جلال برجس يروي أفاعي النّار

جلال برجس يروي أفاعي النّار

ثنائيات التّطابق في النّص السَّردي

عدنان أبو أندلس

تحيل الجملة الأولى على لسان “خاطر”  في رواية ” أفاعي النَّار ” للروائي الأردني جلال برجس، والفائزة بجائزة كتارا  للرواية العربية 2015، إلى أن ثمة  سرداً عكسياً للأحداث، يبدأ  من حيث انتهت الرواية، حينما قال السارد ” وأخيراً اكتملت روايتي “، إذ يمضي القارئ  في درب تأخذه نحو تفكيك الحكاية، وإطلاق الأسئلة بلغة تبدو له للوهلة الأولى بسيطة، لكنه يكتشف تورطه في عوالم رغم غرائبيتها، إلا أنها تكاد تكون شكلاً مطابقاً للواقع لشدة الأداة الروائية المقنعة.  فالرواية  تبتدئ من النهاية استرجاعاً، مستفيدة من إحدى تقنيات السينما في خلق  وتيرة عالية من التشويق، تجعل المشاهد  مشدوداً و يتابع بشغف.  كحالة التماثل البصري ومع مضينا كقراء في عوالم هذا النص الروائي الإشكالي، نلمس أن ثمة  تطابقاً وتماثلاً  في  تسميات، وصفات عديدة   بين ” الأفعى” بوصفها كائناً  حيّاً  مُخيفاً ، وبين ” النَّار ” كحالة  سيالة، إن أمكن الشبيه مجازاً .   فـالتطابق الثنائي هذا جاء  دينامكياً لكل منهما. فالأفعى، تلسع، تؤذي، تتلوى، ولها لسان “فعلي”، صوتها فحيح . و” النّار ” تلسع ، تؤذي ، تلتهم، تتلوى، إذ يخال للمرء من وهجها أن  لها لساناً  مجازياً  . كلاهما تزحفان، تجريان في الأشياء، وعند مسهما للجسد ، تشوهانهُ بـالسِّم / الحرّق.  فالمطابقة بكل إحالاتها هنا و بهذه الصفات كانت من أولويات تفكير الكاتب ربما. و أعتقد أن ذلك لم يأت  عفوياً، لا بل أتى عن دراية معرفية مستشرفة، فمفردة النار تتكرر  كثيراً في هذه الرواية  في توظيفات ذكية تخدم الفكرة.  ابتداء من العنوان، ومروراً بحادثة الحريق، وتتابعاً إلى سلسلة الحرائق المادية والمعنوية، وانتهاء بالحريق الكبير، وكأن جلال برجس في هذه الرواية يستشرف حال العالم العربي الذي يتعرض هذه الأيام لسلسة من الحرائق بكل كارثيتها ونتائجها.

إن هذا العمل العميق  يعاين بوعي وتأن البنية الاجتماعية العربية، و محمولاتها  الفكرية والدينية  بكل ما اعتراها من تطرف، ورجعية خطيرة. لهذا لم تكن الثنائية في عنوان الرواية مجرد تلاعب لغوي، بل إحالة رمزية للنار والأفعى، ولما يمكن أن تحدثانه من خراب وتقويض، وما جُمعت هاتان المفردتان ” الأفاعي و النار ” إلا في تشابه مادي ملموس بصرياً ، والتي جعلها السّارد  محورياً  تدور عليه كل الرواية الذي غطى جسدها تماماً، ونقطة ارتكاز يبنى عليها أساس الرواية، حيثُ  لمسناها ورأينا أفعالهما بـحادثة لحظوية عياناً أو مروية  نقلاَ ، لكن حين تسترسل في القراءة تختفي مفردة  ألأفعى، ولم يبق منها سوى التنويه كذكر لحالة ، أما ” النَّار ” فتتواصل بمحمول دلالي فاعل في المشهد النصي،  وارتكاز مميز يجعلها تتمثل بكل حادثة، تُحرك المتن، وتُوهجهُ بصنعها حوادث متطابقة في عدة ثُنائيات أراد منها الروائي استمرارها بهذا الهياج والاشتعال .

نظرية احادية

 أما الثنائية الأخرى ، فهي في  شخصيتي ” محمد القميحي ” و ” سعدون الغاني”، القميحي الذي يتبنى نظرة أحادية سلطوية لا تقبل الرأي الآخر بزعمها لامتلاك الحقيقة كاملة في المسألة الدينية وحتى الاجتماعية، فيشعل النار مجازياً ومادياً  بسكان القرية، ضمن مفهومه الجامد لمسألتي العيب والحرام.  و” سعدون الغاني ” الذي تقمص شخصية  ” الغول”،  ومستويات الرعب فيها فأشعل في القرية نار الخوف. فكلاهما أضحى شريراً،  رغم اختلاف الدوافع، فالقميحي أحد العائدين من قتال السوفييت في أفغانستان، بأفكار أسست لنمط متطرف من التعامل مع المجتمع وحركته.  أما الغاني فهو ضحية الإقصاء والتهميش والفقر و الطبقية في القرية التي برأيي هي معادل موضوعي للعالم العربي، لهذا تبنى نهج الانتقام. هذا يضاف إلى ثنائيات أخرى لها دلالات عميقة في النص مثل   ” عين الحاسوب  بعد تعرضه للنار ” و” عين ابن القصّاد المشوه بعد تعرضه للنار ” و” صوت المذياع “و ” صوت الحاسوب “. جاءت بعض شخصيات هذه الرواية  بصفات متنوعة، سلطوية، تحشيدية  وانتقامية، وبعضها الآخر  تدعو للسلم والحياة ، وأخرى لها مساحة ضيقة من المحايدة، لكنها تتفاعل في  الجانب الإيجابي من ذلك الحيز. ألبس الكاتب شخوصه رداء يلائم مسمياتها، اسماً، ورسماً ، و شكلاً، ومعنى، فـ ” القميحي ”  موائم بشكله ولباسه الصحراوي الجشب، جلافته  وصلافته.  كذلك ” سعدون ” الذي هزه الفقر   فأضحى شريراً يكرر التهديد بالانتقام  بعد أن اختفى الغول.

 أما ”  خاطر وابن الحكاءة ”  رغم الظهور الطفيف للأخير،  فإنهما شخص واحد  عاينهما  السارد من زاويتين مختلفتين، ليصل بالقارئ في نهاية الرواية إلى نتيجة مدهشة لها علاقة ببنية الرواية وتساؤلاتها . فالأول تمت مقاربة علاقته بنفسه، وبالمجتمع واقعياً، والثاني تمت معاينته عبر الحلم الذي تماهى بالواقع في تلك الرواية، دون الشعور بأن الحلم وثيمته محاولة لتجاوز الواقع بكل انهياراته بحبكة اتسمت بوعي حداثي في التقديم والمستهل والمتن والخاتمة، من حيث  الأسلوب والطرح والحوارات، لكنها أخفت من رؤاها بعضاً  حسب نية راويها كي لا تسهل  على القارئ بتحليله بشكل ميسر ومباشر . مما حدا بنا أن نبحث عن المخفي، لذا يمكن القول بأن جلال برجس  أستعمل، الرموز، اللغز، الشفرة،  اللامعقول، الحُلم ، الهلوسة، الهذيان، الأساطير، وكل هذه المرموزات  التي أثارت فينا الفضول إلى المرتجى ، إضافةً إلى أن السَّرد لحدث قد يحدث تواً بتنبؤهِ مما ينتقل إلى حادثة أخرى، كعنصر إدهاش ومفاجأة ننتظرها بشغف، وهكذا جرياً في أكثر وحداته الفرعية من المتن  السَّردي، كونهُ يتمنطق بأدوات رصينة تؤهلهُ بالمناورة بطرح أدوار شخوصه،  بتقنية،  وتواتر، وتناوب، وتحولات في المراكز ، لهُ فكرة جيدة في التشويق بنقل الأحداث التي استلهما واستعادها من الحكاءة الحاذقة.

رواية الحداثة

أرى أن ” أفاعي النار” أنموذجاً للرواية الحداثية الواعية غير المتهورة،  أسلوباً وشكلاً ولغة ورؤية، استعرضت تحولات شخصياتها عبر مراحل هندسية روائية لم تتنافر مع سمة الحداثة المهتمة بتثوير النص وحتى نسفه. إذ غرس جلال برجس في أرض روايته إحالات كثيرة لا يراد لها إلا قراءة متأنية.  فقد بنيت تحولات  ابن القصاد على مرحلتين، رحيله مشوه القلب عن الأردن، لما واجهه من مفاهيم مغلوطة حول العيب والحرام، وعودته إليه مشوه الخلقة كـمرحلة أولى. وأما الثانية فهي عودته لقريته مشوه اليقين بعد أن لفظته عَمان حينما رمز لذلك  بالرجل الذي بصق بوجهه عند الإشارة الضوئية، حينما آل به المصير إلى التسول. ”  تحولتُ إلى متسول مدمن على شم”  الآغو” ، ينام في غرفة رطبة ، لا يكلم أحداً . إلى أن حظيتُ ببصقة من رجل على إشارة ضوئية، جعلتني أحمل حقيبتي وأعود لقرية، مازال أهلها يدفعوني خارجها، كأني كائنٌ غريب، لم يكن مسقط رأسهُ فيها .”  ص 143. إن قرار ابن القصاد بعودته إلى قريته مركز وعيه الأول، يحمل في طياته قرار المثقف بمواجهة مصيره رغم يقينه بما يمكن أن يحدث له حينما يعود.

رغم كل ما مني به ابن القصاد من فجائع هو وبعض شخصيات الرواية، لم تكن الرواية سوداوية، فمستوى من مستوياتها اللغوية لم يغفل وعي الشعر حينما يحدق بالأشياء، وخاصة الحب الذي جاء  محارباً العتمة إلى جانب التنوير وخطابه.  ” حدقتُ بي بعينيها الناعستين، فارتطم عِطرها بجبين قلبي ” كانت كاستراحة محارب يوقد كل غيابهِ للحظة” . ص 14، هذا إلى جانب جمالية اللغة في وصف الأماكن والناس و الوعي الداخلي للشخصيات، فخلقت حالة من  التجسيد  الرائع  والتفاعل ودهشة جرى سردها في أدق التفاصيل، كما في ص9″ الآن في لحظة الصمت هذه حيثُ تخلو الشوارع من عابريها ، إلا من بنت ترافقها قِطة تتقافز في الهواء ، تتبع فراشة يغريها خيط ضوء يتسلل عبر ثقب في جدار المقبرة “، هذا إلى جانب ما جاء على سبيل المثال في ص106   ” أنصتت لصوت صرصار الليل ، كيف يشقُ قِماش الصمت الأسود عندما دثر القرية المنشغلة بأمر الغول ” .

في حركة الشخوص  بأدوارها المتقنة ، ثنائية متناوبة بفعل التطابق والتضاد معاً، فمقابل الشخصية خيرة نرى أخرى شريرة.  إنها إحدى  أدوات الكاتب  التي تضع القارئ في طقس النص، وتجعله جزءا من المتن الحكائي الذي رآه ” توما شفسكي ” ”  مجموعة الأحداث المتصلة فيما بينها عبر السرد سرداً، مما جعلها تستقر بذهن المتلقي،  رغم منظار الخيال والفلسفة  الذي كان الكاتب ينظر عبره إلى شخوص وأحداث الرواية.

ركز جلال برجس ملياً على تناول المتن من الداخل، تركيبه ، عناصره ؛ والشخوص التي تتحرك في مساحة مرسومة للأدوار،  فجاء بعضها بثنائية ضدية غرائبية.

  كل هذا و لا يمكن  إغفال الواقعية السحرية التي رصعت العمل، من حيث أنها أفرزت مقدار الخيال المساوي لمقدار الواقع، وخلط الواقعي  بـالفنتازي في حالات عدة.  مع العرض لا ننسى الإرباك الذي حصل رعباً في انتقال الحاسوب ذي العين الواحدة ، وتعالي الصوت المجهول  بالتحذير،  ومتواليات حديث الحكاءة، وصورة الأُم التي في صدى صوتها الحنين ، كذلك المرآة التي حين يتفحص هيأته يشعُ منها وهجاً صافياً بوجههِ ،حيثُ ورد التطابق  ص 167 في ” صاحب الكرامات ” ” وقفتُ أمام المرآة أراقبني ، حينها رأيتُ صورتي قد خرجت من فضاء المرآة ، وأمسكت بيدي فأخذتني نحو مقعدي ، قائلةً : ” كيف لك أن تعود ، والنار ما أبقت من ملامحك شيئاً يدّلُ عليك ”  لذا يتم التطابق نوعاً ما بين صورة الأم = الحكاءة \ عين القصَّاد = عين الحاسوب كلاهما نتج عن حريق ، هذهِ العناصر الممزوجة في متن النص الحكائي أذهلت المتلقي وجعلتهُ يتوهم مابين الواقع و” اليوتوبي ” علاوةً على القوى الخفية التي لازمت ” خاطر ” في مستهل بدء روايتهِ مع الحكاءة ، طبعها ، جلوسها ، حديثها .

لكن ما يثير التساؤل والغرابة عن توظيف ” الأذن الوسطى ” وعلاقتها بالأحداث التي جرت ؟!.ربما لا يعني بالضرورة عن التهاب الأذن الوسطى كما هو مألوف ، وفي حالة الطنين كاستذكار تخاطري  ما بين شخصين كما يقال، وقد وظفها مطابقة في ص166 في ” صاحب الكرامات ” : ” وصلتني رسالة من  فاطمة   تنبئني فيها بأن أمي قد ماتت، وأن عليّ العودة إلى الأُردن. هل تعلمي يا حبيبتي ما معنى أن تموت الأُم ؟!…إنها الأُذن الوسطى للكون، لذلك عندما قرأتُ كلمات  فاطمة  وهي تقول  أُمي ماتت يا علي  شعرتُ أنني أترنح، دون حيلة لي أن أضبط خطواتي “.

مغزى الرواية

 ربما  يشير هذا بتقديري  إلى مغزى  الرواية وهو السعي إلى التوازن أمام كل ذلك الدوار والترنح الذي يلم بالعالم العربي. كتب جلال برجس الرواية  بإسلوب شيق ، وتقنية رصينة يمكنني تسميتها بــ ” رواية التحول الحديثة ” بطولها ومدتها  ومعاييرها ،وشخوصها، وأمكنتها، وحبكتها ، واسترسالها ، إضافةً إلى حالات الإدهاش والغرائبية ومساحة السَّرد والحكي في متنها، إضافةً إلى معاصرتها الأحداث الحالية بكل تبدلاتها ، فاستحقت عن جدارة  ” جائزة ” كتارا للرواية العربية ” فتوجت عملهُ المضني والدؤوب في مسيرة هذه الحياة التي أضحت رواية تراجيدية تقف على كف ” عفريت “آدمي لكنهُ بثوب متوحش، مما جعل فسحة الحياة تضيقُ ، فتلك الصراعات التضادية تتناوب بين الخير والشر ، والنور والظلمة، العقل والجهل، فالذي جاءنا كُرهاً قدْ عطل الحياة الهانئة في بلادنا على حين غرة .  أكتفي بهذا القدر من الانطباعية والتي جعلتني أن أتوسم توقاً  بهذا العمل الروائي،  بأن يجد طريقهُ إلى ” الدراما  ” كمسلسل كامل بحلقاتهِ المتكاملة لِمَا لهُ من وفرة أدوات،  شخوص متميزة، أماكن ملائمة، تحولات ، تبدلات ، عنصر مفاجأة ، وتوتر،  وسط مناخ خصب إسوةً بمسلسل ” تل الريشوني ” والذي يماثلهُ في الصراع والتحول والحوار والشخوص والمكان ، حيثُ  مُثِل قبل سنين ، لم يكن بأفضل من ” أفاعي النّار “، حيثُ حصد الأخير جائزة إبداع وإشادة  جمعية عكس المنوه عنهُ.