حبك .. جرح لا يندمل – فوزي الاتروشي

حبك .. جرح لا يندمل – فوزي الاتروشي

 

كنت متميزة علي بكل شيء ، كنت تسعين وانا احبو ، كنت تمطرين علي وابلا من المطر المنهمر حبا وعشقا ، ولم يكن مطري سوى رذاذ لا يكاد يرطب وجهك المتفح ابدا . كل صباحاتي كانت معمرة بك ومعطرة بنكهة يديك وابتسامتك الخضراء كما حديقة الدار في المنصور . وبكل حنانك الساخن كانت يداك تلامسان جبيني لأصحو على يوم جديد ، وامل جديد في طريقي الى كلية القانون والسياسة . تلك الكلية التي انبهرت بها منذ البداية وكانت هي اختيارك لي. ومنذ رحلت يا اماه عام 2002 ندمت على شيء واحد بات جرحا غائرا في صدري ، هو اني لم التقك للمرة الاخيرة وانت تغادرين عني لتعودي وتنغرسين منذ ذلك الحين في مسامات جلدي ، حينها اخذتني مشاغل الحياة بعيدا عنك . لكن عزائي انك كنت راضية عني ورضاك هو حبي الابدي في الحياة و قنديل الضوء الذي بنوره استمر واتواصل وانجز وابني واعمر ايامي بالحب والامل والعطاء .

ذات يوم كتبت عنك قصيدة طويلة هي كل ما املكه كهدية مقابل هداياك وعطاياك التي لا حصر لها ، فمنك تعلمت ان الحياة موقف وقوة وارادة تفل الحديد ، وانعتاق عن التقاليد البالية ، وانها تستحق ان نمضي فيها الى الامام مهما كانت الموانع . لذلك كان اصرارك علي وعلى اخواتي واخوتي ان لا نتخلف عن مقاعد الدراسة وان نواصل طريق العلم . ومنك عرفت ان الحياة الاجتماعية الزاخرة بالاحداث والزيارات والتواصل اليومي مع الاخرين من الاحبة والجيران مفتاح بناء الشخصية القوية العصية على الانكفاء والانطواء على الذات . كانت ايام الخميس والجمعة لديك مهرجانا للقاءات والاحاديث والصحبة البريئة والنقاشات الشيقة مع ضيوف البيت وما اكثرهم واجملهم حين كانوا يلتئمون على موائد الطعام العامرة بالفرح وبما لذ وطاب . والحق يقال انك كنت تكرهين ان تأكلي لوحدك او تجلسي لوحدك او تفرحي وحيدة ، وهذا ما زرعته داخلي الان . وكم مرة رددت امامي ان جدي النبيل (ميرزا) لم يكن يجلس على المائدة الا وانا الصغير جدا معه ، وحين غادر الحياة كنت الوحيد الذي لم اصدق موته وبكيت -كما قلت لي حينها – حتى ماعادت لي دموع ، ولم اتيقن من وفاة هذا الجد الحنون ، ذلك الرجل الذي ما زالت بلدتنا اتروش تردد اسمه ، الا بعد ان وقفت على قبره ، هذا القبر الذي يتوسط الان قبر ابي وجدتي التي اخذت برحيلها عام 1974 بقية ما املك من قدرة على البكاء والعويل . اكتب هذه الكلمات في ثاني ايام العيد  ولا ادري متى سترى النور وتنشر ، ولكن المهم انها لك اماه في هذا العيد وكل عيد . ان حبك جرح لا يندمل ، وحلم جميل لا اريد ان تفارقه عيني ، ومسلسل يتكرر على مدار الساعات ، ويعفيني من حب اية امرأة اخرى اكثر منك . اتذكر كنت تكررين امام الجميع انني الاقرب اليك ، والاكثر وفاء لك من بين اخوتي ، لانني لم ارفض لك طلبا ، ولم يكن همك سوى ان اكون وفيا للقيم التي راح من اجلها جدي وابي ، فقد سالت دماؤهما البريئة في ( اتروش) رغم انهما كانا رمز العفة والسخاء والنبل للناس وللوطن . فجأة رأيتك اليوم جنبي صباحا وانا ارتشف القهوة وانت بفستانك الكردي المزهر ووجهك المنتشي فرحا .. وسؤالك كان ماذا دهاك يا بني ؟ أليس العيد موعدا للفرح والهلاهل والخروج الى الهواء الطلق ؟ الم تكن تخرج في هكذا ايام الى شوارع بغداد ، و ترتاد السينما والمقاهي ، وتسير وتتفسح على شارع ابى نؤاس ليلا ؟. قلت مهلا اماه بغداد لم تعد بغداد ، والشوارع محملة بالخوف ، والاسواق مقفلة ، والناس غائبون خلف الابواب الموصدة باحكام . بغداد لم تعد بغدادك التي كانت ، انها الان تلعق جراحها ، وتندب حظها ، وتبكي بمرارة اثر كل تفجير يحصد مزيدا من ابنائها الابرياء . بغدادك يا اماه لم يكن فيها الارهاب ، والقتل ، والسلب ، وكانت نهاراتها مضيئة ، ولياليها عامرة بالصخب والاغاني ومظاهر الاناقة والجمال ، وكان فيها الق الانسان الجميل .وكانت النساء والرجال والاطفال والشيوخ يحتفلون معا ، ودور العرض السينمائي مشرعة الابواب الى ما بعد منتصف الليل . الان يا اماه ليس هناك سوى الخوف والرعب واحتمالات التفجيرات في كل ساعة هي الهاجس وهي التي تمزق احلام العيد . هكذا هي بغداد مسترخية على جراحاتها لا تكاد تداوي جرحا حتى ينزف جرح اخر مثلما كما يقول الشاعر ابراهيم ناجي في قصيدته (الاطلال التي غنتها ام كلثوم :

واذا ما التام جرح ، جد بالتذكار جرح

وها انا ككل فرد في هذه المدينة انطوي في البيت تارة افكر فيك ، وتارة اهرب نحو اوراقي واقلامي لأكتب شيئا ، واليوم هو يومك  وقد قررت ان اكتب عن حبك الذي اجمل ما فيه انه جرح لا يندمل .. فشكرا لك يا اماه اذ الهمتني صباح العيد هذه الكلمات .