جرح و نزيف

جرح و نزيف

 

طالب الحيدري

 

 

 

في ذكرى مصرع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان ســنة 40 هـ في مسجد الكوفة .

 

 

بينَ السماءِ و بينَ الارضِ جبريلُ

 

ينعى وأزكى دمٍ في الارضِ مطلولُ

 

العروةُ انفصمتْ و الدينُ حرمتُه

 

قد استُبيحتْ و لم يحمِ الحِمى الغيلُ

 

الكوفةُ استيقظتْ ولهى و مسجدُها

 

محرابُها متهاوي الركنِ شمعتُه

 

ذابت و لم يُرسلِ الانفاسَ قنديلُ

 

رانَ السكوتُ و كادَ الصمتُ يقتلُه

 

اينَ التسابيحُ فيهِ و التهاليلُ

 

ترابُه الطاهرُ المعطارُ فيهِ هوى

 

” ابو ترابٍ ” كنَسرٍ غالَهُ غولُ

 

هذا الذي جندلَ الابطالَ جندلَهُ

 

سيفُ الضلالِ بهِ يشتَّدُ ضلِّيلُ

 

أتقى البريَّةِ أشقاها يطيحُ بهِ

 

أتهدمُ الطودَ من ريحٍ مثاقيلُ

 

إنْ يقتلوكَ ستبقى انتَ قاتلَهم

 

أحياءَ ماتوا و حيٌ انتَ مقتولُ

 

حينَ ” النبُوةَ ” سوطُ الحتفِ اقعدَها

 

الجاهليةُ قامت والأضاليلُ

 

و في ” السقيفةِ ” مُلتَّمونَ تجمعُهم

 

مطامعٌ و هوىً في الحُكمِ مخبولُ

 

رمادُ أمسِ ألم تخمدْ مجامرُهُ

 

ألم يُغيِّرْ طباعَ القومِ تنزيلُ

 

اليسَ للهِ – جلَّ اللهُ – قدرتُه

 

ألم يَعدْ في يدَيْ اقدارهِ ” فيلُ ” ؟!

 

أيتركُ ” البيتَ ” للأقدامِ تركلُه

 

أليسَ في جوِّهِ ” طيرٌ أبابيلُ ” ؟!

 

غابوا عن ” الرحمةِ المُهداةِ ” سيِّدِهم

 

و منْ تعلَّلَ خانته التعاليلُ

 

قد استجابوا لأهواءٍ تُؤرقُهم

 

كلٌ بدُنياهُ – لا أُخراهُ – مشغولُ

 

تلاقفوها كأنْ لا ” بيعةٌ ” سبقتْ

 

و لم يكنْ ثَمَ تحريمٌ و تحليلُ

 

بكل قسوتِها الاحداثُ جاريةٌ

 

قابيلُ في كلِ ميدانٍ و هابيلُ

 

يومُ ” الغديرِ ” تناسَوهُ بأجمعِهم

 

هل كالضمائرِ فكرُ القومِ مشلولُ

 

” بخٍ بخٍ ” حينَ قالوها لحيدرةٍ

 

في صدرهِ من معانيها أكاليلُ

 

معكوسةً تضربُ الاقدارُ ضربتَها

 

ما في المشيئاتِ معقولٌ و منقولُ

 

يحيقُ بالارضِ إعصارٌ يُدَّمرُها

 

على الافاضلِ إمّا سادَ مفضولُ

 

و الناسُ عصيانُها للوهمِ يترُكُها

 

و للتمزقِ ” حُكَّامٌ ” تماثيلُ

 

مصيرُ ارضٍ بمنْ فيها – اذا عبثتْ

 

بها حماقاتُها – دامٍ و مجهولُ

 

هو الزمانُ مراياً فوقَ صفحتِها

 

لكلِ ” عابرةٍ ” شرحٌ و تفصيلُ

 

يبقى و يبقى ” عليٌ ” كنزَ معرفةٍ

 

و بابُه ظلَ يُسدي و هو مقفولُ

 

أعطى الحياةَ وأعطى الناسَ ما انقطعتْ

 

هِباتُه ما أعاقته العقابيلُ

 

و ظلَ بل زادَ في الإثراءِ منبعُه

 

من بعدِ مصرعهِ و السلكُ موصولُ

 

” رعيَّةً ” رفدَ الدُنيا بحكمتهِ

 

و ” راعياً ” لم يصلْ مرماهُ ” مسؤولُ “

 

المجدُ عندَ عليٍ دفعُ مظلمةٍ

 

و عندَ آخرَ تزميرٌ و تطبيلُ

 

حُريَّةُ الرأي عنوانٌ لمنهجِهِ

 

ما كانَ في عهدِه عنفٌ و تنكيلُ

 

حتى الذي لم يُبايعْهُ تظلُ لهُ

 

حقوقُه و العطايا و هو مكفولُ

 

الى ذُرى المستحيل امتَّدَ واقعُه

 

كأنَ واقعَه المشهودَ تخييلُ

 

كوى أخاً مُلمقاً اعمى ليضربَها

 

للناسِ امثلةً فيها التفاصيلُ(1)

 

في قتلهِ كانَ تهديمٌ لكلِ هُدىً

 

و للرسالةِ والاحكامِ تعطيلُ

 

” إرهابُ ” أمسِ كأرهابٍ أحاقَ بنا

 

لهُ حواضنُ ترعاهُ و تمويلُ

 

” خوارجٌ ” هم على الاسلامِ منْ خرجوا

 

على ” عليٍ ” ومتنُ البغيِ مهزولُ

 

السلكُ مُتصلٌ في كلِ مرحلةٍ

 

الى ” غدٍ ” لقضايا ” أمسِ ” ترحيلُ

 

في قتلهِ قتلوا ” الانسانَ ” مُهتدياً

 

و هادياً فيهِ قرآنٌ و إنجيلُ

 

كأنه الشمسُ بذلاً بل و يفضلُها

 

يبقى يشعُ و سترُ الليلِ مسدولُ

 

كأنَ في يدهِ الدنيا بأجمعِها

 

أعطاهُ كلَ خلودِ الدهرِ ” عزريلُ “

 

هذا الذي أخرَّته جاهليتُهم

 

مقدَّمٌ و على الاعناقِ محمولُ

 

تمضي القرونُ و يبقى شامخاً علَماً

 

تُعطي الينابيعُ منه و القناديلُ

 

على هَداياهُ من علمٍ و معرفةٍ

 

يفيقُ كونٌ بغِلِ الجهلِ مغلولُ

 

منْ بايعوهُ و بعدَ البيعةِ انقلبوا

 

هم من تفاهتِهم نُوقٌ مهازيلُ

 

بهم هوتْ لحضيضِ الرِدَّةِ ” امرأةٌ “همُ الرواسبُ و الدنيا غرابيلُ

 

و كلُ مُعتزلٍ لم يُعطِهِ يدَهُ

 

عن التُقى و عن الإسلامِ معزولُ

 

عليٌ الأملُ الباني لمجتَمعٍ

 

فيهِ المقاييسُ طاشتْ و المكاييلُ

 

عليٌ الحقَ يجري الحقُ حيثُ جرى

 

وخاذلُ الحقِ ملعونٌ و مخذولُ

 

عليٌ الحقُ منْ عاداهُ منحرفٌ

 

و منْ تولاَّهُ بالرضوانِ مشمولُ

 

هذا لهُ جنَّةُ المأوى وذاكَ لهُ

 

– مهما علا اسماً و مهما طارَ – سجيِّلُ

 

عشقُ البطولةِ و الابطالِ عن هدفٍ

 

مقدَّسٍ هو تحميدٌ و تهليلُ

 

و حبُكَ الحُسنَ تهواهُ و تعبُدهُ

 

لمتعةٍ تافهُ التأثيرِ مملولُ

 

تُعطي الخلاخيلُ للرجلينِ زينتَها

 

و قد تُعيقُ و قد تُؤذي الخلاخيلُ

 

رُؤى الحياةِ كما نهوى نُصَّوِرُها

 

اقلامُنا تتبارى و الأزاميلُ

 

هذا من الروحِ يستوحي فتُلهمُه

 

وذا قُصاراهُ مشروبٌ و مأكولُ

 

و للطبيعةِ آفاقٌ مُحلِّقةٌ

 

حيثُ الازاهيرُ تزهو و العناديلُ

 

حتى القشورُ لها صوتٌ لها لغةٌ

 

تُغري ” العباءاتُ ” أو تُغوي السراويلُ

 

تظلُ للفكرِ في الميدانِ هيبتُه

 

في كلِ مدرسةٍ جرحٌ و تعديلُ

 

و الناسُ تجري و صدقُ الحبِ يدفعُها

 

و كلُ قلبٍ بما يُغنيهِ مأهولُ

 

قفْ في ” الغري ” و قبِّلْ تُربَ حيدرةٍ

 

في طورِه السيفُ أغفى و هو مسلولُ

 

” عليٌ ” القمَّةُ الأعلى و سيرتُه

 

فيها لكلِ جمالِ الكونِ تجميلُ

 

هو ” الشهيدُ ” و للمستشهدينَ ابٌ

 

في كلِ صدرٍ من الإيثارِ إكليلُ

 

في طينِه من مشيئاتِ الغيوبِ يدٌ

 

لغايةٍ تشرفُ الغاياتِ مجبولُ

 

تقدَّموهُ و لولا نصحُه هلكوا

 

و ” الإعترافُ ” إعتذارٌ – و هو مقبولُ(1)

 

منْ ذو الجلالةِ أطراهُ و عظَّمه

 

و منْ بهِ انزلَ الآياتِ جبريلُ

 

هوَ المقدَّمُ و الايامُ ترفعُه

 

وراءَ مجهولهِ المرئيِ مجهولُ

 

محبُه حبُه للأوجِ يدفعُه

 

و منْ يُعاديهِ بالأقدامِ مركولُ

 

في ” البيتِ ” مولدُه في البيتِ مصرعُه

 

له من الدمِ تكفينٌ و تغسيلُ(2)

 

لو أنَ سيفاً هوى من فارسٍ كِسَراً

 

فأنه في عيونِ القَيْنِ مصقولُ

 

و في يمينِ جبانٍ حينَ يشهرُه

 

– و هو المهنَّدُ و الصمصامُ – مغلولُ

 

إنَ البطولةَ إقدامٌ و تضحيةٌ

 

و ساعدٌ في سبيلِ اللهِ مفتولُ

 

لولا العقيدةُ لم يَروِ الترابَ دمٌ

 

لم يبذلِ النفسَ – وهي النفسُ – بهلولُ

 

نثْرَ المواسمِ قامت للهوى قُببٌ

 

فيهنَّ يضجعُ منحورٌ و مجدولُ

 

يجري ” الفراتُ ” مودَّاتٍ الى ” بردى “

 

و منهما الفيضُ فيهِ ينعمُ ” النيلُ “

 

سلكُ الولاءِ بسلكِ العشقِ متصلٌ

 

و للجذورِ و للألبانِ تفعيلُ

 

قامت على كل ما يبني عقائدُنا

 

نصٌ يغذِّيهِ تنزيلٌ و تأويلُ

 

يا ايها الجرح ما امتدَّتْ اليهِ يدٌ

 

و ما رعاهُ بِلمسٍ منه منديلُ

 

نزيفُكَ الثروةُ المعطاءُ من دمِها

 

جِيلٌ يعيشُ ويأتي بعدَه جِيلُ

 

يا سيِّدي يا ” عليَ ” اللهِ يا عُرُساً

 

لهُ الترانيمُ تُهدى و التراتيلُ

 

ربيعُكَ المتهادي عبقةً و ندىً

 

حتى القيامةِ مرجوٌ و مأمولُ

 

بكَ الصباحاتُ مزهوٌ تألقُها

 

تشقى يداكَ و للناسِ المحاصيلُ

 

و ليلُكَ الساهرُ المكدودُ من عملٍ

 

للهِ فيهِ من الدمعِ المواويلُ

 

يجثو الزمانُ على رجليكَ مُختصَراً

 

لا العَرضُ يحكمُ مسراهُ ولا الطولُ

 

جافتكَ دُنياكَ و هيَ اليومَ نادمةٌ

 

على ثراكَ لها شَمٌ و تقبيلُ

 

انتَ الحياةُ كأحلى صورةٍ عُرضتْ

 

مثيلَها لنْ يخط – الدهرَ – إزميلُ

 

فرداً يُجسِّدُ إنسانيةً عقمتْ

 

فمثلُه مستحيلٌ – شبرُهُ مِيلُ

 

فرداً و في بُردِهِ الدنيا بأجمعِها

 

و ناسُها – و هو عملاقٌ – تنابيلُ(1)

 

هو الملاذُ لقومٍ لا ملاذَ لهم

 

هو السلاحُ اذا عاذَ المعازيلُ(2)

 

كأنما هو في الميدانِ زلزلةٌ

 

قُدَّامَه شاهروا أسيافِهم مِيلُ(3)

 

اللابسونَ سرابيلاً مُدرَّعةً

 

ليستْ عليهم دروعٌ او سرابيلُ(4)

 

هو الشجاعةُ في صمصامهِ قدَرٌ

 

تزولُ لو قالَ يا صِيدَ الوغى زولوا

 

 

 

 

 

(1)        تنابيل قِصار .

 

(2)        جمع معزول منْ لا سلاح لهم .

 

(3)        مِيل جمع أميل وهو من لا سيفَ له .

 

(4)        سرابيل بمعنى دروع .

 

 

(1) إشارة الى موقفه مع أخيه (عقيل ) وقد سأله زيادةَ صاعٍ ( ثلاث كيلوات ) من بُرٍ لصبيانهِ الشعُثِ الغُبر. والعادة في ( الامثلة ) أن تكون موجزة ولكن معانيها غنية لا تنتهي تفاصيلها .

 

(1) اشارة الى قول عمر ” لا ابقاني الله لمعضلةٍ ليس لها ابو حسن ” و قوله ” لولا عليُ لهلكَ عمر ” وفي هذا البيت إشارة الى قصيدة ” بانت سعاد ” التي يعارضها الشاعر . و في القصيدة أجواء مشابهة صارخة بعبق الرسالة.

 

(2) كانَ مولده في ” الكعبة ” وهي بيتُ الله . وكانَ مصرعه في مسجد الكوفة وهو بيتُ من بيوت الله .