حتى لا يتسع الخرق على الراقع – محمد سعيد السعيدي

 

حتى لا يتسع الخرق على الراقع – محمد سعيد السعيدي

 

 يعيش العراق ظاهرة فساد اداري ومالي خانقة منذ العام 2003 وعلى الرغم من المساعي الحكومية للحد من هذه الظاهرة وكثرة المؤسسات الرقابية الا ان العراق مازال يتصدر قائمة الدول الاكثر فسادا ولا يخفى على المهتمين بهذا المجال ان ظاهرة الفساد ازلية ليس لها تاريخ ميلاد محدد إلا إننا عندما نتحدث عن الفساد المؤسساتي في العراق بعد العام 2003 فالأهمية ذلك بالنسبة للمواطن العراقي دون ان نقصد الانحياز لحقبة سياسية على حساب اخرى وعند النظر في الإجراءات التي اتخذتها الحكومة العراقية للحد من الظاهرة نجد انها استحدثت عدداً من المؤسسات الضخمة كأحد حلولها بهذا الصدد وتتمتع تلك المؤسسات بإمكانيات مالية و بشرية كبيرة فضلاً عن حجم الصلاحيات المخولة لها، وفي مقدمة تلك المؤسسات هيئة النزاهة ومكاتب المفتشين العموميين فضلاً عن المديريات المعنية بذات الشأن والتي ترتبط بمؤسسات و وزارات الدولة الاخرى كالمديريات المعنية بالاسترداد وغسيل الاموال وغيرها. لكن السؤال الذي طالما شكل علامة استفهام مهمة لدى المواطن العراقي لماذا لم تؤت كل هذه المؤسسات أكلها وضلت آفة الفساد تستشري وتنخر في جسد الدولة العراقية بل إن المواطن العراقي وفي لحظات المصارحة مع النفس وأحياناً مع المقربين يقر إلى حد بعيد إن مستويات الفساد في عراق ما قبل 2003 أقل بكثير عما نشهده اليوم على الرغم من وجود جهاز رقابي واحد انذاك وهو ديوان الرقابة المالية.

 وفي محاولة منا لحصر اهم الاسباب التي تحول دون تمكن الجهد الحكومي للحد من الظاهرة المذكورة تبرز لنا مجموعة عوامل منها :

1-التغيير التي طرأ على شكل النظام السياسي في العراق وتحوله من نظام شمولي مركزي إلى نظام ديمقراطي تعددي فإن هذا التغيير أنتج بطبيعة الحال أحزاباً وكتلاً سياسية متصارعة فيما بينها للوصول إلى سدة الحكم ووفقا لهذا الصراع المحموم فأن تلك الاحزاب تحتاج إلى المال السياسي من خلال وضع يدها على جزء من أموال الدولة تحت أي مسوغ وبالتأكيد فإن ذلك لن يتسن لها إلا عندما تتمكن من الإستحواذ على عدد من المناصب في المؤسسات الحكومية بينما كان العراق قبل عام 2003 بعيد عن ذلك الصراع حسب طبيعة الحكم حينها.

2-طبيعة عمل المؤسسات الرقابية والاليات المعتمدة في اختيار مسؤوليها فمما لاشك فيه ان الدولة العراقية لم تتمكن من منح تلك المؤسسات القدر الكافي من الاستقلالية فضلت اغلبها ومنذ سنوات تدار بالوكالة ويتم تعيين مسؤوليها من قبل السلطة التنفيذية مباشرة وهذا ماوضع العمل الرقابي في العراق امام اشكالية كبيرة عندما تم وضع السلطة الرقابية تحت رحمة وسطوة السلطات التنفيذية ويُنتظر منها ان تمارس مهامها الرقابية بتجرد مع تلك السلطات على الرغم من انضمام العراق رسميا في العام 2007 الى اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد لعام 2004 والتي تنص في مادتها السادسة الفقرة (2) “تقوم كل دولة وفقا للمبادىء الاساسية لنظامها القانوني بمنح الهيئات المعنية بمكافحة الفساد مايلزم من الاستقلالية لتمكين تلك الهيئات من الاضطلاع بوظائفها بصورة فعالة وبمنأى عن أي تأثير لا مسوغ له ..

3-ضخامة الاموال المخصصة كموازنات لمؤسسات الدولة دون ان يصاحب ذلك أي اصلاح او تطور ملحوظ في النظام المالي والاداري والرقابي بصورة عامة فكلما زاد حجم الاموال في مؤسسات الدولة في مثل هكذا واقع  زادت فرص ضياعه والتجاوز عليه في ظل غياب الجهد النوعي الكافي في المحافظة عليه .

4-يدخل العامل النفسي ايضا كاحد اهم مسببات استشراء الفساد في العراق فمنذ وقت طويل اصيبت العلاقة بين المواطن والدولة في العراق بضرر كبير فتدنى شعور الانتماء والمواطنة لدى الكثير من افراد المجتمع وتملك المواطن شعور الاهمال واليأس تجاه الدولة وبدأ يلجأ الى الحلول الفردية بمعزل عن منظومة الدولة ماجعل المصلحة الشخصية تتغلب على المصلحة العامة .

ربما تأتي الاسباب الوارد ذكرها ضمن سلسلة اسباب اخرى لكننا ومن وجهة نظرنا نرى انها تتصدر قائمة تلك الاسباب وان تركها دون معالجة سيزيد الخرق على الراقع اكثر فأكثر وسيكون هذا المشهد المقيت اعتياديا لدى مجتمعنا وسنبقى نتغنى بامجاد عقودنا المنصرمة كأيام للزمن الجميل بينما العالم لا يلتفت الى الوراء في ظل انشغاله بالتطور السريع وعلى مختلف الصعد .