حارقو البخور – حسام الدين الانصاري

 

حارقو البخور – حسام الدين الانصاري

 

طالما كان الكرسي مكاناً للقصّخون وحكاياته التي تتراوح فيها الألعاب بين أدوار الخير والشر وحكايات الجن والسحرة وقصص علي بابا والأربعين حرامي والثعلب الماكر الذي حج البيت الحرام والمارد الذي خرج من القمقم ، وغيرها من قصص الهزل والسخرية عندما تنزل الثروة على الصياد الذي يجد الماسة النادرة في جوف السمكة التي يصطادها ، وقصص الحزن والخيبة حينما يعود الأعرابي الفقير بخفي حنين بعد أن فقد الجمل الذي يعتاش منه ، وكثير من القصص والحكايات والاساطير التي تلهي الناس وتخدّر أهل القرية بحكايات القُصّخون الجالس على الكرسي ، الذي يمتلك كل الخيوط المحركة للدمى التي تلعب الأدوار المضحكة المبكية ، فتسرح بأهل القرية الى عالم الاساطير والخرافات والخداع فيصيبهم الخدر والاستكانة ولا يعودوا يعبأون بشيء ولا يهتمون بأحدٍ سوى القُصّخون الذي أصبح مَثَلهم الأعلى فيكيلون له المديح والثناء لما يقدمه لهم من معسول الكلام ومتعة القصص والحكايات فيقابلونه بالولاء والطاعة والتعظيم ويدفعونه الى المزيد من الإسفاف والتردي في قصصه وحكاياته الخالية من المصداقية والمليئة بالمبالغات ، وأصبح يعرف بأن بقاءه مرهون بدوام التصفيق وحرق البخور .

وبالتحول من كرسي القُصّخون مروراً بالراديو والمسجل والتلفزيون والفيديو والكومبيوتر والأقراص المدمجة واللاب توب والموبايلات الحديثة ، فقد تغير الأمر ليحتل الكرسي أصنافاً أخرى من المتحدثين ، منهم الخطيب والواعظ والسياسي والمرشد الديني والفقيه والمحلل الاستراتيجي والخبير والمعارض والمؤيد ، وكل واحدٍ منهم يقتطع شريحة من المجتمع يسجلها لفريقه فإذا بالقُصّخون الواحد يصبحون بالعشرات ، بل بالمئات ، وبتعدد وتنوع هؤلاء المتحدثين تتعدد الآراء والولاءات والخلافات لتصل الى حد الاختلاف ، وتتشكل الكيانات وتزداد محاور الاستقطاب التي تدفع الى المزيد من الفُرقة والاختلاف ، وتتصاعد أدخنة البخور للتعبير عن الولاء للقوى التي تنمو وتتكاثر بشكل بكتيري لا توقفها المضادّات الحيوية … فيتحولوا الى قوى ضاغطة في مراكز فاعلة ومواقع سياسية مؤثرة تستمد قوتها المعنوية من حارقي البخور الذين يحيطون بهم فيزدادون تصلباً واستقطاباً وغطرسة ، فتتحول تلك المحاور الى أعمدة يستند إليها السقف الذي يحتمون تحته ، وأن لا يغفلوا الحفاظ عليه ، وأن يدركوا بأن تصدع السقف أمرخطير وأن دخان وعطر البخور سرعان ما ينقشع ، وأن حارقيه سرعان ما يغيبوا ، وصيد الجوائز والمنافع متوفرة في دكاكين كثيرة لا تحتاج سوى تبديل الموجة ، وبيع الولاء مهمة سهلة على حارقي البخور لكثرة المشترين .