جذور نظرية الأجناس الأدبيّة في النقد العربي القديم
تشكيل إستهلالي يحطم سلطة الفراغ
هدى صيهود
شكَّلت نظرية الأجناس الأدبيةTheory of literary genres منظومة من التصورات، والفرضيات المحددة والملتزمة بقواعد وأعراف، معيارية، وصفية وتفسيرية، تقوم بعملية فرز وتصنيف الأعمال الأدبية الرفيعة وفقاً لمعالم اصطلاحية، أو إشاراتٍ متداولة يتكئُ عليها المؤلفون؛ لتحديد آفاق هوية كلّ جنسٍ، وسماتهِ الجوهرية، وتأطيره بصيغ لزومية متفردة في البناء الأدبي مما يجعل للنصوص خصوصية مؤثرة بواسطة استراتيجيتها الفنية، والمعايير التي تصنف تحتها، كلّ ذلك محكوم بمتطالبات كلّ عصرٍ ومثلهِ وقيمهِ الجمالية، واتجاهاته الفكرية، وما يرافقها من تطوراتٍ على المستوى النظري، والممارسة التطبيقية، وأثرها الأسلوبي في فهم آليات النص، وميكانيزميته الإجرائية، فضلاً عن القدرات الإبداعية للمنشئ، وتطلعاته لتوظيف الأسس التي تستوعبُ التراث وتستقي من منابعه.
لقد مسّت الحاجة اليوم صميم الواقع النقدي، ودعته إلى قراءةٍ ممنهجة تخرجُ بمفهوم الأجناس الأدبية من ضيقها النمطي وإرغاماتها التحديدية بقصد محاصرة النوع وتقنينه دلالةً ووظيفة؛ حتى ينكفئ فيها كل نوعٍ ضمن أسوارٍ مغلقة لا يتراسلُ فنياً مع غيره، إلى أُفقٍ يسعُ وجودها الجمالي، ويفترضُ إمكانية المزج بين الأنواع الأدبية لتتوالد أنواعٌ جديدةٌ تُستثمر وتتجدد، وبذلك تعددت الدراسات وتنوعت الرؤى والمنطلقات الفكرية التي تسعى إلى استجلاء مهمة تمييز كل نوع وفقاً لخصوصيته، والإنفتاح والتكيف مع المستجدات التي تحكمه.
إنَّ الحديث عن الأجناس الأدبيّة، وانفتاح الدراسات الحديثة عليها يجعلنا نتوقف عند أمرٍ من الأهمية بمكان، وفيه نرى أن عملية تقصّي جذور نظرية الأجناس في نقدنا العربي القديم، وتحدد معالم طبيعة الجنس الأدبي، لم تحظ بعناية الدارسين المحدثين على الرغم ما لها من أهمية في دراسة المناهج النقدية وقضايا النقد وتأريخه، وفي هذا الوفت انبرى قلمُ الأستاذ الدكتور فاضل عبود التميميّ في التصدي للكشف عن أهم المضامين النقدية والفكرية في تراثنا العربي القديم عبر مسيرته الطويلة، بعد أن شغلته وأرقته فكرة نشوء الأجناس الأدبية في نقدنا القديم وقتاً ليس بالقصير، متسائلاً في قرارة نفسهِ، هل للأجناس الأدبية في النقد العربي القديم أصلٌ، أو خطاب، أو نصٌ مُعيّن ؟.
كان هذا التساؤل الصريح بدايةً تحملُ بين طياتها بذور الوعي بقدرات النقد القديم، وعماداً لمبنى مؤلفه الموسوم بـجذور نظرية الأجناس الأدبية في النقد العربيِّ القديم الصادر عن دار الفكر في تونس2012 والذي انبثق من قراءات متلاحقةٍ أنتجت هذا المتن الموثق الذي يُعدُّ أكثر نُضجاً، وريادةً لما جادت به قرائح من سبقوه في هذا الميدان، وهو يتقصى الإجابة عن سؤالهِ مصادرَ شكّلت العمود الفقري للنقد العربيّ القديم – على حدِّ تعبيرهِ-، وفي قراءة متأنيةٍ لأبرز القضايا التي كشف الكتاب اللثام عنها، يجد القارئ نفسه في أحضان النقد العربي يتقلبُ بين متون الكتب قديمها وحديثها رغم سعتها وانفتاحها؛ ليستخلصُ عُصارة الآراء والتوجهات ويصهرها في بوتقةِ المعرفة الواعية والممنهجة التي تبتعدُ عن التقوّل، والتأويل المُغرض، والتحامل بهدفِ إسقاط إشكالات الحاضرِ على إنجازت الماضي.
إن عملية تحديد هوية الجنس الأدبي وتأصيل جذوره الأولى، والكشف عن ملامحه الدقيقة وعلاقاته، عملية تتابعية منظمة يلعبُ فيها السبقُ التأريخي دوراً فاعلاً في الرصد والتحليل والوصول إلى النتائج المتوخاة، وهذا ما يلمسه القارئ في هذا المنجز العلمي بدءاً من عتبته الأولى -العنوان النصيّ- جذور نظرية الأجناس الأدبية وهو وقفةٌ تأصيلية لتراثٍ جذوره ممتدة في أعماق التأريخ ؛ تؤكد أن لكلّ شيءٍ من العلم، ونوع من الحكمةِ، وصنفٍ من الأدبِ سبباً يدعو إلى تأليف ما كان مشتتاً، ومعنىً يحدو على جمع ما كان متفرقاً.
يكتسبُ العنوان قيمته من كونه الجسر النصي بين الغياب والحضور ليشكّل بُنية دلالية مقتضبة، وعلاقة تجنيسية تحدد نوع المتن ليعرّف بمحمولهِ؛ ويستثمر محاورة وعي المتلقي وما تستشرفه آفاق التوقع لديه، وبذلك عكس الأستاذ الدكتور فاضل عبود التميميِّ دقة الإبداع المعرفي الموثِق لما يُميز مكنونات المحتوى المنضوي تحته، وينأى عن التنكير والإدعاء، فكان إجرائياً حاضراً يُنبئ عن محصلة ممارسة إبداعية نقدية فيها من الجهد وسعة الإطلاع ما لا يخفى على متذوق الأدب والنقد، هناك جذورٌ – تلمَّسها الكاتب واختار مفهومها بدقةٍ دوناً عن ما يرادفها من المفاهيم اللغوية؛ ليكون دقيقاً منهجياً في تأصيل العمل المعرفي وليميز الأصل من الفرع وفقاً لمبدأ إتصال الجزء بالكُل وبذلك تُستجلى العلاقة بين ثيمة العمل الأولى وبين المضمون من خلال الحوارية الدلالية الفاعلة.
يؤكد الكثير من المؤلفين أنَّ جذوراً لنظرية أجناسيّة قد تقتربُ من التكامل موجودة في التراث رغم أن المؤلف نفى إدعاءَهُ الحديث عن نظرية تكامليةٍ للأجناس الأدبية؛ مُعللاً أن هذا الإدعاء يكذبّهُ النقد نفسه، على الرغم من وجود كثير من الإشارات والتقسيمات التي تحيل على فكرة التجنيس، وتطبيقاتها، وأجمَلَ الكاتب الأسباب الحقيقة التي حالت دون أن تكون للنقد العربي القديم نظرية محددة في بنية الأجناس الأدبية مؤكدا أن اختيارَهُ لمصطلح الجنس أوالأجناس جاء بديلاً عن مصطلح النوع أوالأنواع؛ لإلتزامه بما ورد ذكره في المعجمات العربية ومنها لسانُ العرب، الذي يرى فيها أنّ الجنس أعمُّ من النوعِ، ثُمَّ علّل ذلك بوجود ترادف بين المصطلحين في أكثر من مرجعٍ ذاكراً منها : مقدمة في النقد الأدبي : د. علي جواد الطاهر، وجامع النص: جيرار جينيت، وغيرهما، وبذلك استطاع المؤلف تمكيننا من قراءاتٍ مختلفةٍ تُميز بين الجنس والنوع الأدبي.
إنَّ نظرة د. فاضل التميميّ ومشروعه التأليفي انطلق من قراءة عميقةٍ وتبحُّرٍ في التراث ووعيٍّ تأليفي أطلق العنان لمقولاتٍ نقدية قديمة وحديثة تحاوِر وتحاوَر؛ لأنَّ عماد بنائه المنهجي تأسيس رؤيةٍ نقديةٍ عربية واضحة تفرضُ سلطتها العلمية على المتلقي، وتبسط مهاداً فكرياً وفلسفياً يترجم نتاجه النقدي الأدبي المتوازن بين التراث والمعاصرة.
تدعونا إطالةُ النظر في حيثيات هذا المتن إلى ربط بوابتهِ الأولى بمضمونه الداخلي الذي يكشف ابتداءهُ بالمحتوى محتوى الكتاب الذي استغنى فيه الكاتب عن فهرسة الموضوعات التي تعوَّد القارئ وجودها في أغلب المؤلفات، يتبعهُ بإهداءٍ صريحٍ وعبارةٍ سهلةٍ واضحة تحملُ أسمى الدلالات وأغناها؛ فقد تعجز الكلمات أحياناً عن الإيفاء بالمشاعرِ، التي تداعب النفس المتواضعة لتنحني إجلالاً لمعلم كبيرٍ هو الأستاذ الدكتور أحمد مطلوب، وتعترفُ بفضلٍ وردٍ لجميلٍ لا يُنسى، فالتبجيل يقابلهُ العلمُ الجليل.
استهل الكاتب متنهُ بمقولةٍ تزخرُ بالدلالات الحية وتفيضُ إمتلاءً بمعرفةِ أجناسِ الكلام، والوقوف على أسرارهِ، شيءٌ -وإن كان عزيزاً- فهو سهلٌ على أهلهِ …، هذا التشكيل الإستهلالي الممتلئ الذي أسهمَ في تحطيم سلطة الفراغ المتوقع الذي يفرضهُ المجهول، لم يتوانَ المؤلف عن إشراك القارئ في عملية بناء المتن وتوسيع فضائهِ الدلالي، فانتقى من اللفظ أحلاه، ومن المعنى أصفاه، واحتكم إلى ترصيع الإستهلال بعلامته الترقيمية، كما وردت نصاً في إعجاز القرآن : للباقلاني، مُشيراً إلى المصدر وصفحتهِ، ومُفسراً هذه العبارات في التمهيد من كتابه، كانت دعوةٌ لا تنفصل عن محيطها الثقافي وتتجسد في حضور فكرة الإعجاز القرآني وإسهاماتها في بواكير التجنيس في النقد العربي.
بنى المؤلف متنهُ على مقدمتين: المقدمة الأولى: بقلم الأستاذ الدكتور أحمد مطلوب ؛ وإنّه لشرفٌ عظيم، ومنزلة رفيعة يحظى بها هذا المتن النقدي؛ طرزت تقديمه الأول أناملُ ناقدٍ فذٍّ لهُ فضلُ الريادة والسبق في هذا الميدان، فكانت دعوته لقراءةٍ هذا المتن منطلقة من الجدّة وحصاد العمل الرصين الذي يُميزه، وما يكتنزه من آراءٍ خصبةٍ في الأجناس الأدبية، تبلورت نتاج الخوض في غمار القديم، وقراءة مؤلفاتهم بعيون معاصرة، فقد أثنى الدكتور أحمد مطلوب على جهد المؤلف، وأحكامه النقدية، ودعا القارئ إلى التأمل بعمقٍ ونظرةٍ ثاقبة مكنوناته، مؤكداً أن الكتابات والدراسات في هذا المجال على الرغم من كثرتها؛ إلاّ أنها لم تمسّ التراث -كما مسّهُ هذا المتن- إلاّ على استحياء.
المقدمة الثانية للدكتور فاضل وقد بدأها باستهلال موجز أكّد فيه عناية الدراسات النقدية الغربية منذُ وقتٍ مبكرٍ بقضية الأجناس الأدبية؛ لكنّ النقدية العربية على الرغم من إشاراتها المبكرة وتعدد أقوالها ظلّت تُعاني الإهمال وقلة البحث، ووصفها بتشبيه بليغٍ كأنها نبتٌ شبطانيّ ظهر فجأةً في تربة الأدب العربي فمقدمةُ المؤلف أقربُ إلى السيرة الثقافية التي كشف فيها انشغاله القديم بفكرة الأجناس الأدبية، وكان كلّما قرأ شيئاً من النقد العربي الذي يُعنى بهذه القضية لاحَ في أفقِ معرفته سؤالٌ هو في الحقيقة المدارُ الأول لمضمون هذا المتنِ، والذي أسس عليه الكاتب رؤيته النقدية التي تشكلت مع تقادم الزمن وكثرةِ القراءةِ، وتجدد الأسئلة وانشطارها، والوعي العلمي الرصين والحصافة النقدية المتبحرة في متون الكتب، فكان هذا النتاج عيناً جارية غزيرة يتدفق منها أعذبُ الرأي، جديدهُ ممتزجٌ بقديمهِ، وجريانهُ مستلزمٌ لتجدد مائهِ، استمدَّ مادته من مئةٍ وتسعةَ مُؤلَفٍ رصينٍ بين مرجعٍ ومصدرٍ.
لقد كان اهتمامُ المؤلف في مقدمتهِ مُنصباً على بيان منهجيتهِ المعتمدة على الوصف الذي يميل إلى التحليل دون الإحتفاءِ بالسياقاتِ التأريخية أو السير الشخصية، مرتكزاً على قواعدَ وأصولٍ منهجية ثابتة، تُميز العقلية القادرة على إنتاج المعرفة من العقلية الساكنة، وبذلك فقد ناقش التميميّ النصوص التراثية واستنطقها وأخضعها للتحليل، فوقف عند الرأي حين يجد مجالاً للتعليل برأي آخر مشدداً على ضرورةِ وضوح الأفكار التي تتجلى في مستوى التعبير عن أفكاره ورؤاه النقدية إنطلاقاً من مبدأ تراثية الأجناس الأدبية في النقد العربي، فقد حاول جاهداً بما يمتلكه من أدواتٍ وتقاناتٍ فنية أن يثبت مبدأ لا يمكن تجاهلهُ. مستعيناً بتقسيماتهِ الدقيقةِ في متن هذا المنجز إلى تمهيد وأربعة فصولٍ تتلاءم معرفياً، وتتوازن وفقاً لطبيعة الموضوعات وتأسيساتها الفكرية التي هيأت تقارباً في عدد الصفحات؛ إلاّ أن الفصل الأول تميز بطولهِ، لطبيعة مادّته.
لقد سعى المؤلف منذُ صفحاتهِ الأولى إلى قراءة التراث العربي قراءة واعية تحقق وعياً علمياً، فالتراث النقدي عنده مجموعة من النصوص تتكشفُ دلالتها آناً بعد آن، ومع كل قراءةٍ جديدة تكشف عنوان الهوية ورمز الأصالة، فهو يربط في فهمهِ لقضايا النقد التراثية بين التنظير والتطبيق وقد تحمس فيها للتراث، ويبدو ذلك واضحاً في إجراءاته الشمولية ابتداءً من التمهيد حيث وضعَ لهُ ولكُلّ فصلٍ من فصول المتن الأربعة عنواناً يطرح رؤيته فيه، فجاء التمهيد مؤطراً بـإضاءات دليلٌ على إشارات الكاتب لإنارة الطريق ممهداً بتوجيهات دلالية تفصحُ عن مدارك العقول وما يثمرُ عنها فهي نتاج التفكير والعلم الغزير.
وفي جملةِ ما طرحهُ المؤلف من حقائق تمسّ صميم الجنس الأدبي شعراً ونثراً كانت قضية الأجناس الأدبية تحتل مكانة بارزة في متن نظرية الأب؛ على الرغم من صعوبة الاقتناع بوجود تعريف واحد للأجناس الأدبية، وبذلك يشخص أجناس الأدب بأنها اختزالٌ منظم لشكل الكتابة الأدبية في كل عصورها، مُبيناً أنَّ كُلَّ جنسٍ حافظ على خصائصهِ الأسلوبية المتجانسة، رغم التطور الذي لحق فكرة التجنيس تأريخياً في صورٍ وإنجازات فردية دائمة الجدة. وعلى هذه التأكيدات يترتب موقف المؤلف في أن خصائص الأجناس بالأمس هي ليست خصائص أجناس اليوم أو غداً. وَشَّحَ المؤلف فصله الأول:التجليات بوشاح الفكرُ مفتاح الصنائع البشرية المقتبس من مقولةٍ للتوحيدي في الإمتاع والمؤانسة، هذا الفصل سياحةٌ نقدية في المقولات العربية، ومما لا يخفى على الباحث أن تعبيرالتجليات متداولٌ عند المتصوفةِ لكُلّ ما يتجلى أو يتراءى للكاتب أو القارئ من حقائق مطمورة في بحار الكتب النقدية القديمة، ولم يتناسى منهجه المعتاد في متنهِ من تقديم كل فصلٍ بمقدمةٍ توجزُ مراد الكاتب ثم يتبعها بعرضٍ تفصيلي لأهم الأفكار التي جادت بها رؤى الكاتب مستعيناً بتقانة الخطاطات الشكلية المتضمنة تقسيمات بعض الأجناس وما يتفرع عنها وفقاً لمنظور كل ناقدٍ مراعياً التسلسل الزمني لبد قضية الأجناس والتي تستدعي التحري النقدي الدقيق.
ومما يُميز هذا المتن النقدي ختام كل فصلٍ فيه بخاتمةٍ هي عرضٌ موجزٌ يشكف عن بواطن النصوص التراثية وفقاً لمنهج متكاملٍ غزير النتاج. لقد حرصَ الكاتب على طرح قضية الأجناس الأدبية باعتماد النصوص المؤسسة والتي مكنته من وضع يده على أهم آليات اشتغال تلك النظرية وتقديم التراث بعلمية رصينة؛ كونه لازماً لا يمكن العدول عنهُ. ولا ينفك من إعادة التأكيد على الحضور الفاعل للقرآن الكريم الذي لا يمكن تجاوزه، والذي دفعَ النقاد العرب للحفر في جذور الأجناس الأدبية، قصدَ تمييز القرآن عنها، وإبراز تفوقهِ البلاغي عليها.
وقد فصَّلَ الكاتب في بعض المقولات النقدية الحديثة، كقول الدكتور عبد العزيز شبيل، الذي أقرَّ بغياب فكرة الأجناس والأنواع وحضور النظرية البلاغية الجامعة بديلاً عنها، وهنا وقف المؤلف التميميِّ مُتسائلاً عن سبب تسمية د. شبيل كتابه نظرية الأجناس الأدبية في التراث النثري، جدلية الحضور والغياب رغم إقراره بغياب الأجناس، واستبدالهِ –د. شبيل- إنجازاً ظاهراً للعيان، بآخر لساني يمكن إخضاعه لتقسيمات الأجناس الأدبية؛ لكنّ الدكتور التميميِّ لم يجد جواباً علمياً مقنعاً فتوقف عند هذا الحدّ من النقاش في مقولة د. شبيل.
لقد حسمَ الكتاب القول في مسألة ضآلة العناية بالأجناس الأدبية والتوتر وعدم الاتفاق الذي تكلم فيه الدكتور عبد الله إبراهيم في موسوعته السردية وهو يتحدث عن فكرة الاجناس حين قال بأن الضآلة سمة لا يمكن القفز على حجمها ووجودها في النقد القديم، وعدم الإتفاق لا يمكن إلاّ أن يكون سبباً رئيساً يُفضي إلى الحراك الفاعل في ميدان الأدب والنقد. فقد أضاءَ المؤلف في متنهِ طريقاً للقارئ، من بعض إضاءات العسكري وعدّها خواطرَ تتقارب شبهاً بالينابيع التي يُسقى منها شيئاً بعد شيءٍ – في متن الفصل الثاني- والذي كشفَ فيه عن رؤية العسكري النقدية المنفتحة على الأدب شعراً ونثراً، أما في إضاءات الباقلاني فأنها توحي بتأكيد الكاتب على مسألةِ إدامةِ النظرِ بحذرٍ في قضية الجنس الأدبي وارتباطه بالقرآنِ الكريم وإعجازه، وهذا من أخطر القضايا وأهمها –على حدِّ تعبيره:إنَّ نقدَ الكلام شديدٌ، وتمييزهُ صعبٌ التي تحيلنا إلى البحث في هوية الأجناس ضمن نطاق الأدبِ وذائقتهِ الفنية.
وكما هي خُطى التميميِّ الجريئة في التقصي والفصل بين الآراء النقدية، كذلك كان ولوجه عالم ابن خلدون مقتفياً اثر سابقيهِ في المنهجية والموضوعية، فجاءت إضاءات ابن خلدون تحت عنوان:الشعرُ لهُ أساليبٌ تخصّه لا تكون للمنثور وكأنَّ الكاتب يحاول تهيئة القارئ لمضامين رؤية ابن خلدون التي تنضوي تحت لواء المعرفة الإدراكية والوعي العالي بأن الخطاب اللساني، والأدبي يتساوق وسائر عناصر نظريتهِ، والتي تبنتْ نمطاً من التفكير الأجناسي، ولعلنا نسلّم معهُ بمنطقية هذا الكلام؛ لأنّ ابن خلدون كان مدركاً لخصائص اللغة الشعرية التي لا يمكن أن تُلبي المنثور كلّه، فهي طاقة متفجّرة في الكلام المتــــــميز القادر على الإنزياح. وبعد هذا الجهد المعرفي الكبير أسس الكاتب بُعداً نقدياً لنظرة شاملة ممزوجة بالتجارب الخالدة، بعد أن خاضَ صراعاً لإثبات دعواتٍ قديمة تبحث في الخصائص الضامرة للجنس الأدبي والتي غادرت المكان – اليوم – تحت طائلة عبور الأنواع وتداخل الأجناس وتغيير الأنظمة الأدبية، لذا يمكننا التأكيد على أن هذه الدراسة هي نظرية خالصة تسعى إلى تقديم النظرية النقدية القديمة بتقانات متحررة تبتعدُ عن قراءةٍ الخضوعِ والتقييد للجنس الأدبي في علاقاتهِ بالأجناس الأدبية المتعددة.
























