جذور نظرية الأجناس الأدبيّة في‮ ‬النقد العربي‮ ‬القديم

جذور نظرية الأجناس الأدبيّة في‮ ‬النقد العربي‮ ‬القديم

تشكيل إستهلالي‮ ‬يحطم سلطة الفراغ

هدى صيهود‮ ‬

‮ ‬شكَّلت نظرية الأجناس الأدبيةTheory of literary genres منظومة من التصورات،‮ ‬والفرضيات المحددة والملتزمة بقواعد وأعراف،‮ ‬معيارية،‮ ‬وصفية وتفسيرية،‮ ‬تقوم بعملية فرز وتصنيف الأعمال الأدبية الرفيعة وفقاً‮ ‬لمعالم اصطلاحية،‮ ‬أو إشاراتٍ‮ ‬متداولة‮ ‬يتكئُ‮ ‬عليها المؤلفون؛ لتحديد آفاق هوية كلّ‮ ‬جنسٍ،‮ ‬وسماتهِ‮ ‬الجوهرية،‮ ‬وتأطيره بصيغ‮ ‬لزومية متفردة في‮ ‬البناء الأدبي‮ ‬مما‮ ‬يجعل للنصوص خصوصية مؤثرة بواسطة استراتيجيتها الفنية،‮ ‬والمعايير التي‮ ‬تصنف تحتها،‮ ‬كلّ‮ ‬ذلك محكوم بمتطالبات كلّ‮ ‬عصرٍ‮ ‬ومثلهِ‮ ‬وقيمهِ‮ ‬الجمالية،‮ ‬واتجاهاته الفكرية،‮ ‬وما‮ ‬يرافقها من تطوراتٍ‮ ‬على المستوى النظري،‮ ‬والممارسة التطبيقية،‮ ‬وأثرها الأسلوبي‮ ‬في‮ ‬فهم آليات النص،‮ ‬وميكانيزميته الإجرائية،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن القدرات الإبداعية للمنشئ،‮ ‬وتطلعاته لتوظيف الأسس التي‮ ‬تستوعبُ‮ ‬التراث وتستقي‮ ‬من منابعه‮.‬

‮ ‬لقد مسّت الحاجة اليوم صميم الواقع النقدي،‮ ‬ودعته إلى قراءةٍ‮ ‬ممنهجة تخرجُ‮ ‬بمفهوم الأجناس الأدبية من ضيقها النمطي‮ ‬وإرغاماتها التحديدية بقصد محاصرة النوع وتقنينه دلالةً‮ ‬ووظيفة؛ حتى‮ ‬ينكفئ فيها كل نوعٍ‮ ‬ضمن أسوارٍ‮ ‬مغلقة لا‮ ‬يتراسلُ‮ ‬فنياً‮ ‬مع‮ ‬غيره،‮ ‬إلى أُفقٍ‮ ‬يسعُ‮ ‬وجودها الجمالي،‮ ‬ويفترضُ‮ ‬إمكانية المزج بين الأنواع الأدبية لتتوالد أنواعٌ‮ ‬جديدةٌ‮ ‬تُستثمر وتتجدد،‮ ‬وبذلك تعددت الدراسات وتنوعت الرؤى والمنطلقات الفكرية التي‮ ‬تسعى إلى استجلاء مهمة تمييز كل نوع وفقاً‮ ‬لخصوصيته،‮ ‬والإنفتاح والتكيف مع المستجدات التي‮ ‬تحكمه‮.‬

‮ ‬إنَّ‮ ‬الحديث عن الأجناس الأدبيّة،‮ ‬وانفتاح الدراسات الحديثة عليها‮ ‬يجعلنا نتوقف عند أمرٍ‮ ‬من الأهمية بمكان،‮ ‬وفيه نرى أن عملية تقصّي‮ ‬جذور نظرية الأجناس في‮ ‬نقدنا العربي‮ ‬القديم،‮ ‬وتحدد معالم طبيعة الجنس الأدبي،‮ ‬لم تحظ بعناية الدارسين المحدثين على الرغم ما لها من أهمية في‮ ‬دراسة المناهج النقدية وقضايا النقد وتأريخه،‮ ‬وفي‮ ‬هذا الوفت انبرى قلمُ‮ ‬الأستاذ الدكتور فاضل عبود التميميّ‮ ‬في‮ ‬التصدي‮ ‬للكشف عن أهم المضامين النقدية والفكرية في‮ ‬تراثنا العربي‮ ‬القديم عبر مسيرته الطويلة،‮ ‬بعد أن شغلته وأرقته فكرة نشوء الأجناس الأدبية في‮ ‬نقدنا القديم وقتاً‮ ‬ليس بالقصير،‮ ‬متسائلاً‮ ‬في‮ ‬قرارة نفسهِ،‮ ‬هل للأجناس الأدبية في‮ ‬النقد العربي‮ ‬القديم أصلٌ،‮ ‬أو خطاب،‮ ‬أو نصٌ‮ ‬مُعيّن ؟‮.‬

‮ ‬كان هذا التساؤل الصريح بدايةً‮ ‬تحملُ‮ ‬بين طياتها بذور الوعي‮ ‬بقدرات النقد القديم،‮ ‬وعماداً‮ ‬لمبنى مؤلفه الموسوم بـجذور نظرية الأجناس الأدبية في‮ ‬النقد العربيِّ‮ ‬القديم الصادر عن دار الفكر في‮ ‬تونس2012 والذي‮ ‬انبثق من قراءات متلاحقةٍ‮ ‬أنتجت هذا المتن الموثق الذي‮ ‬يُعدُّ‮ ‬أكثر نُضجاً،‮ ‬وريادةً‮ ‬لما جادت به قرائح من سبقوه في‮ ‬هذا الميدان،‮ ‬وهو‮ ‬يتقصى الإجابة عن سؤالهِ‮ ‬مصادرَ‮ ‬شكّلت العمود الفقري‮ ‬للنقد العربيّ‮ ‬القديم‮ ‬– على حدِّ‮ ‬تعبيرهِ‮-‬،‮ ‬وفي‮ ‬قراءة متأنيةٍ‮ ‬لأبرز القضايا التي‮ ‬كشف الكتاب اللثام عنها،‮ ‬يجد القارئ نفسه في‮ ‬أحضان النقد العربي‮ ‬يتقلبُ‮ ‬بين متون الكتب قديمها وحديثها رغم سعتها وانفتاحها؛ ليستخلصُ‮ ‬عُصارة الآراء والتوجهات ويصهرها في‮ ‬بوتقةِ‮ ‬المعرفة الواعية والممنهجة التي‮ ‬تبتعدُ‮ ‬عن التقوّل،‮ ‬والتأويل المُغرض،‮ ‬والتحامل بهدفِ‮ ‬إسقاط إشكالات الحاضرِ‮ ‬على إنجازت الماضي‮.‬

‮ ‬إن عملية تحديد هوية الجنس الأدبي‮ ‬وتأصيل جذوره الأولى،‮ ‬والكشف عن ملامحه الدقيقة وعلاقاته،‮ ‬عملية تتابعية منظمة‮ ‬يلعبُ‮ ‬فيها السبقُ‮ ‬التأريخي‮ ‬دوراً‮ ‬فاعلاً‮ ‬في‮ ‬الرصد والتحليل والوصول إلى النتائج المتوخاة،‮ ‬وهذا ما‮ ‬يلمسه القارئ في‮ ‬هذا المنجز‮ ‬العلمي‮ ‬بدءاً‮ ‬من عتبته الأولى‮ -‬العنوان النصيّ‮- ‬جذور نظرية الأجناس الأدبية وهو وقفةٌ‮ ‬تأصيلية لتراثٍ‮ ‬جذوره ممتدة في‮ ‬أعماق التأريخ ؛ تؤكد أن لكلّ‮ ‬شيءٍ‮ ‬من العلم،‮ ‬ونوع من الحكمةِ،‮ ‬وصنفٍ‮ ‬من الأدبِ‮ ‬سبباً‮ ‬يدعو إلى تأليف ما كان مشتتاً،‮ ‬ومعنىً‮ ‬يحدو على جمع ما كان متفرقاً‮.‬

‮ ‬يكتسبُ‮ ‬العنوان قيمته من كونه الجسر النصي‮ ‬بين الغياب والحضور ليشكّل بُنية دلالية مقتضبة،‮ ‬وعلاقة تجنيسية تحدد نوع المتن ليعرّف بمحمولهِ؛ ويستثمر محاورة وعي‮ ‬المتلقي‮ ‬وما تستشرفه آفاق التوقع لديه،‮ ‬وبذلك عكس الأستاذ الدكتور فاضل عبود التميميِّ‮ ‬دقة الإبداع المعرفي‮ ‬الموثِق لما‮ ‬يُميز مكنونات المحتوى المنضوي‮ ‬تحته،‮ ‬وينأى عن التنكير والإدعاء،‮ ‬فكان إجرائياً‮ ‬حاضراً‮ ‬يُنبئ عن محصلة ممارسة إبداعية نقدية فيها من الجهد وسعة الإطلاع ما لا‮ ‬يخفى على متذوق الأدب والنقد،‮ ‬هناك جذورٌ‮ ‬– تلمَّسها الكاتب واختار مفهومها بدقةٍ‮ ‬دوناً‮ ‬عن ما‮ ‬يرادفها من المفاهيم اللغوية؛ ليكون دقيقاً‮ ‬منهجياً‮ ‬في‮ ‬تأصيل العمل المعرفي‮ ‬وليميز الأصل من الفرع وفقاً‮ ‬لمبدأ إتصال الجزء بالكُل وبذلك تُستجلى العلاقة بين ثيمة العمل الأولى وبين المضمون من خلال الحوارية الدلالية الفاعلة‮.‬

‮ ‬يؤكد الكثير من المؤلفين أنَّ‮ ‬جذوراً‮ ‬لنظرية أجناسيّة قد تقتربُ‮ ‬من التكامل موجودة في‮ ‬التراث رغم أن المؤلف نفى إدعاءَهُ‮ ‬الحديث عن نظرية تكامليةٍ‮ ‬للأجناس الأدبية؛ مُعللاً‮ ‬أن هذا الإدعاء‮ ‬يكذبّهُ‮ ‬النقد نفسه،‮ ‬على الرغم من وجود كثير من الإشارات والتقسيمات التي‮ ‬تحيل على فكرة التجنيس،‮ ‬وتطبيقاتها،‮ ‬وأجمَلَ‮ ‬الكاتب الأسباب الحقيقة التي‮ ‬حالت دون أن تكون للنقد العربي‮ ‬القديم نظرية محددة في‮ ‬بنية الأجناس الأدبية مؤكدا أن اختيارَهُ‮ ‬لمصطلح الجنس أوالأجناس جاء بديلاً‮ ‬عن مصطلح النوع أوالأنواع؛ لإلتزامه بما ورد ذكره في‮ ‬المعجمات العربية ومنها لسانُ‮ ‬العرب،‮ ‬الذي‮ ‬يرى فيها أنّ‮ ‬الجنس أعمُّ‮ ‬من النوعِ،‮ ‬ثُمَّ‮ ‬علّل ذلك بوجود ترادف بين المصطلحين في‮ ‬أكثر من مرجعٍ‮ ‬ذاكراً‮ ‬منها‮ : ‬مقدمة في‮ ‬النقد الأدبي‮ : ‬د‮. ‬علي‮ ‬جواد الطاهر،‮ ‬وجامع النص‮: ‬جيرار جينيت،‮ ‬وغيرهما،‮ ‬وبذلك استطاع المؤلف تمكيننا من قراءاتٍ‮ ‬مختلفةٍ‮ ‬تُميز بين الجنس والنوع الأدبي‮.‬

‮ ‬إنَّ‮ ‬نظرة د‮. ‬فاضل التميميّ‮ ‬ومشروعه التأليفي‮ ‬انطلق من قراءة عميقةٍ‮ ‬وتبحُّرٍ‮ ‬في‮ ‬التراث ووعيٍّ‮ ‬تأليفي‮ ‬أطلق العنان لمقولاتٍ‮ ‬نقدية قديمة وحديثة تحاوِر وتحاوَر؛ لأنَّ‮ ‬عماد بنائه المنهجي‮ ‬تأسيس رؤيةٍ‮ ‬نقديةٍ‮ ‬عربية واضحة تفرضُ‮ ‬سلطتها العلمية على المتلقي،‮ ‬وتبسط مهاداً‮ ‬فكرياً‮ ‬وفلسفياً‮ ‬يترجم نتاجه النقدي‮ ‬الأدبي‮ ‬المتوازن بين التراث والمعاصرة‮.‬

‮ ‬تدعونا إطالةُ‮ ‬النظر في‮ ‬حيثيات هذا المتن إلى ربط بوابتهِ‮ ‬الأولى بمضمونه الداخلي‮ ‬الذي‮ ‬يكشف ابتداءهُ‮ ‬بالمحتوى محتوى الكتاب الذي‮ ‬استغنى فيه الكاتب عن فهرسة الموضوعات التي‮ ‬تعوَّد القارئ وجودها في‮ ‬أغلب المؤلفات،‮ ‬يتبعهُ‮ ‬بإهداءٍ‮ ‬صريحٍ‮ ‬وعبارةٍ‮ ‬سهلةٍ‮ ‬واضحة تحملُ‮ ‬أسمى الدلالات وأغناها؛ فقد تعجز الكلمات أحياناً‮ ‬عن الإيفاء بالمشاعرِ،‮ ‬التي‮ ‬تداعب النفس المتواضعة لتنحني‮ ‬إجلالاً‮ ‬لمعلم كبيرٍ‮ ‬هو الأستاذ الدكتور أحمد مطلوب،‮ ‬وتعترفُ‮ ‬بفضلٍ‮ ‬وردٍ‮ ‬لجميلٍ‮ ‬لا‮ ‬يُنسى،‮ ‬فالتبجيل‮ ‬يقابلهُ‮ ‬العلمُ‮ ‬الجليل‮.‬

‮ ‬استهل الكاتب متنهُ‮ ‬بمقولةٍ‮ ‬تزخرُ‮ ‬بالدلالات الحية وتفيضُ‮ ‬إمتلاءً‮ ‬بمعرفةِ‮ ‬أجناسِ‮ ‬الكلام،‮ ‬والوقوف على أسرارهِ،‮ ‬شيءٌ‮ -‬وإن كان عزيزاً‮- ‬فهو سهلٌ‮ ‬على أهلهِ‮ …‬،‮ ‬هذا التشكيل الإستهلالي‮ ‬الممتلئ الذي‮ ‬أسهمَ‮ ‬في‮ ‬تحطيم سلطة الفراغ‮ ‬المتوقع الذي‮ ‬يفرضهُ‮ ‬المجهول،‮ ‬لم‮ ‬يتوانَ‮ ‬المؤلف عن إشراك القارئ في‮ ‬عملية بناء المتن وتوسيع فضائهِ‮ ‬الدلالي،‮ ‬فانتقى من اللفظ أحلاه،‮ ‬ومن المعنى أصفاه،‮ ‬واحتكم إلى ترصيع الإستهلال بعلامته الترقيمية،‮ ‬كما وردت نصاً‮ ‬في‮ ‬إعجاز القرآن‮ : ‬للباقلاني،‮ ‬مُشيراً‮ ‬إلى المصدر وصفحتهِ،‮ ‬ومُفسراً‮ ‬هذه العبارات في‮ ‬التمهيد من كتابه،‮ ‬كانت دعوةٌ‮ ‬لا تنفصل عن محيطها الثقافي‮ ‬وتتجسد في‮ ‬حضور فكرة الإعجاز القرآني‮ ‬وإسهاماتها في‮ ‬بواكير التجنيس في‮ ‬النقد العربي‮.‬

‮ ‬بنى المؤلف متنهُ‮ ‬على مقدمتين‮: ‬المقدمة الأولى‮: ‬بقلم الأستاذ الدكتور أحمد مطلوب ؛ وإنّه لشرفٌ‮ ‬عظيم،‮ ‬ومنزلة رفيعة‮ ‬يحظى بها هذا المتن النقدي؛ طرزت تقديمه الأول أناملُ‮ ‬ناقدٍ‮ ‬فذٍّ‮ ‬لهُ‮ ‬فضلُ‮ ‬الريادة والسبق في‮ ‬هذا الميدان،‮ ‬فكانت دعوته لقراءةٍ‮ ‬هذا المتن منطلقة من الجدّة وحصاد العمل الرصين الذي‮ ‬يُميزه،‮ ‬وما‮ ‬يكتنزه من آراءٍ‮ ‬خصبةٍ‮ ‬في‮ ‬الأجناس الأدبية،‮ ‬تبلورت نتاج الخوض في‮ ‬غمار القديم،‮ ‬وقراءة مؤلفاتهم بعيون معاصرة،‮ ‬فقد أثنى الدكتور أحمد مطلوب على جهد المؤلف،‮ ‬وأحكامه النقدية،‮ ‬ودعا القارئ إلى التأمل بعمقٍ‮ ‬ونظرةٍ‮ ‬ثاقبة مكنوناته،‮ ‬مؤكداً‮ ‬أن الكتابات والدراسات في‮ ‬هذا المجال على الرغم من كثرتها؛ إلاّ‮ ‬أنها لم تمسّ‮ ‬التراث‮ -‬كما مسّهُ‮ ‬هذا المتن‮- ‬إلاّ‮ ‬على استحياء‮. ‬

‮ ‬المقدمة الثانية للدكتور فاضل وقد بدأها باستهلال موجز أكّد فيه عناية الدراسات النقدية الغربية منذُ‮ ‬وقتٍ‮ ‬مبكرٍ‮ ‬بقضية الأجناس الأدبية؛ لكنّ‮ ‬النقدية العربية على الرغم من إشاراتها المبكرة وتعدد أقوالها ظلّت تُعاني‮ ‬الإهمال وقلة البحث،‮ ‬ووصفها بتشبيه بليغٍ‮ ‬كأنها نبتٌ‮ ‬شبطانيّ‮ ‬ظهر فجأةً‮ ‬في‮ ‬تربة الأدب العربي‮ ‬فمقدمةُ‮ ‬المؤلف أقربُ‮ ‬إلى السيرة الثقافية التي‮ ‬كشف فيها انشغاله القديم بفكرة الأجناس الأدبية،‮ ‬وكان كلّما قرأ شيئاً‮ ‬من النقد العربي‮ ‬الذي‮ ‬يُعنى بهذه القضية لاحَ‮ ‬في‮ ‬أفقِ‮ ‬معرفته سؤالٌ‮ ‬هو في‮ ‬الحقيقة المدارُ‮ ‬الأول لمضمون هذا المتنِ،‮ ‬والذي‮ ‬أسس عليه الكاتب رؤيته النقدية التي‮ ‬تشكلت مع تقادم الزمن وكثرةِ‮ ‬القراءةِ،‮ ‬وتجدد الأسئلة وانشطارها،‮ ‬والوعي‮ ‬العلمي‮ ‬الرصين والحصافة النقدية المتبحرة في‮ ‬متون الكتب،‮ ‬فكان هذا النتاج عيناً‮ ‬جارية‮ ‬غزيرة‮ ‬يتدفق منها أعذبُ‮ ‬الرأي،‮ ‬جديدهُ‮ ‬ممتزجٌ‮ ‬بقديمهِ،‮ ‬وجريانهُ‮ ‬مستلزمٌ‮ ‬لتجدد مائهِ،‮ ‬استمدَّ‮ ‬مادته من مئةٍ‮ ‬وتسعةَ‮ ‬مُؤلَفٍ‮ ‬رصينٍ‮ ‬بين مرجعٍ‮ ‬ومصدرٍ‮.‬

‮ ‬لقد كان اهتمامُ‮ ‬المؤلف في‮ ‬مقدمتهِ‮ ‬مُنصباً‮ ‬على بيان منهجيتهِ‮ ‬المعتمدة على الوصف الذي‮ ‬يميل إلى التحليل دون الإحتفاءِ‮ ‬بالسياقاتِ‮ ‬التأريخية أو السير الشخصية،‮ ‬مرتكزاً‮ ‬على قواعدَ‮ ‬وأصولٍ‮ ‬منهجية ثابتة،‮ ‬تُميز العقلية القادرة على إنتاج المعرفة من العقلية الساكنة،‮ ‬وبذلك فقد ناقش التميميّ‮ ‬النصوص التراثية واستنطقها وأخضعها للتحليل،‮ ‬فوقف عند الرأي‮ ‬حين‮ ‬يجد مجالاً‮ ‬للتعليل برأي‮ ‬آخر مشدداً‮ ‬على ضرورةِ‮ ‬وضوح الأفكار التي‮ ‬تتجلى في‮ ‬مستوى التعبير عن أفكاره ورؤاه النقدية إنطلاقاً‮ ‬من مبدأ تراثية الأجناس الأدبية في‮ ‬النقد العربي،‮ ‬فقد حاول جاهداً‮ ‬بما‮ ‬يمتلكه من أدواتٍ‮ ‬وتقاناتٍ‮ ‬فنية أن‮ ‬يثبت مبدأ لا‮ ‬يمكن تجاهلهُ‮. ‬مستعيناً‮ ‬بتقسيماتهِ‮ ‬الدقيقةِ‮ ‬في‮ ‬متن هذا المنجز إلى تمهيد وأربعة فصولٍ‮ ‬تتلاءم معرفياً،‮ ‬وتتوازن وفقاً‮ ‬لطبيعة الموضوعات وتأسيساتها الفكرية التي‮ ‬هيأت تقارباً‮ ‬في‮ ‬عدد الصفحات؛ إلاّ‮ ‬أن الفصل الأول تميز بطولهِ،‮ ‬لطبيعة مادّته‮.‬

‮ ‬لقد سعى المؤلف منذُ‮ ‬صفحاتهِ‮ ‬الأولى إلى قراءة التراث العربي‮ ‬قراءة واعية تحقق وعياً‮ ‬علمياً،‮ ‬فالتراث النقدي‮ ‬عنده مجموعة من النصوص تتكشفُ‮ ‬دلالتها آناً‮ ‬بعد آن،‮ ‬ومع كل قراءةٍ‮ ‬جديدة تكشف عنوان الهوية ورمز الأصالة،‮ ‬فهو‮ ‬يربط في‮ ‬فهمهِ‮ ‬لقضايا النقد التراثية بين التنظير والتطبيق وقد تحمس فيها للتراث،‮ ‬ويبدو ذلك واضحاً‮ ‬في‮ ‬إجراءاته الشمولية ابتداءً‮ ‬من التمهيد حيث وضعَ‮ ‬لهُ‮ ‬ولكُلّ‮ ‬فصلٍ‮ ‬من فصول المتن الأربعة عنواناً‮ ‬يطرح رؤيته فيه،‮ ‬فجاء التمهيد مؤطراً‮ ‬بـإضاءات دليلٌ‮ ‬على إشارات الكاتب لإنارة الطريق ممهداً‮ ‬بتوجيهات دلالية تفصحُ‮ ‬عن مدارك العقول وما‮ ‬يثمرُ‮ ‬عنها فهي‮ ‬نتاج التفكير والعلم الغزير‮.‬

‮ ‬وفي‮ ‬جملةِ‮ ‬ما طرحهُ‮ ‬المؤلف من حقائق تمسّ‮ ‬صميم الجنس الأدبي‮ ‬شعراً‮ ‬ونثراً‮ ‬كانت قضية الأجناس الأدبية تحتل مكانة بارزة في‮ ‬متن نظرية الأب؛ على الرغم من صعوبة الاقتناع بوجود تعريف واحد للأجناس الأدبية،‮ ‬وبذلك‮ ‬يشخص أجناس الأدب بأنها اختزالٌ‮ ‬منظم لشكل الكتابة الأدبية في‮ ‬كل عصورها،‮ ‬مُبيناً‮ ‬أنَّ‮ ‬كُلَّ‮ ‬جنسٍ‮ ‬حافظ على خصائصهِ‮ ‬الأسلوبية المتجانسة،‮ ‬رغم التطور الذي‮ ‬لحق فكرة التجنيس تأريخياً‮ ‬في‮ ‬صورٍ‮ ‬وإنجازات فردية دائمة الجدة‮. ‬وعلى هذه التأكيدات‮ ‬يترتب موقف المؤلف في‮ ‬أن خصائص الأجناس بالأمس هي‮ ‬ليست خصائص أجناس اليوم أو‮ ‬غداً‮. ‬وَشَّحَ‮ ‬المؤلف فصله الأول:التجليات بوشاح الفكرُ‮ ‬مفتاح الصنائع البشرية المقتبس من مقولةٍ‮ ‬للتوحيدي‮ ‬في‮ ‬الإمتاع والمؤانسة،‮ ‬هذا الفصل سياحةٌ‮ ‬نقدية في‮ ‬المقولات العربية،‮ ‬ومما لا‮ ‬يخفى على الباحث أن تعبيرالتجليات متداولٌ‮ ‬عند المتصوفةِ‮ ‬لكُلّ‮ ‬ما‮ ‬يتجلى أو‮ ‬يتراءى للكاتب أو القارئ من حقائق مطمورة في‮ ‬بحار الكتب النقدية القديمة،‮ ‬ولم‮ ‬يتناسى منهجه المعتاد في‮ ‬متنهِ‮ ‬من تقديم كل فصلٍ‮ ‬بمقدمةٍ‮ ‬توجزُ‮ ‬مراد الكاتب ثم‮ ‬يتبعها بعرضٍ‮ ‬تفصيلي‮ ‬لأهم الأفكار التي‮ ‬جادت بها رؤى الكاتب مستعيناً‮ ‬بتقانة الخطاطات الشكلية المتضمنة تقسيمات بعض الأجناس وما‮ ‬يتفرع عنها وفقاً‮ ‬لمنظور كل ناقدٍ‮ ‬مراعياً‮ ‬التسلسل الزمني‮ ‬لبد قضية الأجناس والتي‮ ‬تستدعي‮ ‬التحري‮ ‬النقدي‮ ‬الدقيق‮.‬

‮ ‬ومما‮ ‬يُميز هذا المتن النقدي‮ ‬ختام كل فصلٍ‮ ‬فيه بخاتمةٍ‮ ‬هي‮ ‬عرضٌ‮ ‬موجزٌ‮ ‬يشكف عن بواطن النصوص التراثية وفقاً‮ ‬لمنهج متكاملٍ‮ ‬غزير النتاج‮. ‬لقد حرصَ‮ ‬الكاتب على طرح قضية الأجناس الأدبية باعتماد النصوص المؤسسة والتي‮ ‬مكنته من وضع‮ ‬يده على أهم آليات اشتغال تلك النظرية وتقديم التراث بعلمية رصينة؛ كونه لازماً‮ ‬لا‮ ‬يمكن العدول عنهُ‮. ‬ولا‮ ‬ينفك من إعادة التأكيد على الحضور الفاعل للقرآن الكريم الذي‮ ‬لا‮ ‬يمكن تجاوزه،‮ ‬والذي‮ ‬دفعَ‮ ‬النقاد العرب للحفر في‮ ‬جذور الأجناس الأدبية،‮ ‬قصدَ‮ ‬تمييز القرآن عنها،‮ ‬وإبراز تفوقهِ‮ ‬البلاغي‮ ‬عليها‮.‬

‮ ‬وقد فصَّلَ‮ ‬الكاتب في‮ ‬بعض المقولات النقدية الحديثة،‮ ‬كقول الدكتور عبد العزيز شبيل،‮ ‬الذي‮ ‬أقرَّ‮ ‬بغياب فكرة الأجناس والأنواع وحضور النظرية البلاغية الجامعة بديلاً‮ ‬عنها،‮ ‬وهنا وقف المؤلف التميميِّ‮ ‬مُتسائلاً‮ ‬عن سبب تسمية د‮. ‬شبيل كتابه نظرية الأجناس الأدبية في‮ ‬التراث النثري،‮ ‬جدلية الحضور والغياب رغم إقراره بغياب الأجناس،‮ ‬واستبدالهِ‮ ‬–د‮. ‬شبيل‮- ‬إنجازاً‮ ‬ظاهراً‮ ‬للعيان،‮ ‬بآخر لساني‮ ‬يمكن إخضاعه لتقسيمات الأجناس الأدبية؛ لكنّ‮ ‬الدكتور التميميِّ‮ ‬لم‮ ‬يجد جواباً‮ ‬علمياً‮ ‬مقنعاً‮ ‬فتوقف عند هذا الحدّ‮ ‬من النقاش في‮ ‬مقولة د‮. ‬شبيل‮.‬

‮ ‬لقد حسمَ‮ ‬الكتاب القول في‮ ‬مسألة ضآلة العناية بالأجناس الأدبية والتوتر وعدم الاتفاق الذي‮ ‬تكلم فيه الدكتور عبد الله إبراهيم في‮ ‬موسوعته السردية وهو‮ ‬يتحدث عن فكرة الاجناس حين قال بأن الضآلة سمة لا‮ ‬يمكن القفز على حجمها ووجودها في‮ ‬النقد القديم،‮ ‬وعدم الإتفاق لا‮ ‬يمكن إلاّ‮ ‬أن‮ ‬يكون سبباً‮ ‬رئيساً‮ ‬يُفضي‮ ‬إلى الحراك الفاعل في‮ ‬ميدان الأدب والنقد‮. ‬فقد أضاءَ‮ ‬المؤلف في‮ ‬متنهِ‮ ‬طريقاً‮ ‬للقارئ،‮ ‬من بعض إضاءات العسكري‮ ‬وعدّها خواطرَ‮ ‬تتقارب شبهاً‮ ‬بالينابيع التي‮ ‬يُسقى منها شيئاً‮ ‬بعد شيءٍ‮ ‬– في‮ ‬متن الفصل الثاني‮- ‬والذي‮ ‬كشفَ‮ ‬فيه عن رؤية العسكري‮ ‬النقدية المنفتحة على الأدب شعراً‮ ‬ونثراً،‮ ‬أما في‮ ‬إضاءات الباقلاني‮ ‬فأنها توحي‮ ‬بتأكيد الكاتب على مسألةِ‮ ‬إدامةِ‮ ‬النظرِ‮ ‬بحذرٍ‮ ‬في‮ ‬قضية الجنس الأدبي‮ ‬وارتباطه بالقرآنِ‮ ‬الكريم وإعجازه،‮ ‬وهذا من أخطر القضايا وأهمها‮ ‬–على حدِّ‮ ‬تعبيره:إنَّ‮ ‬نقدَ‮ ‬الكلام شديدٌ،‮ ‬وتمييزهُ‮ ‬صعبٌ‮ ‬التي‮ ‬تحيلنا إلى البحث في‮ ‬هوية الأجناس ضمن نطاق الأدبِ‮ ‬وذائقتهِ‮ ‬الفنية‮.‬

‮ ‬وكما هي‮ ‬خُطى التميميِّ‮ ‬الجريئة في‮ ‬التقصي‮ ‬والفصل بين الآراء النقدية،‮ ‬كذلك كان ولوجه عالم ابن خلدون مقتفياً‮ ‬اثر سابقيهِ‮ ‬في‮ ‬المنهجية والموضوعية،‮ ‬فجاءت إضاءات ابن خلدون تحت عنوان:الشعرُ‮ ‬لهُ‮ ‬أساليبٌ‮ ‬تخصّه لا تكون للمنثور وكأنَّ‮ ‬الكاتب‮ ‬يحاول تهيئة القارئ لمضامين رؤية ابن خلدون التي‮ ‬تنضوي‮ ‬تحت لواء المعرفة الإدراكية والوعي‮ ‬العالي‮ ‬بأن الخطاب اللساني،‮ ‬والأدبي‮ ‬يتساوق وسائر عناصر نظريتهِ،‮ ‬والتي‮ ‬تبنتْ‮ ‬نمطاً‮ ‬من التفكير الأجناسي،‮ ‬ولعلنا نسلّم معهُ‮ ‬بمنطقية هذا الكلام؛ لأنّ‮ ‬ابن خلدون كان مدركاً‮ ‬لخصائص اللغة الشعرية التي‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن تُلبي‮ ‬المنثور كلّه،‮ ‬فهي‮ ‬طاقة متفجّرة في‮ ‬الكلام المتــــــميز القادر على الإنزياح‮. ‬وبعد هذا الجهد المعرفي‮ ‬الكبير أسس الكاتب بُعداً‮ ‬نقدياً‮ ‬لنظرة شاملة ممزوجة بالتجارب الخالدة،‮ ‬بعد أن خاضَ‮ ‬صراعاً‮ ‬لإثبات دعواتٍ‮ ‬قديمة تبحث في‮ ‬الخصائص الضامرة للجنس الأدبي‮ ‬والتي‮ ‬غادرت المكان‮ ‬– اليوم‮ ‬– تحت طائلة عبور الأنواع وتداخل الأجناس وتغيير الأنظمة الأدبية،‮ ‬لذا‮ ‬يمكننا التأكيد على أن هذه الدراسة هي‮ ‬نظرية خالصة تسعى إلى تقديم النظرية النقدية القديمة بتقانات متحررة تبتعدُ‮ ‬عن قراءةٍ‮ ‬الخضوعِ‮ ‬والتقييد للجنس الأدبي‮ ‬في‮ ‬علاقاتهِ‮ ‬بالأجناس الأدبية المتعددة‮.‬