جريدة يملكها الصعاليك ويكتب فيها الكبار وتنصف المسحوقين

جريدة يملكها الصعاليك ويكتب فيها الكبار وتنصف المسحوقين

قضايا شائكة في ذاكرة (الزمان) تبحث عن الصعاب

عبد اللطيف الموسوي

منذ ان بدأت جريدة(الزمان) كفكرة في ذهن مؤسسها الأستاذ سعد البزاز أخذت على عاتقها تبني قضايا الوطن، مهما كانت تلك القضايا شائكة ومعقدة ومثار جدل، ومناصرة الفقراء والمسحوقين من ابناء هذا الوطن وهنا يحضرني قول البزاز انه اختار أن يصنع صحيفة يملكها الصعاليك وإذا بهذه الصحيفة تكبر وتكبر حتى تصل الى العشرين سنة وتبدأ بتجاوز العقدين من الزمن فتأخذ مدياتها وتتسع لتصبح حديث الشارع وملاذ المواطن المهموم.

ولمهنيتها العالية وحياديتها ودأبها على انتهاج رسالة اعلامية صادقة اصبحت (الزمان) قاسمًا مشتركًا للدراسات والأطاريح الجامعية ، وهنا لابد ان استشهد اولاً بكلمة سطرها البزاز في تقديمه لكتاب (الوطن في ذاكرة الزمان) لمؤلفيه الدكتور أحمد عبد المجيد والدكتور فوزي الهنداوي حيث كتب(وسيخطر في البال، ان رجالاً من مالكي الثروة ظلوا يتحسسون على الدوام من نظرة ازدراء من شاعر مفلس.. وتجاهل من كاتب متعفف امام ثرواتهم والقابهم، فقرروا ان أقصر طريق لرد الازدراء والتجاهل هو ان ينشئوا صحفاً يضطر هؤلاء (الصعاليك) من الكتّاب والشعراء للكتابة فيها والعمل مأجورين لديهم والظن يغلبهم بأن هؤلاء سيكونون اتباعاً مستأجرين. اخترنا ان نصنع صحيفة يملكها الصعاليك، ويكتب فيها الكبار من الصحفيين والكتّاب.. ليحل الخادم بدل المخدوم.. وتتغير قواعد الاغتراب الصحفي عند عرب الهجرة).

من ضمن القضايا الشائكة التي منحتها (الزمان) جلَ إهتمامها حماية الارث العراقي وهي القضية الاولى التي تناولها كتاب عبد المجيد والهنداوي الذي جاء على شكل دراسات تعالج أزمات وقضايا عراقية برؤية اعلامية، فقد خصصا فصلاً كاملاً لهذه القضية التي تتعلق بثروة شعب علَم الامم معنى الحضارة  فتناولا التغطية التي انتهجتها الصحيفة لسرقة الارث الحضاري العراقي . وقد خرج الفصل بسبعة إستنتاجات اشارت الى ان الحملة الصحفية التي قادتها (الزمان) لهذا الغرض قد جرى توظيفها بنجاح كبير وانها اتسمت بتغطية متوازنة بين مايدور في الداخل والخارج وانها لم تقتصر على نوعية واحدة من الملاكات الاعلامية وان الحملة استطاعت تغطية المضامين المختلفة المتعلقة بأهمية التراث واشرت الاستنتاجات ايضًا إمتداد الحملة لمدة زمنية كافية ومعقولة  وان الحملة ادت الى تشجيع العديد من وسائل الاعلام الاخرى للقيام بتغطيات مماثلة وان مشاركة كتاب من داخل العراق وخارجه في الحملة دليل على قوة تأثيرها في النخب المثقفة والرأي الشعبي العام.

ومن القضايا المهمة التي حرصت (الزمان) على تغطيتها الانتخابات العامة وقد خصص الكتاب الفصل الثاني لبحث القيم الاعلامية في انتخابات 2010  من اجل استخلاص العبر في الانتخابات اللاحقة.وهنا تناول المبحث المعايير المهنية التي اتبعتها الصحيفة اثناء تغطيتها للإنتخابات المذكورة وتوصل الى ست حقائق مفادها ان الصحيفة تعاطت ايجابيًا مع القيم الاعلامية والمعاير المهنية خلال تغطيتها للانتخابات ، وان استقلال الصحيفة كان له دور مهم في تثبيت هذه القيم.  وان كون الصحيفة خاصة اتاح لها التعامل بحرية مع جميع الكيانات والمرشحين ولأنها غير مؤدلجة فقد ركزت على الجوانب العملية وتحاشت السجالات الفكرية والصراعات الايدلوجية اثناء تغطيتها ومن الاستنتاجات الاخرى التعامل الدقيق والموضوعي مع المادة الاخبارية بالاضافة الى تعاملها الايجابي والتفاعل مع مفوضية الانتخابات . وبطبيعة الحال فإن اهتمام الصحيفة بقضية الانتخابات لم يأت من فراغ وانما لإيمانها المطلق بضرورة تحقيق انتخابات عادلة تفضي الى وصول المستحقين الى المراكز التي يريد الشعب ايصالها اليها. وثمة قضية اخرى كانت مثار اهتمام(الزمان) وهي كيفية ادارة الأزمة بين الحكومة الاتحادية واقليم كردستان فهذا الموضوع الحساس كان لابد ان يحظى بالاهتمام الذي يستحقه لأنه يتعلق بأمن البلد بالدرجة الاساس. وكما هو معروف فإن الامن اذا فقد، فقد كل شيء. وبحسب الباحثين فإن (الزمان) اولت الشؤون الداخلية ومنها قضية كردستان اهتماما ً بالغًا وقد اتاحت الصحيفة امام الجميع فرصة التعبير عن آرائهم ومواقفهم بحرية من دون قيود سوى احترام ثوابت الصحيفة بعدم اثارة النعرات والفرقة والمس بالرموز والكرامات والتحريض على العنف والكراهية.

كما ان الصحيفة لم تتدخل في المقالات والاعمدة من حيث العناوين واسلوب الصياغة ولغة الكتابة الاعلامية وحرصت الصحيفة على نشر الكتابات التي تدعو الى التمسك بالوحدة الوطنية وتبني الحوار ونبذ الدعوات الى الاحتراب الداخلي. ويقدم الكتاب نماذج من التحقيقات الصحفية التي نشرتها (الزمان) في اعدجاد سابقة التي تؤكد قواعد اخلاقيات المهنة الصحفية التي حرصت الصحيفة على اتباعها وديمومتها. وهنا نشير الى  التحقيقات التي تناولت البؤس الانساني والطبقات المسحوقة فسارع محررو (الزمان) الى الذهاب  نقل معاناة الساكنين في اطراف المدن والاحياء العشوائية وإبراز معاناتهم كما طرحوا قضايا المتقاعدين والصعوبات التي يواجهونها في حياتهم الجديدة فضلاً عن معاناة الموظفين وناهضت محاولات استقطاع رواتبهم وتابعت القضايا الامنية على افضل مايكون ووقفت في الصف الوطني المناهض للغرباء والدخلاء وناصرت قضايا المرأة وتهميشها وما يتعلق بها من زواج القاصرات وبطبيعة الحال لن يمكنني تعداد جميع القضايا التي حرصت على تغطيتها الصحيفة .

وكانت (الزمان) أول صحيفة عراقية تخصص صفحة اسبوعية للصحافة الاستقصائية ونشرت في حينها العديد من التحقيقات الاستقصائية المهمة التي افادت منها الجهات الحكومية في احقاق الحق.وبعد فإن كتاب (الوطن في ذاكرة الزمان) الذي استقصى تلك القضايا يعد ذاكرة حقيقية لتلك القضايا وقد اتسم بالموضوعية والتحليل الدقيق لاسيما وان مؤلفيه هما استاذان بارعان في مجال الاعلام، الاول هو الدكتور احمد عبد المجيد وهو رئيس تحرير الصحيفة – طبعة العراق – والثاني هو الدكتور فوزي الهنداوي الذي كان سكرتير تحرير في الصحيفة لسنوات طويلة وهذا يعني انهما كان على تماس مباشر وعلى مقربة من العمل اليومي لـ(الزمان) وتعاطيها مع الاحداث فخرجا لنا بهذا السجل الذي يؤرخ لمرحلة مهمة عاشتها (الزمان) من تاريخ العراق وهو يتعرض الى ازمات وتهديدات متعاقبة خرج منها منتصراً بهمة ابنائه وتظافر جميع الجهود الامنية والاعلامية والثقافية والعشائرية. وبعد فإن (الزمان) التي يرى مؤسسها ان من الحماقة ان يغامر فرد بإصدار صحيفة كبرى ، فكيف لهذا الفرد ان (يختار منافسة صحف كبرى تقف وراءها دول ومشايخ ومخابرات جاءت الى لندن حيث مربط العرب الهاربين من اوطانهم بحثاً عن الحرية او بحثاً عن الوجاهة)، هذه الصحيفة هي اليوم تبحث عن الصعاب وتنصف المسحوقين.