جمال جاسم أمين يبني لنفسه فضاءً خاصاً
الثنائيات الضدية في بحيرة الصمغ
ايمان عبد الحسين
بدءا لا بد من القول ان كل تجربة ادبية سواء كانت شعرا ام قصة، التي يعكس فيها الأديب الواقع، ويعيد تركيبه فنيا، هي محاولة مرتبطة في جوهرها بطبيعة الحياة الإنسانية التي يحياها، وان اهميتها لا تكمن فيما يطرحه المعنى فيها من جانب واحد ، بل بما ما يطرحه فيها من صيغ عديدة ومتنوعة ، تتغلغل داخل دائرة من العلائق المجتمعة ، وان هذا الطرح يحتاج حتما الى تمكن و قدرة من الكاتب لتوصيل ما يريد طرحه من خلال صور تغدو فيها الثنائيات الضدية رموز دالة على المفارقات التي يعبر بها الشاعرعن موقفه إزاء العالم وايصال رؤيته و طرح موقفه من الحياة والتي حسب باشلار من (ان الحياة تنبعث في كل الاشياء عندما تجتمع التناقضات ).
هذا ما توصلنا اليه ونحن نقرا المجموعة الشعرية ( بحيرة الصمغ ) اللشاعر (جمال جاسم امين) الصادرة من (منظمة الصحفيين والمثقفين الشباب المستقلة العراق / ميسان ) التي تسجل الثنائيات الضدية حضورا قويا وتبدو أكثر الاشكال بروزا فيها ، ذلك باعتبار ان قيمتها تنبع من اسلوب و رؤية الشاعر الذي وجد فيها سمًة أساسية من سمات التعبير من خلال اقحام صور عديدة متنوعة لديها بالمقابل صور اخرى معاسكة، و وجوه تقف في التضاد مع وجوه اخرى، لذا فان الشاعر هنا لا يطرح رؤيته بصورة مباشرة ، بل تتعداه الى ما هو ابعد من ذلك من خلال الجمع ما بين المتناقضات للتأكيد من ان الحياة ما هي الا سلسلة من المفارقات التي تتحقق بين الموقف والموقف المضاد .
فمن الواضح ان فاعلية الثنائيات الضدية في المجموعة استطاع ان الشاعر من خلالها ان يبني لنفسه فضاء لو خصوصيته وتميزه منذ البدء، أي ما بين الفتح والحبسة التي كان الشاعر يترجم من خلال تناقضهما حقيقة ذاته مع العالم، الذي يحيط به بانيا من خلاله فضاءً درامياً يرمزالى تصعيد الاحساس بالإحباط لعدم القدرة على البوح، فيتجسد التناقض وتبرز الصورة الأكثر إيلاماً، من معاناة الشاعرعندما يحتاج الى بلع ريقه فيضطر لحذف جملة، فالدورة ما بين المتناقضات أي بداية بالمفتتح ونهاية بالحبسة يتم الشاعر توصيل الرؤية من خلالها :
بنصف حنجرة
اختار كلماتي بعناية
وعندما احتاج ان ابتلع ريقي
اضطر لحذف جملة على الاقل.
ولو تتبعنا في المجموعة منهجا احصائيا سوف نرى هيمنة التضاد من خلال حشد الشاعر عددا من الثنائيات الضدية، التي ُتميز النص الشعري، والتي تحتل مساحة واسعة من معانيه وتوجهاته ،فنلاحظ عناية الشاعر في التناقض ما بين الكلام والصمت التي تستجيب على ضوئها الحاجة الى توصيل رؤيته التي بداها منذ اول قصيدة و تستمر في قصائد اخرى في المجموعة ولقد اجاد الشاعر في توظيف هذه المفردات على مستويات مختلفة حسبما يستدعيه الموقف فهو في قصيدة (الشجن معرفة) يعبر عن إحساسه المثقل بالاحباط واليأس من خلال ثنائية الصمت والصوت:
يغريك صمتك ان تجف
يغريك صوتك ان تموت.
وفي قصيدة (ذكرى ارملة) ينقلب الموقف ما بين الصمت والكلام عندما يمجد الشاعر الصمت على الكلام باعتباره اكثر امانا :
يشعرون ان الصمت
اقل فضيحة من الكلام
الصمت غالبا بلا اخطاء
بينما الكلام زلاجة على منحدر.
وتكتمل هذة الصورة بصورة اخرى نراها في قصيدة (منتصف الطريق) في التضاد ما بين الصمت والتحدث:
بالصمت يصلون قبل الاوان
ولكنهم يتحدثون.
و في قصيدة (المجنون) يسعى الشاعر إلى إبراز جوهر الموضوع الذي يريد طرحه معتمدا في ذلك على الفاعلية الثنائية ما بين الوحدة والتعدد وما بين الصمت والصوت :
يبحث في شارع المدينة الوحيد
عن اشياء متعددة
سلاما لصمتك
سلاما لصوتك .
ولا شيء أدل على رفض الشاعر للواقع والقيام بتعريته من خلال استخدام المتضادات في قصيدة (ليس حقدا ) باثا رفضه للواقع عبر توظيفه لمفردتي الصم / الصوت التي مثلها الشاعر في هذه القصيدة كما يلي:
الجراح صماء
الصمم ليس حقدا
الصمم
هجرة خارج نفاق الصوت
كما يشكل الشاعر الصورة الثنائية الموظفة والفاعلة في قصيدة (الغبار) ،بالجمع بين نسقين مختلفين، يمارسان حضورهما هنا ، الاول منتزع من الصمت، والثاني منتزع من الكلام
الغبار هو الصمت
الغبار هو الكلام الذي يقال لاخر مرة
ومن بين الثنائيات الضدية الاخرى التي استهوت الشاعر ووجد فيها احالة عما يريد توصيله للقاريء فكررها اكثر من مرة وهي ثنائية الخطا والصواب ،في قصيدة (خطط ) نرى ان هناك علاقة وشيجة، تشي بين هذين الدلايتين :
الخطأ
ليس عدوا للصواب
ماكث في الصواب
وعينيك ترنو الى بسالة الخطأ.
وقصيدة (خبرة) كما في غيرها من القصائد يستمر الشاعر في محاولة استخدام المتناقضات بصوره المليئة بالمفارقات والتي لا تخلوا من الجانب الفلسفي التي يبدو ان الشاعر يبتكرفيها بدائله المناسبة ما بين الخطا والصواب :
قلت ساتبعك
اتبعك
لاضع اخطائي
في مكانها الصحيح.
وان أول سمة بارزة في الصورة الفنية في قصيدة (البلاد) تتبدى في صيغة الجمع بين المتناقضات، التي تزداد توتراً كلما توغلنا في قراءة القصيدة والمفارقة تتحقق حين تفرز القصيدة اكثر من ثنائية تضادية مترافقة بعضها البعض، فما تخرج من صورة إلا لتقع في أخرى، وما إن ينتهي الشاعر من جانب حتى يصطنع جانبا اخر مناقضا بديلاً له، فالاختلاف الاول ياتي متمثلا بثنائية الحياة الموت :
اصبح الموت مكفولا للجميع
وحتى الحياة
والاختلاف الثاني يتحقق بين ثنائية الامانة والخيانة :
البلاد لا تكره الامانة
غير ان الخيانات لا تحصى
والاختلاف الثالث هو ما بين الاسئلة والاجوبة،
يوزعون الاجوبة على التلاميذ
بينما الاسئلة تتعفن في خزانة المدير.
وفي قصيدة (الهاوية) ، يبدو لنا الشاعر معنياً بتصوير المأساة التي تمتد بين متضادات متنوعة ما بين الهاوية والخلاص ؛ وما بين الرحيل والاقامة :
السفر مجاز يرحل
الاقامة قدر محض
بينما السفر اختيار
في الزقاق الذي يفصل بين الهاوية والخلاص.
و يعكس الشاعر في قصيدة (بالصدفة ايضا) الطابع المستكين، فها نحن نشهد من خلال الثنائيات الضدية بان الولادة والموت مرهونان بالصدفة:
بالصدفة نموت
وبالصدفة نحيا.
وان قصيدة (مرثية لياقوت الجسد) المهداة للشاعر (خزعل ألماجدي) والتي تعد من اقسى المراثي الذي يرثي فيها الشاعر اختطاف ابن الشاعر (خزعل الماجدي) ، والتي تبدو فيها الذات الشاعرة متأرجحة بين عدد من الأضداد، فحينما يختلج في نفس الذات الشاعرة من يأس فتكون الغلبة الظلمة على الضوء :
الوقت كل الوقت
للظلمات تفتك بالضياء
، ونلمح الخفاء مرة والعلن مرة اخرى في المقطع التالي (ارض تغير مع الخفاء على العلن).
وطالما نكون في المتاهة فلا بد ان نولد في التناقض بين الولادة والموت اي (ان نولد في زمن ميت) هذا ما يبدو في قصيدة (هذه هي المتاهة)،وان الشاعر كما في اغلب القصائد يرى الواقع من خلال منظار قاتم ففي قصيدة (احتفاء بالمحو) تبدو خليط يجمع العديد من التناقضات ابتداء الثنائية الضدية ما بين النهار والليل ومابين المسير والمكوث:
النهار محطة
بينما الليل طريق
تعودنا ان نسري في الليل
ان نمكث في المحو.
ومن اهم سمات (القصائد القصيرة) ان الشاعر يحاول تكوين لوحة مركبة متعددة من المتناقضات من خلال تفجير صورة لماهية القصائد التي تتراوح ما بين الطول والقصر:
القصائد ليست اردية
هذا طويل
وهذا قصير
الشيء ذاته ينطبق على وما بين البعذ والقصر وفي مقطع اخر من القصيدة :
لقد جربت الطرق كلها
اقصرها قد يؤدي الى هاوية
وابعدها لا يؤدي الى شيء.
ولاشك في أن الخيال في نص قصيدة (امعانا في البهجة) كغيرها من القصائد اسهم في تشكيل الصورة المفارقة التي تتبدى هنا في كثرة النجوم وقلة الليل:
ان النجوم كثيرة
والليل قليل.
،وان قصيدة (كل الطرق تدل على يوسف) نرى نقدا للحاضر من خلال استقراء واسترجاع للماضي من ترسيم المعادلة المتضادة بين البعد والقرب ما بين المشي والوقوف :
ذلك الطريق الذي اتعبني ولم يبدا
انه الابعد
والاقرب في ان
مشينا ساعة
ثم وقفنا
على فجوة في نهاية المطاف
قال احبس الكلام
اخوتنا اكملوا الحفرة ظموا علينا سوى ان نسقط.























