وهو بدوره أيضاً أخذ النقود وارتسمت على وجهه علامة الرضا ، أخذ يدفع الارجوحة ذهاباً وأياباً ، أصبح العالم ملكي وصرت أضحك لا ارادياً برغم وجه امي الذي لم يفارقني ، ذلك الوجه الذي يغيب ويظهر بملامح غاضبة واحياناً فرحة ، في ذلك اليوم لم أترك لعبة الا وجربتها ، لم أترك لعبة إلا وفرضت عليها سلطتي واستحقاقي ، بدأَ المكان يعج بالباعة والاطفال والآباء ، شعرت بأني المالك الوحيد لكل الالعاب ، لا أحد يستطيع إيقافي ، لعبت كثيراً ، أشتريت أكلات تذوقتها ورميتها ، دفعت حساب أحدى الفتيات التي كانت معي في المدرسة ، فعلت كل شيء ، ومن ثم رجعت إلى البيت ، نظرت في وجه امي ، كانت جالسة وبقربها جارتنا يتبادلن الحديث ، همست بعد أن مزقتني بسكوتها ، أتسرق ؟ ، رجعت تكمل حديثها مع الجارة ، ادركت أمي ان تجاهلها هو الوحش الوحيد الذي يستطيع اخافتي ، قمت بعدة حركات لجذب انتباهها لم ينفع ، ساعتها ادركت الخواء الذي ضعت فيه ، في تلك اللحظة امي من قدمتني قرباناً للتلاشي ، كان دفاعي عن نفسي إطلاق نوبة بكاء عالية ، الان وقد بلغت الثلاثين من عمري ، الشيء الوحيد الذي أعرفة أني غير نادم على تلك السرقة ، تلك السرقة الوحيدة التي أبتسم لأجلها الرب …
وعـــد حسين – ميسان























