جراد من حديد لمجيد جاسم العلي.. نصوص ترمم شظايا الصورة
محمد جبير
لايمكن ان تتجاهل الذاكرة النقدية العراقية القاص مجيد جاسم العلي الذي لم يحالفه الحظ في التواصل مع المتلقي في التعرف على منجزه الابداعي اذ ان انقطاعه عن التواصل لظروف خارجة عن ارادة المبدع ادت الى تغيبه لعقود كثيرة عن النشرفي الصحف العراقية او البصرية حتى ان السؤال في فترة الغياب كان اشبه بالمحرمات ولايمكن ان يجيبك احد عن اسئلتك الحائرة التي تبقى معلقة في الفضاء تبحث عن مساند الاطمئنان فلا تجدها.فقد كان اطلاق السؤال عن الكاتب هو في حد ذاته مشكلة تبحث عن حل سريع واقرب تلك الحلول هي صم الاذان وكانها لم تسمع او تتعرف على السؤال حتى من اقرب الاصدقاء المشتركين واذا تكرم هذا الصديق واجاب عن اسئلتك فانه يغرقك في التيه ويضعك في مركب الغياب الابدي .هذه الضبابية في البحث عن اجوبة سؤال الوجود لم تضعني في خانة اليأس ونسيان قاص مبدع من جنوب العراق استطاع ان يحفر له موقعا في سماء الابداع القصصي ، لايقل شأنا عن الاخرين في المنجز الابداعي والموقف الفكري والحياتي المميز ، بعيدا عن الضجيج المفتعل الذي كان يصنعه البعض لنفسه لتشويه المشهد الابداعي ضمن دائرة صراع المغانم والمكاسب الظرفية . عرفت الكاتب منذ مطلع السبعينات ، اي مضى مايقرب من نصف قرن على تلك المعرفة من خلال المجموعة البصرية المشتركة ” 12 قصة ” في عام 1972 وكذلك في النسخة الثانية من هذه المجموعة في العام التالي 1973 ، كان مجيد العلي في ذلك الوقت اسماً من اسماء البصرة التي كانت تعج بالاسماء الابداعية المتميزة ولازالت حتى يومنا هذا ترفد المشهد الابداعي العراقي بخيرة القامات الابداعية المتميزة في مختلف فنون الابداع ، وكنت كلما اختنقت في السؤال عن الكاتب اعود الى تلك النصوص واعود الى مجموعته القصصية الوحيدة ” فتيات الملح” والتي صدرت في العام 1973 ايضا .
واذ كنت اقرأ مشاركته في المجموعتين المشتركين ، لم تمنعني تلك القراءة من قراءة نصوص اخرى لزملاء انقطعوا عن التواصل وكاني بذلك ابحث عن مشتركات ذاتية بيني وبين الزملاء الاخرين ، حتى هذه اللحظة كثيرا ما استمتع بقراءة نص ودود حميد وكذلك نص عبد الحسين العامر ، فضلا عن النصوص الاخرى للزملاء الذين تواصلوا في النشر ، هذا يؤشر ان لدى هؤلاء الكتاب الكثير مما يريدون ان يقولوه في النص الذي يكتبونه ، لانه نص ” جرح” لايمكن ان يندمل بتقادم الزمن وانما ينفتح اكثر فاكثر ليطلق صرخة في وجه الزمن مثلما هي صرخة ” النمل في وجه الزمن ، تتحدى التاريخ الادبي للنص اثناء نشره لتدخل في التاريخ الابداعي للنص الذي يبقى خالدا في ذاكرة المتلقي .
كتّاب من طراز خاص كان يمكن لهم ان يخلقوا تيارا ابداعيا حداثيا منذ اكثر من نصف قرن مضى لانهم كانوا مشروعاً ابداعياً خالصاً يدرك جيدا قيمة الحرف ومعنى ومسؤولية الكلمة لذلك كانت كتابة النص القصصي اشبه بالنحت في الحجر الاصم لخلق مخلوقات ليست جامدة كما في النحت وانما مخلوقات سردية ناطقة ، كانها كائنات حية تعيش معنا كل تلك السنيين البعيدة في عمق التاريخ .والسؤال هل تسكت القراءات المتعددة والمتباعدة لنصوص قليلة لهفة السؤال وشح الجواب ؟ ليس في اليد حيلة واضعف تلك الحيل ان تعيش مع النصوص وتتواصل مع الاصدقاء لتبعد شبح الاحزان عن ذاكرتك ، تلك كانت الحال مع اسماء كثيرة من كتّاب العراق من غيب في الداخل او ضاع في المنافي .لكن تبقى مشدودا لخيط الفرح الذي قد ترسمه اوهام النص الذي يؤطر حياتك بالاماني ، وتقودك المصادفة لتجد كتابا بين الكتب منتظرا يداً تنتشله من زحمة كدس الكتب التي لاينتمي لها ويشعر انه غريب في وسط هذا الركام الخانق ، يخفق القلب وتمتد اليد ، انه كتاب نصوص ” مجيد جاسم العلي ” يحمل عنوان ” جراد من حديد” هذا اليوم كان بالنسبة لي اعلان حياة كاتب ، وهو ما ملأني ثقة ان الكاتب لايموت وان النصوص تبقى حية على مر العصور، لكن هل تبقى العلاقة مع النصوص قائمة كما كانت في السابق؟
هذه المجموعة القصصية صدرت عن اتحاد الادباء والكتاب في البصرة عام 2009 ، وعثرت عليها مصادفة في الايام الاولى من العام الجاري في شارع المتنبي ، صدمتني لهفتي وانا اسابقها للتعرف على محتويات الكتاب ، فقد كانت هذه المجموعة مهداة حسب ماثبت الكاتب الى ” الصديق العزيز ……” ووقع ذلك الاهداء في 28 نيسان 2009، ثبت ذلك في الصفحة الاولى البيضاء من الكتاب وانا اعرف ان الكاتب تربطه مع هذا الصديق العزيز ذكريات ومشاعر وافكار كثيرة وحين كتب ” الصديق العزيز” فانه كان يعني ذلك وليس مجاملة ادبية كما يفعل البعض من الكتاب ،اذ انه عاد الى ذكر ذلك بعد ان دون اسم الشخص المهدى له بالآتي ” مع الاعتزاز والتقدير” بمعنى اخر ان هذا الصديق لديه مكانة خاصة لدى الكاتب ومحل تقدير لمنجزه الابداعي واحترام وتمسك بتاريخ العلاقة ، لكن هل كان المهدى له بهذا المستوى ؟
تجاوزت ذلك ، ولكن لم ابتعد عن فوضى تفسيره ، فقد كان الاحرى بذلك الصديق ان يرفع هذه الصفحة البيضاء بعد ان قرر ان يكون مصير هذا الكتاب رصيف شارع المتنبي ، ورفعها لن يؤثر في تسلسل الكتاب ويبقى خيط الود موصولا من دون تاويل ، وانا هنا لاانتقص من رصيف المتنبي وانما هو مصدر كنوز ابداعية ولكني اعيب على الصديق العزيز هذا السلوك مع نصوص اصدقاء كثر .لم يفعل ذلك ، لكني تجاوزت ، وذهبت الى الغلاف الاخير ، اقرأ في تفاصيل الصورة الشخصية للكاتب مجيد جاسم العلي ، والمس مقدار العذاب والقهر والحزب في الوجه الناحل الذي اتعبه السجن والحصار والجوع والبطالة المفروضة ، تلك هي صورة الكاتب التي لاتختلف كثيرا عن صور نصوصه في هذه المجموعة فحين تقرأ تفاصيل صورة الوجه بدقة وتركيز بمكنك ان تكتشف شظايا تلك الصورة في نصوص الكتاب ، فقد كانت خاتمة الكتاب في نصه الاخير” الفخ” هي خاتمة كل الكتاب الشرفاء في العراق الذين عاشوا ذل الحصار وقهره الذي لايمكن ان يمحى من الذاكرة مطلقا” وعندما خرجت اكياس الخيش المحملة بالكتب من باب الدار شيعتها نظرات بائسة ، لكن عيون الصغار كانت تنتظر …وتنتظر..؛” ص112.
كل العيون تنتظر مثلما كانت العيون في السنوات السابقة تتربص به حتى اوقعت به سجينا بتهمة ملفقة لان الاخرين لم يستوعبوا قصة حب صادقة وان تتبع حبيبة حبيبها من الغرب الى الشرق وتقلب معادلة مطاردة الحب راسا على عقب ، هذا امر لم يستوعبه عقل الرقيب القاصر والافكار المراهقة التي تعيش في ذهنة حتى وان كبر ذلك الرقيب ، لذلك نرى في مدونة الغرف الاخيرة التعريفية الاتي ” توقف عن النشرمنذ عام 1978 واودع السجن عام 1981 حيث حكم عليه بالسجن لسبع سنوات ” وهذا مانتعرف عليه في ثنايا سرديته “شاهدة القبر المقلوبة” .”لقد حذرتك، ولكن”. ص31، قلت لهم : ( هذه امراة اجنبية ، ضيفة علينا ، لاتعرف غيري على هذه الارض”ص31. ” ها انا اخرج من خارطتك فجأة بعد ان اعصبوا عيني فدخلت في كهف مظلم طويل” ص34.وتذكر مدونة الغلاف الاخير ايضا “عانى من البطالة بعد فصله من مهنة التعليم حتى سقوط النظام البائد ” وهو مانراه متجسدا في شظايا الجمل السردية في نصوص ” الخرخاشة، انقلاب الموازيين ، الميزان ” ونصوص اخرى ، وتذكر مدونة الغلاف صدور مجموعة قصصية بعنوان ” اللوحة” عن دار الشؤون الثقافية كما ان في حوزته الكثير من المخطوطات التي تنتظــــــــــــــــر طريقها الى النشر .لم ارغب في هذه القراءة ان اتفحص هذا الكتاب السردي نقديا وانما اردت ان اعبر عن فرحي وسعادتي بعودة انسان مبدع الى حياته الطبيعة في التواصل الابداعي وعندي هذا الامر هو اكبر انجاز ابداعي في قدرة الانسان على كسر القيود التي قد تدفعه ان يكون بعيدا او غريبا عن محيطه الابداعي .























