جذور مورقة – نصوص – عبد اللطيف الموسوي
لايزال غير مصدق بأن حلم حياته سيصبح اخيراً حقيقة ، ليحظى بلقاء ولده البكر والوحيد الذي بقي اكثر من ثلاثين سنة يتوق الى رؤيته ، بعد ان فارقه وهو طفل رضيع ) لكن ثمة مايكدر صفو هذه الفرحة ، ففيما يعاني مرارة الانتظار ريثما ينهي معاملة تقاعده الوشيك ، فأن افكاراً سوداوية لعينة اخذت تطارده وتقض مضجعه ، بل ان كوابيس مفزعة دأبت على زيارته كل ليلة ، فـ(تارة يفجع بوفاة ولده في الغربة ، وتارة يصطدم بجفاء ابنه وغضبه الذي وافق اخيراً على مقابلته لكي يستدرجه الى الغربة ، فيقتص منه بحبسه في غرفة مظلمة ، لأنه كان السبب في وفاة امه التي لم يرها قط ، وكذلك في فراقه هو ايضاً))
وما ان تطلق الكوابيس سراحه ، ليتنفس الصعداء ،حتى يستسلم الى احلام اليقظة ، فينسج صوراً للقائه الاول بولده ، وكيف سيحتضنه ، وهل ستنزل دموعهما مدراراً )لايزال يتذكر كيف انه بذل جهوداً مضنية ليقنع اسرة زوجته بعد وفاتها،بأنه لم يكن سبباً في وفاة زوجته ، لقد بح صوته وهو يحاول افهامهم بأنه فوجي بإندلاع النار في المطبخ ، وانه حاول اولاً ان ينقذ طفله من السنة اللهب التي قد تمتد اليه ، فيما يمكن لزوجته ان تواجه النار البسيطة التي كانت تقضم طرف ثوبها ، قال لشقيق زوجته )هربت بالطفل الذي لاحول له ولاقوة الى غرفة مجاورة ، وقد كان بجوار زوجتي ، وعدت مسرعاً لانقاذها، قد اكون تأخرت قليلاً ـلإنشغالي في إختيار المكان الآمن لولدي ، وعندما عدت وجدت ان السنة النيران قد اكلت معظم ثوبها والتصقت بجسمها ، حينها اسرعت بها الى المستشفى بعد ان تركت الطفل لدى الجيران).
وبطبيعة الحال لم تنفع جميع اعذاره في اخفات نيران افراد الاسرة الحانقة والمفجوعة بفقدان ابنتهم الشابة بعد ثلاثة ايام من دخولها المستشفى وبعد اقل من سنتين على زواجها، فلم يكن امامها من خيار سوى مقاطعة الاب وحرمانه من ولده ، فقررت الاسرة ارسال الطفل الى خاله الآخر الذي يعيش في بلد اوربي ، ليتربى في بيئة اخرى تعوضه مرارة فقدان الابوين وتقطع صلته بكل ماهو عراقي ).
لايزال يتذكر كيف انه حاول بكل طريقة محو الافكار التي زرعها خال طفله في عقله ، عندما أخذ يكبر شيئاً فشيئاً ، فأوهمه بأن أباه هو السبب بوفاة امه عندما تماهل في انقاذها وهي تحترق ، بدعوى انه حاول انقاذ الطفل الصغير ، وان بإمكانها هي مقاومة النار ريثما يعود اليه ، لكن اصعب ما حز بنفسه البرود الكبير الذي كان يواجهه به ولده ، عندما تمكن خلال السنوات الاخيرة من الاتصال به والحديث معه عبر وسائل الاتصال الحديثة ، وذلك بعد ان تكفلت السنوات الطويلة بهدم جزء من الجدار الفاصل بينه وبين اسرة زوجته).
ولكن ، يا للخسارة ، فإن الصبي اصبح اكثر صعوبة من اخواله ، قال له ذات مرة “انت ليس بأب ، وانا ليس لي ابي ، فكيف سمحت لنفسك ان تترك أم طفل صغير تواجه الموت لوحدها بحجة انقاذ طفلها ، ومافائدة حياة هذا الصغير وقد فقد امه ؟
رد عليه “ربما اكون اخطأت في رد فعلي ، ولكن يمكن ان يتكرر مثل هذا الامر مع غيري ، لقد خشيت ايضاً ان ينفجر الطباخ لأي سبب في حينه ، فتموت انت وقد كنت في اشهرك الاولى ، فيما يمكن لأمك ان تهرب ، ثم إنني طالما حذرتها من ارتداء ثوب مصنوع من النايلون ، لأنه سريع العطب”)
اذاً ، فقد تقصدت ان تتركها ، لأنك استذكرت رجولتك في تلك اللحظة ، وعاقبتها لأنها لم تلتزم بأوامرك؟
لا والله ياولدي ، صدقني إنني لم انتبه الى الثوب الذي كانت ترتديه ، الابعد ان اوصلتها الى المستشفى ، فقد كان تفكيري محصوراً بك)
لكنه لم يتلق جواباً ، فقد اغلق “ثائر” سماعة الهاتف)
يالغرابة هذه الدنيا ، لقد لجأ الاب اخيراً الى اسرة زوجته ، لكي تساعده في تغيير افكار ولده ، التي كانت هي قد زرعتها لديه ، والغرابة الكبرى ان الاسرة اخذت تبذل جهداً كبيراً ومخلصاً لمساعدة هذا الاب المسكين ، بعد ان شعرت بأنه قد عوقب بما فيه الكفاية) ونجحت ،ذات مرة ، بتأمين اتصال هاتفي جديد بين الاب وابنه :
لماذا ياولدي تقسو عليّ لذنب لم ارتكبه؟
وهل كنت تريد مني ان انقذ امي وانا الطفل الرضيع؟
ياولدي ان امك توفيت بيومها الموعود ، اما انا فقد كرهت بعدها فكرة الزواج ، وهكذا بقيت حتى الآن من دون زواج ، وليس لي من ولد سواك
ولماذا لم تتزوج؟
لانني كنت انتظر استعادتك في اية لحظة ، ولم اشأ ان تعيش في ظل زوجة اب؟
ولكن معلوماتي تقول انك حاولت خطبة اكثر من امرأة وفشلت؟
هل تعتقد ان أي رجل سوي يمكن يعجز عن الزواج لمدة ثلاثين سنة ؟ ياولدي ان ماحصل هو ان اصدقائي واقاربي كانوا يضغطون علي كثيراً من اجل الزواج ، وعندما كنت التقي ببعض المرشحات ، اختلق بعد ايام اسباباً وحججاً لافشال المشروع؟
هل تريد القول انك كنت تحب امي؟
بالطبع ، فقد كانت امرأة طيبة وصالحة وقد فجعت بفقدانها ، وما بقائي اعزب طوال هذه السنوات الا من باب الوفاء اليها)
لكنه لم يسمع من الجانب الاخر سوى ابتسامة ساخرة ، اعقبها صوت إغلاق السماعة)
ذات يوم قرر ان يكتب لولده بضع كلمات ) صدقني ياثائر ، ان اصراري على رؤيتك يأتي في المقام الاول إكراماً لأمك ، ولكي تشعر بالراحة وهي في تربتها ، فأرجوك حقق هذه الرغبة لي ولأمك).
والمفاجأة كانت ثلاث كلمات من ولده (انتظر قليلاً يا أبي) لم تسعه الفرحة ، فأتصل بخال ابنه وأبلغه بالخبر ، رد عليه الاخير ( نعم ، انتظر ، لقد انتظرت عشرين سنة لترى اول صورة لولدك ، ثم خمس سنوات اخرى لتسمع صوته ، بعد ان اقنعته بالموافقة على الحديث معك، اما الآن، فإعتقد انك ستنتظر قليلاً) (رد عيه ولكن ما اقسى الانتظار ، لاسيما اذا كان مقروناً بكوابيس مرعبة وافكار غريبة).
ايامه الاخيرة في دائرته ، بإنتظار ترويج معاملة تقاعده ، كانت اشبه بانتظار ام لقطع حبلها السري ، فقد امضاها بإزعاج الادارة بأسئلة يومية لجوج ، حتى قالت له ذات مرة مديرة القسم ) سأذهب بنفسي لمتابعة معاملتك لدى المراجع العليا حتى اتخلص منك). تحمل ردها القاسي من اجل هدف اكبر ، لكنه في اليوم التالي فاجأها بالقول منتشياً ) لاتهتمي كثيراً بمعاملة تقاعدي ، فقد قرر ولدي اخيراً العودة الى بغداد، ليلتصق بجذوره ، بعد ان ضجر من صخب الغربة ومرارتها، وهكذا سأمضي خريف ايامي مع ولدي وزوجته وابنتيه تقى وزهراء) .























